د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
هذا زمن الجهل العربي المقدّس ، زمن الدين بلا دين ولا ثقافة

  
                                      
  * الله لا يريد لنا ... جميعا ... إلا الخير والعدل والسلام . هكذا قال في كتبه المقدّسة ، وبهذا بشرّ رسله ، ونحن كأناس نعيش في هذا العالم المتناقض في قيمه وعقائدة نحتاج إلى الدين المتسامح المستنيرالذي يرفض القوقعة والجمود ، ويبارك إعمال العقل والمنطق في التعامل مع قضايانا ، ويحترم التعدّدية الايمانية والفلسفية ، ويؤمن بالعيش المشترك بين أتباع الأديان المختلفة .

 
  * ولهذا فإنّني ضد التعصب الديني سواء كان إسلاميّا ، او مسيحيّا ، أو يهوديّا ، أو هندوسيّا إلخ . لقناعتي أن ذلك لا يخدم الانسانية ، ويتعارض مع تعاليم  الأديان التي جاءت لتساعد الانسان في تعامله مع  مشاكله ومتطلبات حياته  الدنيويّة ، وفي إقامة علاقة طيبة مع خالقة قد تجنّبه عذاب جهنم ، وتضمن له مكانا في الجنّة . هذا ما يريده الله ، وما أراده الأنبياء والمصلحون جميعا .

 
  * نحن كبشر نحترم  ونجلّ جميع أتباع الأديان السماويّة الذين يشكّلون أكثر قليلا من نصف سكان العالم ، ولا يمكننا أن نتجاهل وجود أولئك الذين يؤمنون بفلسفات دينية ، أو الذين لا يؤمنون بأيّ دين ويشكلون معا أقل قليلا من النصف الآخر . إن عدد سكان العالم قد وصل إلى 7500  مليون ، منهم 4100  مليون من المسيحيين والمسلمين واليهود ، والباقي  3400  مليون من الذين يتبعون ديانات وفلسفات أخرى كالهندوسية والبوذية وغيرها ومن الملحدين واللاأدريين .
  * هذا التقسيم الديني يعني ببساطة أنه لا يوجد دين واحد يمثّل أغلبيّة سكّان الأرض ، وإن أكثر من نصف سكان العالم غير متدينين ولا يمارسون الدين . إن المسيحيّة والاسلام أكبر دينين سماويّين لا يمثّلان إلا حوالي  55 % من سكان العالم :  32 % مسيحيين أكثر من نصفهم لا يمارسون الدين ، 23 % مسلمين ، و45 % يتبعون ديانات وفلسفات أخرى .

  
  * اليهود لايعترفون لا بالمسيحية ولا بالاسلام ، والمسيحيون يعتبرون جميع الديانات الأخرى بما في ذلك الاسلام غير صحيحة أو خاطئة False Religions ، والمسلمون يؤمنون بنفس الشيء ويكفّرون من لا يؤمن بدينهم . والاديان الأخرى تشترك بشكل أو بآخر في هذا التصنيف الرافض للديانات الأخرى ، وبعضها لا يؤمن بالبعث أو بحياة أخرى بعد حياتنا هذه ، والملحدون واللاأدريون لا يؤمنون بهذا كله .


  * المسلمون يشكلون أقل من ربع سكان العالم . هل هذا يعني اننا نستطيع أن نعزل أنفسنا عن ثلاثة أرباع سكان الكرة الأرضية  ؟ بالتأكيد لا . أن العالم أصبح كثير التداخل ولهذا فإنه لا بدّ للعالم الاسلامي أن يتعامل معه ، ويفهم أن الشراكة الكونية بسلبياتها وايجابتها أصبحت قدر الجميع الذي لا يستطيع أحد الفكاك منه أو العيش بدونه .


  * ظاهرة التديّن المصلحي التجهيلي  الرافض للحداثة  ... والمعرّف بلحية ومسبحة وزبيبة على الجبهة ... لا يمكن تجاهلها أو إنكار وجودها في مجتمعنا العربي المعاصر . هذا النوع  الجديد من التأسلم الضيّق الأفق الذي غزى مجتمعنا العربي ، له عشرات ملايين الأتباع من البسطاء الذين يتصوّرون أنهم اصحاب الحقيقة المطلقة ، وإن من لا يتفق معهم في فهمهم المتخلف للدين ... كافر زنديق يحلّ هدر دمه ... ، وإرساله إلى جهنّم .


  * نعم هذا هو زمن الجهل المقدس ، زمن الدين بلا دين ولا ثقافة . أننا نرى مظاهر الدين والتديّن في كل مكان في الوطن العربي ، وفي نفس الوقت نرى أن الفساد والانحطاط والجريمة بكل أنواعها قد ازدادت بشكل ملاحظ ، ما يعني ... دين وتديّن في الظاهر ... ، وبعد عن الدين الخيّر الحنيف في الممارسة والسلوك ، ... أي دين بلا دين  ...!

  * المضحك أن عشرات ملايين الوعّاظ الذين فشلت الأغلبية الساحقة منهم في كل شىء ، ومعظمهم لم يزر في حياته بلدا آخر ، ولم يقرأ في حياته كتابا أو مقالا في صحيفة أو مجلّة  ، ولا يعرف شيئا عن قيم العالم وثقافاته ، لا يكفّون عن إعطاء المحاضرات والنصائح في الدين والأخلاق للعباد المساكين من أمثالنا ... وهم يفعلون عكس ما يقولون ، وضدّ ما يدعون إليه في حياتهم وممارساتهم !

  * لقد مللنا من هذا الكلام المكرّر ! إننا نعرف واجباتنا ، ونحترم ونمارس ما أمرنا الله جل جلاله وديننا به ، ولا نحتاج لمواعظ في هذا الشأن ، ونرفض الاحكام التي يصدرها هؤلاء علينا وعلى غيرنا ممّن لا يتّفقون معهم في الرأي . ولهذا فإن من واجبنا أن .. نوقفهم عند حدّهم .. وأن لا نستمع لهم ، ونفهمهم بأدب أننا لا نحتاج لنصائحهم  لأنهم .. لا يعرفون ..عن ديننا أكثر ممّا نعرف ، وإننا نرفض جهلهم الديني الذي يحاولون أن يفرضوه علينا ، ولا نسمح لهم أن يعبثوا بديننا ويتلاعبوا بقيمه كما يحلوا لهم .

 
  * نريد من هؤلاء المستشيخين أن يمارسوا الصدق ، والتعامل الحسن ، والتسامح ، ... وإحترام الاختلاف الديني ... في حياتهم اليومية ، وفي تعاملهم مع الآخرين . ولهذا فإننا ندعوهم إلى فهم أصول الدين وتسامحه كما علّمها محمد صلى الله عليه وسلم  ، والمسيح علية السلام ، وعظماء المسلمين والمسيحيين ، والنجاشي ملك الحبشة المسيحي الذي لجأ لدياره بعض المسلمين الهاربين من بطش وظلم معارضيهم من قبائل العرب ، فأكرمهم ووفّر لهم الحماية حتى عودتهم لديارهم .
  * المتأسلمون الجدد يركّزون على المظهر والقشور ، ويتجاهلون الجوهر وحقائق الأمور ، ويتمتعون بعقل جمعي لا يرى إلا الظلام . إن عقلهم الظلامي هذا إستطاع أن .

..  يصنع من التخلف والجحيم نعيما مزيّفا ، ومن الجنّة والجمال جحيما حقيقيّا ... ، وخلق حالة إجتماعية غير سويّة ، فأصبحنا لا نستطيع أن نفرّق بين المتديّن المزيّف ، والمتديّن الحقيقي الطيّب الذي يخاف الله ، فتراجعت قيمنا الطيّبة ، واستبدلناها بمظاهر زائفة ، وأصبحنا لا نعرف من نحن ولا ماذا نريد .
  * المتأسلمون الجدد يمتازون بضحالة الثقافة والجهل ، ولهذا فإنهم حوّلوا الثقافة الدينية ... من فهم تسامحي للاسلام  ، وسلوك  مؤدب أخلاقي عقلاني منطقي ، وتديّن صادق هدفه إحقاق الحق ومحاربة الباطل ... إلى لحية ومسبحة وطبعة على الجبين ... ، وشعوذة ، ومظاهر خادعة . أما نتائج تديّنهم المظهري فإنها واضحة في تراجع أخلاق وقيم الأمة ، وانتشار الجريمة  والفتن في كل مكان .
        







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز