د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
في الوطن العربي نوعين من الكتاب : الأول باع نفسه للسلطان والآخر همّه إنقاذ الانسان

* الكتّاب الكبار من مثقفي الأمم الملتزمين بقضايا الانسان ، والمطالبين بالعدل والمساواة بين الناس ، والمنادين بالحرّية كانوا دائما الشموع التي أضاءت للشعوب طريق الخلاص من الظلم ، ودفعتها الى الثورة لنيل حرّيتها وكرامتها . ثورات التغيير الكبرى قادها أنبياء ، ومفكرون تمردوا على الواقع المزري الذي كانت تعيشه شعوبهم ، ونجحوا في خلق واقع جديد أكثر تقدّما وازدهارا ، وأكثر ملائمة لانسانية الانسان .
* ألأنبياء جميعا بما فيهم موسى ، وعيسى ، ومحمد إختارهم الله ليعلوا كلماته ، ويحاربوا الظلم ، ويحموا الناس من الاستغلال ، وليقيموا العدل بينهم ، فكانوا أهلا لهذا الاختيار الربّاني ، فثاروا ضد الظلم واستعباد الناس في زمنهم ، وغيّروا أممهم للأفضل . كذلك فعل كريشنا ، وبودا ، وكونفوشيوس ، وزرادشت الذين سبقوا أنبياء الديانات السماوية زمنيا ، وعرفوا ... بؤس ... مجتمعاتهم ، وعاشوه وأحسوا `به ، وذاقوا طعم مرارته قبل أن يتمرّدوا عليه ويلعبوا دورا هاما جدا في تغييره .
* مارتن لوثر كنج ، وجان جاك روسو ، والفارابي ، وابن سينا ، واسحق نيوتن ، وستيفن هاوكنج .. يمثلون كوكبة .. من العظماء الذين تمرّدوا على واقعهم وغيّروا مجرى التاريخ بما قدّموه لشعوبهم وللعالم من علوم نافعة ، وكلمات حرّة صادقة كان وقعها أشدّ من الرصاص ، وقادت إلى تغييرات هائلة خدمت الناس جميعا في تطوير قدراتهم العقلية والادراكية ، وأدّت إلى إندلاع الثورات التي رفضت الاقطاع ، وتمرّدت على التسلط الديني ، وتمكنت من تحقيق الحرّية والعدالة الاجتماعية . هذه الثورات قادت الكثير من أمم الأرض إلى إقامة مجتمعات ديموقراطية حديثة ، وإلى تطوّر هائل في العلوم والفنون والفلسفة والآداب ... أنار الكون ... وبّدد الظلام ، ومكّن العالم من تحقيق هذا التقدّم الشامل الذي تستفيد منه جميع شعوبه الآن .
* مشكلة أمتنا الكبرى تكمن في التخلّف والجهل الذي أنتجته قرون من الاستبداد وإشغال ... العقل العربي في النقل وفي اجترار التاريخ صحيحه ومزوّره ... ونتيجة لذلك أصبنا بهذه الحالة من ... الكساح العقلي والثقافي المزمن ... الذي تعاني منه كل مجتمعاتنا العربية . أنا لا أشك أن ... غياب الحرية ... هو السبب الرئيسي الذي نفى عقل إنساننا ، وأوصل مجتمعاتنا إلى هذا البؤس والتخلف الذي جبلنا فيه .
* أمتنا بحاجة إلى مثقفين يتمرّدون على مكوناتنا العقلية ، ونمط تفكيرنا ، وأكاذيب تاريخنا ، وتسلّط حكامنا ، وجهل رجال ديننا . الابداع الفكريّ في ظل الحريّة هو المنقذ الحقيقي للأمم والباني لمستقلها ، والجهل هو سبب تعاستها وبؤسها وتخلّفها . التاريخ علّمنا أن الكلمات الجريئة الصادقة التي طرحها الأنبياء والمفكّرون للتّداول بين الناس وتصدّوا من خلالها للظلم والطغيان ، أقامت حضارات ، وبنت إمبراطوريات ، وغيّرت العالم .
* العالم العربي للأسف فيه نوعين من المثقفين : النوع الأول يتكون من أولئك الذين باعوا أنفسهم للحاكم العربي المستبد مقابل وظائف بائسة ، ودخل مادّي يوفّر لهم حياة مريحة ، ومكانة إجتماعية قائمة على النفاق والرّياء ، ومكانة فكريّة وثقافيّة مصطنعة كاذبة لن تدخلهم التاريخ .
* هؤلاء المزتزقة يتحكّمون في الصحافة ومحطّات الاذاعة والتلفزة ، وفي نشرات الأخبار ، والبرامج الحوارية المذاعة والمتلفزة . إنهم يلعبون دورا هامّا في خداع الشعب بترويجهم لتلفيقات بائسة عن عدل ونجاح الحاكم . فيحوّلون بذلك هزائمه إلى إنتصارات ، ورشاويه إلى مكرمات ، ومصادرته للحريات وحقوق الشعب إلى حرص على الأمن والأمان ، وغبائه إلى دهاء سياسي ، ونفيه للمعارضين والتنكيل بهم إلى حرص على المصلحة العامّة ، ومصادرته للفكر والثقافة إلى حرص على قيم المجتمع ، ودينه الحنيف ، وعاداته وتقاليده .
* إنهم يزوّرون التاريخ بتأليف كتب محشوّة بأكاذيب تقدّم للقارىء أحداثا تاريخيّة وسياسيّة مصطنعة ، وتسرد قصصا مختلقة لا وجود لها عن نجاح الحاكم وأسلافه العظام ، نقرؤها ونردّدها رغما عنا ، وتدرّس لأبنائنا في المدارس والجامعات ، فتلوّث عقولنا جميعا وتطيل أمد الاستبداد . لقد وصل الاستخفاف بعقول الشعب عند هؤلاء إلى أنّهم قاموا بكتابة وطباعة ونشر كتب ، وأشعار، ومقالات حملت أسماء حكاّم وأمراء وشيوخ شبه أميّين ... كمؤلفين ... لها ، على الرغم من أن أحدهم لم يكتب سطرا واحدا منها .
* المثقف الانسان الملتزم بالحقّ يقدّس الحقيقة وينطقها ، ويتحدّى جلاّدي الأمة ، ويحلّق عاليا في السماء ، ويغرّد صدقا وثورة على الظلم والطغيان ، مترفّعا ورافضا إغراءات الحاكم ومكافآته ، لأنه لا يقبل أبدا أن يبيع عقله وضميره .
* هؤلاء هم أمل الأمة . إنهم كالمصباح كلّما ارتفع وحلّق عاليا إتّسع نطاق نوره ، وساعد الآخرين على إكتشاف درب الحق والحقيقة . نورهم الفكري المشعّ هذا يقول للمواطن المظلوم ...إنهض .. ! تحرّك .. ! وإرتفع أنت بأخلاقك وتفكيرك وقدرتك ... لكي تستعيد إنسانيتك ، وتنال حريتك ، وتعيش بكرامة تليق بك .
* المثقف الشريف الذي همّه خدمة الانسان لا يتخلّى عن قناعاته الفكريّة . إنه يؤمن بمبادىء خيّرة سامية تفيد الأمة ، ويعرف أهميّة الكلمة الصادقة في دحر الظلم والطغيان وبناء الأمم . ولهذا فإنّه لا يقبل أبدا أن يدافع عن حاكم فاسد ظالم . إن من يقبل أن يسخّر قلمه ليخدم حاكما من حكامنا ... لا يمكن أن يكون شريفا ... أنه منافق كذّاب ، وشريك لسيّده في قهر الشعب ، وتجب محاربته واحتقاره .
* هناك الكثير من شرفاء الأمة من المثقيف في الجامعات والمساجد والكنائس وفي كل مكان ، لكن معظمهم صامت ، أو يعمل على نطاق ضيق في مجال تخصّصه ، وحسب هامش الحرية الضيق المتاح له . هؤلاء لهم شكرنا وتقديرنا لأنهم يخدموننا في جامعاتنا ، ومدارسنا ، ومستشفياتنا ، وتجارتنا إلخ . لكننا نتمنى أن يرفعوا أصواتهم المدافعة عن الحق وأن ينضموا للمواطن .. الغلبان .. لانقاذه من بلاويه .
* قلّة من الكتاب العرب متمرّدة وتتصدّى للطغيان بفكرها ونشاطاتها ، وتؤمن أن الدفاع عن الانسان وكرامته ، وعن وطنه ، وعن الحرية للجميع جزء من إرادة الرب ، وطاعة لأوامره ، وسيرا على خطى الأنبياء والمصلحين . ولهذا فإنّهم يقولون الحقيقة كما هي للناس ، ويدفعون ثمن مواقفهم السياسية والفكرية ، ويصمدون في معاركهم ضدّ الجهل ... المقدّس ... والاستبداد . 21-10- 2016






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز