د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
النصيحة الدينية كما نفهمها ، لا كما يفهمها الجهلة المستشيخون

  * المجتمع الذي يتحوّل الجهلة فيه إلى تجّار نصائح بالجملة والمفرق ، وأطباء في شفاء الأمراض العقلية والنفسية ، هو في الحقيقة مجتع متخلّف مريض ، وبحاجة ماسة إلى مراجعة نظام قيمه ، ومعالجة أسباب تخلّفه وانحطاطه . الناس يتناصحون في مواقف معيّنة حيث أن الأكثر علما وخبرة وثقافة في موضوع معيّن ، يساعد شخصا أقلّ منه خبرة ومعرفة في الموضوع الذي أعطيت فيه النصيحة .

  * النصيحة الدينيّة التي لها مصداقيّة عادة يعطيها مرجع في العلم والفقه الديني كشيخ جليل ، أو راهب ، أو كاهن مؤهّل ومصرّح له بذلك رسميا كجزء من عمله ، أو بحكم تحصيله الأكاديمي . إنه ينصح أي إنسان يطلب منه النصيحة في مشكله دينيّة او شخصيّة ، ويساعده في إيجاد حل لها بناء على ما ورد في كتابه المقدّس ، أو بالاعتماد على معرفته لمجتمعه ، وثقافته العامة ، وخبرته الشخصية في التعامل مع مشاكل مشابهة .

  * قد تكون النصيحة علنيّة أو سرّية بناء على حساسيّة القضيّة ورغبة طالبها ، لكنها في الحاتين تصرّف إنساني حميد يساعد الناس في حل مشاكلهم الشخصية والأسرية والمجتمعية ، ويزيل سوء التفاهم بينهم دون اللجوء إلى المحاكم وتحمّل نفقات لا لزوم لها ، ويقوّي أواصر الود والتفاهم بين أفراد المجتمع ككل .  

 *  منذ وجدت الحياة الانسانية على هذا الكوكب وحتي نهايتها ، كان الانسان وسيظل ذو قيم وأفكار وأحاسيس ونوايا متناقضة .. لا ..  تؤهّله أن يكون ملاكا ، أو قدّيسا لا أخطاء له . الانسان رائع ، ومبدع ، وخلاّق ، وأخلاقي ، وأناني ، وطاغية ، ومدمّر، وخائن أي إنه بتركيبته العقليّة والنفسيّة يجسد وجودا متداخلا من ... الخير والشر في أسمى ، وأجمل ، وأقذر معانيه ...

 * ولهذا يمكننا القول أننا جميعا نرتكب من الأخطاء والذنوب والمعاصي ما صغر منها وما كبر ، وليس بيننا ملائكة لا يخطئون ، ولن يوجد بينا ملائكة حتى قيام الساعة . ولهذا فإن الذين يحلمون بوجود المجتمع الفاضل الخالي من الشرّ والبغي والأنانية ، ... أو مجتمع الانسان الكامل التقيّ النقيّ ... حسب مواصفاتهم الدينيّة أو الفلسفيّة يعيشون على أحلام يقظة ، وإنهم  .. كمن يحرث في البحر .. لأن أحلامهم  وجهودهم لا يمكن أن تحقّق ما لا يمكن تحقيقه .

  * الأديان تحترم خصوصيات أتباعها ، وتقرّ بمحدوديّة تفكيرهم ، وتعترف بنقاط ضعفهم ، وتشجّع التناصح بينهم ، شريطة أن يكون الناصح أكثر علما وخبرة ومعرفة من طالب النصيحة ومحتاجها . ولهذا فإن الناس يذهبون إلى مرجعياتهم . المسلم يذهب إلى رجل الدين المؤهل علميّا ، والمسيحي يذهب إلى الخوري ليعترف بذنوبه وأخطائه ، والبوذي والهندوسي يذهب إلى الكاهن ، والكل يطلب من الله السماح  والمغفرة ، والله يستجيب ، لأنه رحيم وخيّر ، ويحب الخير لجميع مخلوقاته .. دون تمييز ..

  * المزعج أنه ظهرت في مجتمعنا العربي .. فئة متطفّلة جاهلة من المتأسلمين الجدد .. تدّعي العلم والفقه في كل القضايا والمشاكل ، وتحاول أن تفرض نفسها في المجتمع كطبقة من المتخصّصين في .. علم النصيحة الدينيّة ..! الذي تعلمته من الكتب الصفراء التي لا علاقة لها بالدين الحميد ، وفي المقاهي ، والدكاكين ، وجلسات الاستغابة .

  * هذه الفئة من المتخصّصين في إعطاء النصائح في كل المناسبات واللقاءات ، وفي المقاهي ومحلات البقالة والشوارع ، تعتبر نفسها الفئة الوحيدة .. الناجية من عذاب جهنم .. ، وتعتقد أن الله سبحانه وتعالى أمرها أن تنصح كل إنسان .. جاهل .. من الذين يختلفون عنها بنمط حياتهم ، وبعلمهم وثقافتهم ، وتجاوزوا مرحلة الجهل ، وليسوا بحاجة إلى من .. يدوشهم .. بكلام  جهلة فارغ لا يقدّم ولا يؤخر .

  * هؤلاء الجهلة من المستشيخين لا يعرفون حدودهم العقليّة ، وغالبا ما يتسلّحون بمعلومات ... سطحية ضحلة يلبسونها عباءة الدين ... ليسهل تسويقها في عالم المغفّلين . بعضهم يفعل هذا النوع من الشعوذة النصائحيّة مقابل أجر أو مكسب مادي كالعاملين في عيادات الطب .. المشيخي ..  المتخصّص في شفاء جميع الامراض العقلية والجسدية بالدعوات والأحجبة وفك السحر وغيره ، وبعضهم ينتفع منها معنويا ويستغلونها لتغطية جهلهم وتخلفهم ، ولتحسين مكانتهم الاجتماعية بين الناس في بيئتهم .

  *  هذا الجهل والتجهيل النصائحي الذي ترفضه شعوب العالم الحديثة الواعية ، يزداد إنتشارا وشمولا في الوطن العربي . إنه دليل على تخلّفنا واستمرار تقهقرنا الثقافي والحضاري . المضحك أننا كثيرا ما نلاحظ الصدام بين الناصحين والمثقفين في لقاءاتنا وجلساتنا .  ومثال على ذلك إذا وجد في جلسة ما أستاذ في الفيزياء وكان يتكلم عن نظريّة ... الكم ... الفيزيائية المعروفة التي تبحث في أصل وعمر ومكوّنات الكون بأسلوب علمي ، فإن بإمكان تاجر نصيحة موجود في الجلسة لا يفقه شيئا لا في الفيزياء ولا في الدين أن ... يتنطّح ... له بالقول إن ما تقوله .. كفر .. لأنه غير موجود في القرآن والسنة...! فيسكت العالم ويهزم ، وينتصر المغفّل لأن العالم لا يستطيع الاعتراض على أي شيء يقال باسم الدين ، وينسب إلى القرآن الكريم والسنة حتى إذا لم يكن له علاقة بالعقل والدين .

  * لقد أساء هؤلاء الجهلة للدين . قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه " الدين النصيحة ." ما قصده الرسول هو أن النصيحة تعطى إذا طلبت ، وتكون خيّرة ومفيدة إذا كان الناصح فقيها في علوم الدين ، ومثقفا في أمور الدنيا ، وله خبرة جيّدة في الحياة ، ويعرف أكثر من طالب النصيحة ، ولم يقصد عليه السلام أن كل مسلم قادر على إعطاء النصائح الدينيّة ، خاصة إذا كان جاهلا ، لأن نصائحه تضر أكثر مما تنفع .

  * ولهذا فإن من واجبنا أن نتصدى لهؤلاء الجهلة الذين انتشروا في كل مكان ... بمسابح ، ولحى مختلفة الأحجام والألوان ... ، وأن لا نسمح لهم بالتدخّل في شؤون حياتنا ، لأن تدخّلهم يسيء لنا ولديننا ولمجتمعنا . الدين الحقّ يحترم العلم والمنطق والعقل ، ويرفض الجهل ونصائح الشعوذة التي تصدر عن أناس لا علاقة لهم بالثقافة والدين . 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز