د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
بعد أكثر من قرن على رحيل الكواكبي : ما أشبه الليلة بالبارحة !

  * مرّت 162 سنة على ولادة عبد الرحمن الكواكبي ، و 114  سنة على وفاته رحمه الله ، وأمّة العرب التي إعتبرها ضائعة  تبحث عن نفسها وحاول إيقاظها ما زالت تائهة ، بل إنها أصبحت أكثر تيها وضياعا مما كانت عليه في زمنه ، وإن معاناتها من الاستبداد والجهل الذي حاربه واعتبره مصيبتها الكبرى ما زالت مستمرة .

 * كان عبد الرحمن الكواكبي أحد روّاد النهضة العربية المعادين للتخلّف والظلم والاستبداد ، وأحد مؤسّسي الفكر القومي العربي . لقد كان مناضلا عنيدا مستنيرا إشتهر بكتابه " طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد " الذي يعدّ من أهم الكتب العربية في القرن التاسع عشر . لقد حاول إيقاظ أمّة ترفض أن تستيقظ ، وقيل إنه مات مسموما عقابا له على نبوغه وإنسانيته وكفاحه من أجل وطنه وإنسانه .

  * إنه لأمر مؤلم حقّا أننا عندما نقرؤ عنه وعن التنويريّين العرب الذين عاشوا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، والنصف الأول من القرن العشرين نشعر بخيبة أمل شديدة ، وتشاؤم مرعب . لقد أراد أؤلئك الرجال العظماء  لنا الوحدة ، والقوّة ، والحداثة وآمنوا بقدرتنا على بناء وطننا ، وتحقيق إنجازات تليق بنا ، وتضعنا بين أمم الأرض المتطوّرة . ولهذا كافحوا ، وتعذّبوا ، وسجنوا ، وأعدم بعضهم من أجلنا ومن أجل مستقبل أفضل لأبنائنا .

  * لقد عرف الكواكبي وصحبه من مسلمين ومسيحيين عرب قدسيّة الوطن ، ومعنى المواطنة  واعتبروها حقا مقدّسا للجميع ، فتعانقت أديانهم  وقيمهم النبيلة ، واحترموا إختلافاتهم وتنوّع ثقافاتهم ، وآمنوا بالوطن الواحد الذي يتّسع للجميع ، فشعر العربي أنه أخ لأي عربي آخر وشريكه في مصيره . لقد أضعنا كل هذا وأصبحنا .. أعرابا .. نكره ونقتل بعضنا بعضا ، والعالم كله يتسابق في التآمرعلينا ،  وفي نهب ثرواتنا ، ويمعن في الاستخفاف بنا وبقضايانا وبطموحاتنا .

  * لا حل لمشاكل هذه الأمّة  إلا بالديموقراطية الحقيقيّة المؤسساتيّة التداوليّة . إنها الحل الوحيد الذي سينقذها من وضعها المتردي ، ويضعها في الطريق الصحيح لمستقبل أفضل . هذا النظام السياسي جربته شعوب كثيرة وثبت نجاحة وملائمته للحياة المعاصرة  ، وأصبحت الدول التي تبنّته وطبقته من أكثر دول العالم تطوّرا وتقدّما .

  *  الحاكم العربي وبعض رجال الفكر يقولون إن الانسان العربي لا يعرف الثقافة الديموقراطية ، وأنه لم ينضج لهذه المرحلة حتى الآن ويحتاج إلى وقت لكي يكون جاهزا لها ، وإنه إذا أجريت إنتخابات ديموقراطية نزيهة ، فإنه سيفضّل وسينتخب إبن عشيرته أو حامولته ولا يختار المرشح الأفضل القادر على خدمة الوطن والمواطن . هذه الفرضية فيها بعض الصحة ، ولكنها كما يقولون ... عذر أقبح من ذنب ...

  * السؤال هنا هو إلى متى سننتظر حتى يجهز الانسان العربي للديموقراطية ؟ وهل الانتظار سيفيد في شيء ؟ وهل حدث في التاريخ أن حدّد شعب متى سيكون جاهزا للديموقراطية ؟ أعتقد أن الجواب هو .. لا .. لأن الانسان يتعلّم من تجاربه . كل شعوب العالم كانت تحكمها أنظمة تسلّطية ووراثيّة ، وكانت تعاني مثلنا عندما طبّقت الديموقراطية . لقد أخطأت في التطبيق في البداية ، لكنها تعلّمت من خلال الممارسة والتجربة ، وتبيّن لها أن القيم والممارسات الديموقراطية غيّرت حياتها ، فتمسكت بها كنظام للحكم وبنت دول قانون ومواطنة حديثة تساوي بين الجميع .

  * الانسان العربي بحاجة ماسة الى ممارسة الديموقراطية ليفهم ثقافتها ويكتشف فوائدها . إنه سوف يصيب ويخطىء في ممارساتها في البداية ، لكنه سيكتشف فوائدها ويتمسك بها ويدافع عنها . ولهذا لابد من البدء بتطبيقها وتحمّل بعض سلبياتها في مرأحل التطبيق الأولى ، لأن معظم هذه السلبيات ستتلاشى بالممارسة والتعلم من الأخطاء .

  * الغرب واسرائيل يعتقدون أن التهديد الحقيقي لوجودهم في المنطقة سوف يبدا عندما ... يسيقظ العربي من سباته ...  وبما ان الحرّية والديموقرطية في رأي أعدائنا هي التي ستبني الانسان العربي وتحوّله إلى مارد لا يقهر ، فإنهم يعتقدون أنه لا بد من محاربتها وإبقاء انساننا غارقا في جهله وتخلّفه ، وذلك ليستمر تحكمهم به وبمصيره .

  * الحاكم العربي لا يهمّه إلا إستمرار تسلّطه وحكمه . ولهذا فإنه أقام دولة الاستبداد  وآمن  بفلسفة.... جهّل تسد .... وإقمع تدم .... وإخدم الغرب وتآمر معه ليحميك ! إنه عدوّ لدود للحرية والمعرفة لأنه يعرف أنه لا بقاء له في مجتمع حرّ ديموقراطي مثقف ، لأن مجتمع كهذا  سينتج الانسان الواعي المتحضر الذي سيرسله إلى مزبلة التاريخ .

  * في أيام الكواكبي ورفاقه من روادنا كنا شعوبا جاهلة ومتخلفة وراضخة ومستسلمة للظلم ، ... والظاهر أننا ما زلنا كما كنا ... وما أشبه وضعنا ألآن بالوضع الذي وصفه الكواكبي عندما قال ... " ما لنا ألفنا مع الكبير ولو داس على رقابنا ! ألفنا ثبات الأوتاد تحت المطارق ! ألفنا الانقياد ولو إلى المهالك ! ألفنا اعتبار التصاغر أدبا ! والذل لطفا ! والتملق فصاحة ! وترك الحقوق سماحة ! وقبول الاهانة تواضعا ! والرضى بالظلم طاعة ! ... والاقدام تهورا ! والحمية حماقة ! والشهامة شراسة ! وحرية القول وقاحة ! وحرية الفكر كفرا ! وحب الوطن جنونا ! ...

  * رحمك الله يا كواكبي ، لقد كنت نجما مضيئا في عالم فقد بصره وبصيرته ، وما زال بعد حوالي  قرن ونصف من دعوتك له بالثورة والتمرد على الاستبداد ، تائها جاهلا مستسلما كما كان عندما تركته ، لا يرى الا الظلام ولا يحس بوجود النجوم والكواكب .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز