عبد الحميد فجر سلوم
666
Blog Contributor since:
04 November 2011


 More articles 


Arab Times Blogs
يا سيدات وسَادَة : السيادة ليستْ سِلعة توضعُ بالتداوُل حين الحاجة و تُرفع حين عدم الحاجة

**ليس سهلا أن تفهم كيف البعض في بلادي يتعاملون مع السياسة ، فيتحدثون يوما عن استعادة السيادة على لواء اسكندرونة المُغتصَب من تركيا ، وما أن تتحسّن العلاقات مع تركيا قليلا حتى يضعون هذا الملف في الخزائن الحديدية ويغلقون عليه !. لقد فتحنا عيوننا وعقولنا وأفواهنا منذ الصِغر ونحن نردد : (فلسطين عربية ..... اسكندرون عربية .... عربستان عربية ... وحتى لم ننسى الساقية الحمراء ووادي الذهب ،أي الصحراء الغربية ، ولا حتى سبتة ومليلية ) .. فقد تربّينا على هذه الشعارات التي كان أول الأحزاب التي تتبناها وترفعها هي حزب البعث .. واستمرّتْ هذه الشعارات تتردّد خلال المسيرات والتظاهرات في مناسبات عديدة إلى أن جاء زمنٌ فطواها النسيان ، بل بات من يرددها يُعرَُِّض نفسه للخطر !..

 *العلاقات مع تركيا لم تكُن جيدة في أي وقتٍ حتى نهاية القرن الماضي ، وكانت النظرة لتركيا أنها تُشكِّل رأس حربة لحلف الأطلسي ضد الاتحاد السوفييتي وأنها إحدى الدول الثلاث التي تشكلُّ أيضا الطوق على البلدان العربية التي بدورها تُطوِّق إسرائيل !. وتلك الدول هي تركيا وإيران الشاه وأثيوبيا هيلاسيلاسي !. كما كانت تركيا تتقدم الجميع في الأحلاف الغربية ضد مصالح الأمة العربية !..

 *كانت سورية لا تتوانى عن تقديم الدعم لكل ما يمكن أن يُضعِف تركيا .. فضعف تركيا هو مصلحة استراتيجية سورية .. والخلافات مع تركيا كانت كبيرة حول المياه وحول الحدود وحول الاسكندرونة وحول تحديد المياه الإقليمية والجَرف القاري ... الخ ..وكانت سورية في محور الإتحاد السوفييتي بينما تركيا في محور حلف الناتو .. ولذلك كان دعم حزب العمال الكردستاني !.

 *انتهى الإتحاد السوفييتي ، ولكن لم تنتهي الخلافات مع تركيا وبقيت كلها على حالها ، إلى أن تأزّم الموقف وطفحَ الكيل بالأتراك بسبب دعم سورية لحزب العمال الكردستاني (بي كي كي ) وهددوا في خريف 1998 بشنِّ عدوانٍ على الأراضي السورية والوصول إلى حلبْ ، وحشدوا قواتهم على الحدود لهذا الغرض ، وتدخل الرئيس المصري السابق حسني مبارك إلى أن تمَّ إبعاد عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني من سورية ، وسحبت تركيا قواتها التي حشدتها على الحدود !. ثم تمّ عقد مفاوضات أمنية سورية تركية نجم عنها اتفاقية ( أضنة ) ، دون أن نعرف ما هو مصير اسكندرونة بموجب تلك الاتفاقية ، ولكن الأتراك حصلوا بموجبها على ما يريدون !.

 ** وتجدر الإشارة أنه قبل ذلك ، وبحسبِ موقع (صوت الكُرد) وخلال النصف الثاني من التسعينيات على وجه الخصوص ، شهِدتْ مناطقٌ سوريةٌ عديدة موجة من التفجيرات الإرهابية ، طالت دمشق (البرامكة) وريف دمشق (الغوطة الشرقية ، قرب معسكر حزب العمال الكردستاني الذي كان يعقد مؤتمرهُ هناك) والساحل (اللاذقية وطرطوس) وتبيّن لاحقا أن المخابرات التركية هي التي وقفتْ وراءها اعتمادا على أبناء القومية التركمانية الذين يعيشون في سورية ويشكلون جزءا من نسيجها .. وسقط في موجة التفجيرات تلك مئات الشهداء والجرحى من الأبرياء المدنيين خصوصا في البرامكة التي استخدمت فيها المخابرات التركية قنابل تحتوي على غازات سامّة ... وكان هناك تكتما شديدا على تلك الأعمال الإجرامية ، ونظرا لعدم وجود إعلام فضائي حينها كما هو اليوم فقد بقيتْ تلك الأفعال حبيسة الدوائر الضيقة ، وأبناء تلك المناطق .. (وكل هذه المعلومات منسوبة لِصوت الكُرد ) ...

 **وصلَ حزب أردوغان للسلطة ، وكانت له آيديولوجيته الإسلامية في التوجه شرقا وتطوير العلاقات مع الجيران العرب بعد حوالي قرنٍ من البُعد والجفاء إثرَ انهيار الإمبراطورية العثمانية مع نهاية الحرب العالمية الأولى ، وتحالُفْ العرب مع بريطانيا وفرنسا ضد تركيا !.

 *كان أول من فتحَ له الأحضان هي سورية ، وتأسست علاقات صداقة قوية جدا بين قيادات البلدين ، سمحتْ بعقدِ اتفاقات عديدة كانت كلها لمصلحة تركيا وأضرّتْ بالاقتصاد السوري ، وتسبّبتْ في الإضرار بصناعات سوريةٍ مهمة وأولها صناعة المفروشات التي باتت كاسدة بسبب فتح أسواق سوريّة لهذه الصناعة المستوردة من تركيا !. كما تمّ إعفاء الأتراك من تأشيرة دخول سورية ، وانطبق الأمر على السوريين الراغبين بدخول تركيا .. وباتت العلاقات مع تركيا سمنٌ وعسَل ، ووصلتْ الأمور لدرجةِ شطب الاسكندرونة من الخرائط السورية .. وأصبحت خرائط تركيا السياحية تملأ شوارع دمشق وضمنها خريطة الأسكندرونة (كجزء من تركيا ) ...

 ** بل لم يكُن ينقص إحداهنَّ في الدولة سوى القول أن أردوغان هو "المُعتصِم" أو " سيف الدولة " ذاته متقمِّصٌ في شخص أردوغان ، فكتبتْ مقالا يوم 18/ كانون ثاني 2010 العدد 11374 في صحيفة الشرق الأوسط السعودية ، بعنوان : "معاني الاعتذار"، جاء فيه : ((مرة أخرى يفعلها هذا الرجل الفاضل رجب طيب أردوغان! فيضرب مثلا حيا بأهمية اتخاذ القادة مواقف تتسم بالعزة والكرامة والشجاعة! وما الاحترام الذي يكافئه به شعبه، إلا نتيجة حرصه على كرامة بلده وشعبه؛ فقد أصبحت شهامته التي ظهر بها وهو يغادر منبر «دافوس»، تجسيدا لموقف رجل لا يخشى في الله لومة لائم، كان الموقف دفاعا عن أهل غزة، ولكنه كان دون شك معبرا عن احترام أردوغان لهويته وكرامته الوطنية، وهذا بالضبط ما فهمه العالم من موقف أردوغان، فترك لخلفه إرثا يفخر به.. وتابعتْ : كانت لغة وتعبيرات وجه وعنفوان حركة أردوغان، لا تحتمل التأويل، فهذا زعيم وطني يحرص على كرامة بلده، حرصه على كرامة عائلته وأولاده، ومن في العالم لا يحترم توحد القائد مع مبادئه، وانصهاره الكامل في قضية أمته، وتمثيل بلاده أصدق وأرفع تمثيل .. وأضافتْ : ها هو، منذ أيام، يعود رجب طيب أردوغان مرة أخرى ليلقن كيانا عنصريا - لم تتجرأ حكومة في الغرب حتى على أن تنتقد جرائمه ولو بأتفه العبارات، رغم بشاعة هذه الجرائم ووحشيتها - درسا في تقديم اعتذار كانت قد أصرت سلطات الكيان الصهيوني على أنها لن تقدمه، بعد أن حاولت جهدها أن تتهرب من الاستحقاق الذي فرضه أردوغان، انتصارا لكرامة تركيا، وحدد لهم المهلة الزمنية ببضع ساعات، وإذا لم يقدموا هذا الاعتذار، تنتهي المهلة، ولا يعود اعتذارهم مقبولا... )) انتهى الاقتباس من مقال السيدة المُشار إليها!!.

 **ويوم الإثنين 14 آذار 2011 ، وفي إطار المديح غير المسبوق بأردوغان ، نشرتْ ذات السيدة ، مقالا بعنوان : (شرق أوسط جديد : تركيا أنموذجا ) في موقع التجديد العربي ، جاء فيه : (( في خضّم تسونامي التغيير الجماهيري الذي يجتاح الشواطئ العربية جاءت زيارة الرئيس الفرنسي ساركوزي لتركيا، لتكون ذات مغزى، فهو الذي رفض دوماً القيام بزيارة تركيا، وهو الذي أعلن أكثر من مرة معارضته لانضمام تركيا (المسلمة) إلى أوروبا (المسيحية) كما يراهما هو، ولكنه زارها هذه المرة فقط كرئيس لمجموعة العشرين، ولم يتجاوز مكوثه في تركيا ست ساعات وحسب، وقد وصلها وهو يمضغ اللبان، واجتمع مع رئيس الوزراء أردوغان وهو يلف ساقاً على ساق؟!ا لطابع غير العادي لهذا الخبر هو ردود فعل الأتراك المحسوبة والموزونة والهادفة إلى الردّ السريع على الصلف والتعالي الغربي المعهود بما يحفظ كرامة ومكانة تركيا التي أصبحت بنظامها الديموقراطي، والتزامها الإسلامي، وشموخ قادتها مصدر إلهام للشعوب العربية، إن كان لجهة إمكانية قيام حكومة ديموقراطية تمارس التعددية، وتداول السلطة، وسيادة القانون في مجتمع إسلامي، أو لجهة شموخ قادتها بعيداً عن مظاهر الخنوع والتبعية والعطالة … ظهر في صورة الخبر أردوغان يقف في أعلى الدرج وهو يصافح ساركوزي الذي كان يمد يده مصافحاً من تحت، بينما وقف أردوغان، كما عرفناه، شامخاً بعزة وطنه وكبرياء شعبه كأبي الهول .. وتابعتْ تقول : يضع أردوغان هذه المرة، ولأول مرة، ساقاً على ساق، وهو في اجتماع رسمي، في رد واضح على ساركوزي الذي اختار تلك الطريقة للجلوس ..الخ المقال )) انتهى الاقتباس ..

 **وأتركُ الأمر لكم لتحليل نظرة السيدة صاحبة تلك المقالات للسيد أردوغان ، في الوقت الذي يعرف به الجميع أن هناك منذ عام 1996 اتفاقية متعددة الأهداف للتعاون الاستراتيجي مع إسرائيل تتضمنُّ إطارا للتعاون والتنسيق الإقليمي العسكري والأمني والسياسي .. عدا عن العلاقات الاقتصادية والتجارية بينهما والتي هي أكبر من مائة أردوغان ، ولم يلغي أردوغان أيٍّ منها !..

 * مُوْ الله يعين سورية على بعضهم وعلى تحليلاتهم ، وألَمْ يكن صحيحا ما جاء في مقالٍ سابقٍ في شباط الماضي لِنائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الاتحادي الروسي حينما وصفَ مستهزئا مُستشاري الرئاسة السورية (والمقصود شخصين : واحد على رأس الهرم الدبلوماسي وأخر على رأس المنبر الإعلامي والسياسي) ، وصفَهُم بـ : ( جهابذة العصر وعباقرة السياسة والإعلام في مدينة الفيحاء يُبدعوننا بنظريات سياسية وأفكار جديدة يجب أن تكون أساسا في برامج الجامعات في العالم وخاصة في كليات العلوم السياسية والدبلوماسية والإعلام …) ..... الخ المقال !..

 *كنتُ أشعرُ بِغضبٍ ما بعده غضب حينما كنتُ أسيرُ في شوارع دمشق وأنظر للخرائط السياحية التركية الكبيرة مُعلّقة على الأعمدة في كل مكان ومن ضمنها خريطة الاسكندرونة ، وكنتُ استغربُ كيف يمكن السماح بتعليق هذه الخرائط دون شطب خريطة اسكندرونة منها !.

 *أصبحتُ قائما بأعمال السفارة السورية في أرمينيا عام 2008 ، ونشأتْ صداقة قوية جدا بيني وبين السفير البروفسور ليفون سركيسيان منذ البداية ، وهو شقيق الرئيس الأرميني سيرج سركيسيان ، وهذه الصداقة مردُّها إلى صداقة مشتركة بين أقارب لي في سورية وأقارب لهُ ايضا !. وأول سؤال سألني إياهُ السفير ليفون في أول زيارة له إلى مكتبي : لماذا شطبتم خارطة الإسكندرونة من الخريطة السورية ؟ .

 *لم يكُن أحدٌ قادرٌ في ذاك الزمن أن يتحدّث في الإعلام السوري عن عروبة الإسكندرونة ،، فقد تم تحنيطها ووضعها في الثلاجات !. ولم يكُن أحدٌ يجرؤ على القول أن السيادة السورية مُنتقصة لأن إسكندرونة مُغتصبة أو محتلة من طرف تركيا !. بل كان هناك من يتغنى بالماضي (التليد) المشترك بين سورية والأتراك ، خلافا لكل ما تعلمناه في التاريخ أن ذلك كان استعمارا واحتلالا !..

 *قامت الإحتجاجات في سورية بآذار عام 2011 وساندت تركيا تلك الاحتجاجات ووقفت بقوة لاحقا مع التنظيمات المسلحة ، وانقلبتْ الصداقة القوية بين قيادات البلدين إلى عداوة ما بعدها عداوة ، وحتى إلى شتائم ، فكان أوّل أمرٍ تذكروه أنْ أخرجوا ملف إسكندرونة من الثلاجة ووضعوها من جديد في التداول الإعلامي ، وأن اٍسكندرونة هي أرض سورية وأن السيادة السورية منتقصة ما لم يتم استعادة اسكندرونة من تركيا .. الخ ...

 *كل ما أرجوه أن يكونوا جدِّيين هذه المرّة وأن لا تكون المسألة ردّة فعلٍ آنية نتيجة سوء العلاقة مع تركيا حاليا ، وأن لا نرى مستقبلا ملفَّ الاسكندرونة وقد أُعيدَ مجددا إلى الثلاجة حالما تترطّب العلاقة قليلا مع تركيا !!.

 **العلاقات بين الدول لا تخضع للأمزجة ، ولا يجوز إغماض العيون عن المصالح الوطنية يوما ومن ثم فتحها يوما آخرا ، بحسب الأمزجة والعلاقات الشخصية والخاصة بين قيادات الدول !.

 *ولذلك أدعو القيادة السورية أن تطلب من مجلس الشعب إصدار قانون ينصُّ على أن اسكندرونة هي أرضٌ سورية محتلة ، كما الجولان ، ولا يجوز لأية حكومة سورية لا اليوم ، ولا مستقبلا التفريط بحبة ترابٍ من أرضها ... وأن يتم إصدار تعليمات للخارجية بإثارة قضية الإسكندرونة في كافة المحافل الدولية ، لاسيما في نيويورك وجنيف ... وان لا يتوقف الإعلام السوري عن إثارة قضية اسكندرونة والحديث عنها كما الجولان !..

 **فهل القيادة السورية على استعداد للإقدام على هذه الخطوة ؟. أم أن المسألة أشبه بسلعةٍ نضعها في التداول حين الحاجة ، ثم نحفظها بالثلاجة مجددا حينما لا نحتاج إليها ؟. وأن الحديث اليوم عن السيادة على اسكندرونة هو (فشّة خِلق) أشبهُ بفشّة الخِلق لدى البعض الذين طالبوا بإعادة العمل بمصطلح (الرجعية العربية ) بعد أن نسيتهُ الناس ؟!.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز