د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
الأمة التي تزرع جهلا ، تحصد جهلا وتخلّفا


* ألأمم لا تزدهر وترتقي بالتمنّيات ، والدعوات . إنها كالنبات إذا لم تزرعه في التربة والبيئة الجيّدة التي تلائمه ، فإنه لا ينمو ، وإذا نما يظل هزيلا ولا ينتج إلا قليلا . هذا ينطبق على البشر أيضا . الأنسان هو .. إبن .. البيئة التي يولد ويترعرع فيها .
* إذا كانت البيئة جيّدة ومتطوّرة ، وعلى درجة معقولة من الثقافة ، وتتمتّع بالحرّية ، فإن حظوظ إنسانها جيدة لينمو نموا حسنا ويصبح مواطنا جيدا ، واعيا ، أخلاقيا ، ومنتجا يستفيد هو من جهوده ، ويفيد بها الآخرين . وإذا كانت البيئة التي ينمو ويترعرع فيها متخلّفة ، فإن فرصه في التقدم محدودة ، ومن المتوقع أنه سيكون متخلفا كبيئته ، وقليل الانتاج والفائدة لنفسه وللآخرين . ولهذا يمكننا القول إن المجتمع المتخلّف المغلق ينتج إنسانا متخلّفا ، وإن والمجتمع المتطوّر المتحضّر ينتج إنسانا متطوّرا متحضّرا .
* من السهل جدا إثبات ذلك إذا قارنا بين تصرّفات وإنتاج رجل سويسري ولد ، وترعرع ، وتعلم ويعيش في مدينة مزدهرة ، وتصرفات وإنتاج رجل حرم من التعليم ، ولد وترعرع ويعيش في كوخ في منطقة متخلفة ومعزولة عن الحياة المدنيّة في دولة نامية . إننا سوف نجد أن هناك فرقا كبيرا في أسلوب حياة الاثنين ، ونمط تفكير كل منهما ، وتعامله مع الآخرين ومع الأشياء المحيطة به ، ومع الحياة ككل . كطفلين كان كل منهما من نفس المكوّنات الأحيائية .. من لحم ودم وعظم .. ، وله نفس التركيبة العقلية البيولوجية بالولادة ، ولكنهما الآن كائنين مختلفين تماما في حداثتهما ، ودرجة تحضّرهما ، وقدرتهما الانتاجية ، وتعاملهما مع الحضارة العاصرة بسبب ما هيّئته لهما البيئة الاجتماعية التي عاشا فيها .
* هل الله غير عادل في تكوين عقول وقدرات مخلوقاته ؟ وهل هو المسؤول عن تحضّر الأول وتخلف الثاني ؟ بالتأكيد لا . الله عادل ويخلق الناس متساوين في مكونات أجسامهم . الطفل حديث الولادة يتساوى في مكوّنات جسمه مع أي طفل آخر ولد في أي زاوية من زوايا الكرة الأرضية ، وعنده القدرة والاستعداد الفطري الذي منحه إياه الله ليتعلم ويتهذب وينجح ، كأي طفل آخر أينما كان مكان إقامته ، ومهما كان لون بشرته .
* الطفل العربي ذكي جدّا ولا فرق بينه وبين أي طفل آخر في العالم . لكن مشكلته تكمن في البيئة السيّئة التي يولد ويترعرع فيها . بصراحة .. نحن الذين نجهّله ونجعل منه إنسانا فاشلا . البيت ، والمجتمع ، والمدرسة ، والشارع ، والناس الذين يتعامل معهم هم الذين أنتجوه كما هو ، وأكسبوه ثقافة حياة معينة .
* إننا لا نحترم عقل الطفل ، ولا نشجعه على التعبير عن أحاسيسه ، ونحبطه ، ونشعره أنه غبيّ ، وفاشل ولا أمل له في النجاح مما يؤثرسلبا على تكوينه النفسي وعلى إعتزازه بذاته . الطفل يحتاج إلى أن يعامل باحترام ، وأن نشعره أنه محبوب وذكي ، وقادر على فهم الأشياء التي تناسب قدراته الادراكية وإنجاز ما يطلب منه .
* ولهذا فإن الطفل العربي الذي عاش في هذه البيئة واكتسب هذه الثقافة ، لا يستطيع أن يغير مكوناته العقلية والثقافية المتراكمة حتى في شبابه وبقية حياته إلا في حالتين : الحالة الأولى هي أن يكتشف أنه متخلّف ويحتاج أن يتعلم ويتغيّر، ثم يبدأ في تعليم وتثقيف وتطوير نفسة وقد ينجح وهذا يحدث كثيرا . والحالة الثانية هي أن يهاجر من بيئته إلى بيئة أخرى أكثر تقدما من التي ولد وترعرع فيها ، حيث إنه يضطر أن يقدم تنازلات من قيم بيئتة السابقة ، ويتغيّر ويتعلّم من البيئة الجديدة ليتمكّن من مواصلة العيش فيها . هذه عملية تكيّف إجتماعي معروفة تمارس على نطاق واسع في العالم الحديث بسبب تنقلات الناس ، وهجراتهم من الريف إلى المدينه ، ومن دولة إلى أخرى .
* للأسف نحن العرب نعاني من أنظمة تسلّط واستبداد تكتم أنفاس الجميع ، ومن تفسير متخلّف للدين وقيمه النبيلة ، ومن عادات وتقاليد بالية ، ومن عقلية قبلية جمعية تقلّل من شأن الفرد ولا تشجعه على التغيير ، وتساهم في نشر ثقافة الجهل بيننا رجالا ونساء وأطفالا .
* هذه العوامل السلبية تبطىء وتعيق تقدم ثقافتنا وإنساننا ، ... إننا نورّث جهلنا من جيل لآخر ... نتيجة لعوامل متعددة منها البيئة الأسريّة المتخلّفة ثقافيا ، وعدم إهتمام الوالدين بصحة أطفالهما العقلية والنفسية ، ومن دكتاتورية الأب المتحكمة في كل شؤون الأسرة .
* أضف إلى ذلك أن البيئة العربية بصورة عامة لا تشجع النزعة والمبادرات الفردية ، وتقلّل من أهمية الاستقلالية والاعتماد على الذات ، ولا تقبل التمرّد على الموروث الثقافي كما هوالحال في الغرب . إننا نخاف من إنتقاد الآخرين لنا ، ونهتم كثيرا برأيهم فينا وبتقييمهم لنا لأننا لا نثق بأنفسنا ، ولهذا نحاول إرضاء الجميع بتنازلنا عن حقّنا في الاعتراض والرفض ، لأننا عبيد لارادة الجماعة ولسنا أسياد أنفسنا .
* الجهل ينتقل منا ومن مكوّنات مجتمعنا إلى أبنائنا . إننا نزرعه فيهم ، ونوّرثه لهم ، ونرعاه ونكبّره فيهم ومعهم . خلاصنا من الجهل والتخلّف لا يمكن أن ينتهي بين عشية وضحاها . إن إنهاءه يحتاج إلى أجيال ، وإلى عمل مستمر في تطوير الفرد ، وخاصة المرأة ، والأسرة ، ووسائل الثقافة ، والمجتمع والخدمات الأساسية العامة . نحن في الحقيقة بحاجة إلى ثورة ثقافية شاملة لنتخلص من الموروث المتخلّف ، ونبني عالما جديدا يليق بالانسان ويخلّصنا من أمراضنا العقلية والنفسية ومن تخلّفنا الوراثي .






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز