احمد الادريسي
elmouaden@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 March 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
مؤتمر أهل السنة والجماعة في الشيشان، الإلجاء الواقعي بين التناقض والضرورة الشرعية

وأخيرا وبعد طول انتظار انعقد مؤتمر لمسلمين يندرج بلحاظ ما في طول مطلبنا الاستعجالي عقد مؤتمر إسلامي عام للتبرؤ من السلفية الوهابية، كما كنا نادينا به قبل أشهر على بعض المواقع ومنها موقع 'عرب تايمز'. إنه مؤتمر 'غروزني' المنعقد في الأيام الماضية بالعاصمة الشيشانية والقاضي بالتبرؤ من متطرفي الحنابلة، وهم السلفية الوهابية، وأبى إلا إخراجهم من تحت مسمى 'أهل السنة والجماعة'.

 وتلكم بحق رجة تاريخية مزلزلة بكل المقاييس سيكون لها ما سيكون. وكما كان منتظرا أيضا جاءت ردود الأفعال عليها متعاكسة ومتشاكسة؛ فكما أثلجت صدور كل من أدرك أن المرحلة هي لتخليص الإسلام من قبضة السلفية المتغولة التي بدأت بالتكفير والقتل حتى بلغت أوجها بظهور وحش 'داعش' المتنبأ به في سنة النبي(ص)، استشاط منها غضبا السلفيون الوهابيون -وحق لهم ذلك- لأنهم رأوا فيها خطرا عليهم كما عبر عن ذلك أحدهم بقوله: "إن العالم يجمع نارا لحرقنا"، و'الإخوان المسلمون' ممن تسلف منهم أو جرته إلى موقفه ذاك إكراهات السياسة وقد برهنوا أنهم يعرفون من أين تؤكل كتف السياسة غير الشرعية، وهو يرى المؤتمر ينعقد ولا يدعى إليه، وفي عاصمة تسيطر عليها الدولة التي 'تحرق إخوانهم في سورية'، علاوة على كل من يدور في فلك هذين الفصيلين لسبب أو آخر، وآخرين مما لا نعلمهم الله يعلمهم والراسخون في العلم. ونحن لا يمكننا لضائقة الوقت القيام بتقييم شامل لهذا المؤتمر لإبراز مزاياه الحسنة وفيه منها الكثير ونطوي عنها هنا كشحا لقلة الفائدة، والرد على كثير أيضا من المغالطات التي وردت فيه. غير أننا لأهمية الحدث، ولاهتمامنا بخلفيته وتوابعه، ولاشتغالنا بالتنظير لمنشأ الانحراف في الفكر والممارسة الإسلاميتين رنوا للإصلاح الديني الذي آن أوانه، لا يمكننا أن ندع حدثا يمر كهذا بعجره وبجره دون أن نعلق عليه بالعاجل الضروري. وعليه فهناك أسئلة كبيرة وملاحظات أساسية تطرح نفسها بقوة على كل من تابع بعضا من وقائع ذلك المؤتمر وأدرك قضيته، ونحن في معركة استعادة الوحدة الإسلامية المنشودة، من ذلك:

1) لماذا غروزني وليس القاهرة؟: إن عقد مؤتمر 'لأهل السنة' - بغض النظر عن مدى صحة عقد مؤتمر طائفي في الوقت الذي أصبح مطلب الوحدة الإسلامية منهجا وضروروة -ـ كان سيكون له الوقع العظيم لو تم عقده في عاصمة سنية لها من الأهمية الكبيرة في أوساط السنة كما للقاهرة، أو تونس أو الرباط مثلا لأسباب من البديهي اكتناهها. إلا أن عقده في العاصمة الشيشانية وفي هذه الظروف فوت كثيرا من تلكم الأهداف، وقلل من قيمته في أعين الكثيرين وخصوصا أصحاب الذهنية الخطابية وهم عامة المتدينين إلا من رحم الله، الذين يتأثرون بالتعبئة العاطفة الطائفية أو السياسية المضادة بعيدا عن كل تعقل ورشاد. لكننا نعرف ضعف 'قاهرة المعز' اليوم لفقرها والذي لم تستطع حكومتها التماهي مع غضبة رجالات الأزهر الذين أدركوا خطر الوهابية على مذهبهم ففجروا غضبتهم هم ومن معهم من علماء مسلمين بعيدا حيث لا يلمع دينار آل سعود و تبطل سياسة آل البيت الأبيض. وهكذا ما جف حبر الورق الذي صيغت عليه مقررات المؤتمر، وما تبدد صدى صوت من قرأها وتلاشى طفيف صورته، حتى سارعت الماكينة الإعلامية الوهابية بخيلها ورجلها، وأصيلها ودخيلها، وحليقها وملتحيها، وعميلها وحليفها، إلى الهجوم على المضيف والضيوف والمأدبة؛ يسمون المؤتمر على منوالهم الشتمي المقفى: 'مؤتمر الشيطان في الشيشان'، أو 'مؤتمر البدعة' وهم 'أهل السنة'، أو 'مؤتمر الضرار' الجامع لعلماء السلاطين الأشرار، وما إلى ذلك. وأبرز ما ورد من طعونهم بعد الغض عن سوء أخلاقهم، قول القائل منهم: إن 'المضيف حليف لدولة تقتل المسلمين في سورية'. بينما الكل يعرف أن كثيرا من المؤتمرات يرحب بمقرراتها رغم عقدها في السعودية كمؤتمرات 'الإعجاز العلمي في القرآن والسنة' أو مؤتمرات 'حوار الأديان' وهي حليفة الأمريكان الذين كم قتلوا من المسلمين في أفغانستان والعراق وغيرهما، أو عقدها في قطر حيث يتوسط الشيخ القرضاوي الوسطي قاعدتين عسكريتين أمريكيتين انطلقت منهما ومن غيرها طائرات 'الفاتح جورج بوش' لدك مقدرات صدام حسين الذي كان في يوم من الأيام بطل قادسيتهم ضد 'ثورة المجوس'، أو عقدها في تركيا كمؤتمر الأهلة الأخير وهي عضو في الحلف الأطلسي ولها علاقات دبلوماسية وعسكرية وأمنية مع إسرائيل وهلم جرا. فلم يمنع ذلك المؤتمرين هناك من فصل قضية مؤتمرهم عن شؤون السياسة للدولة المضيفة. نعم إن الدولة المضيفة في كثير من الأحيان تتقاطع مصالحها مع أهداف المؤتمرات، وقد توظفها لأغراضها الخاصة، غير أن هذا إن حصل في مؤتمر 'غروزني' فإنه يحصل في جميع المؤتمرات حتى التي يظن أن الدولة التي أقيم فيها ليبيرالية بالمطلق تتجاوز بمبدإ 'آدم سميت' دعه يعمل دعه يسير' الاقتصاد إلى تدبير الشأن السياسي، فإنه لو قدر أن يعقد فيها مؤتمر يناقض سياستها فإن مصيره سيكون الحظر المطلق؛ وقد منعوا كتبا وحاكموا كتابا انتقدوا المحرقة اليهودية كـ'جارودي' في كتابه: 'الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية' وغيره، وحوصرت في سبيل ذلك المطابع والمكتبات ومنعت العروض المسرحية كعرض المسرحي الساخر 'ديو دوني' في فرنسا وغيرها، وكم منعت فرنسا وغيرها من شيوخ السلفية وفيهم القرضاوي من حضور مؤتمرات. وعليه فحيث أن أي مؤتمر لا ينعقد في دولة من دول عالمنا الواقعي إلا برضائها فنحن أمام خيارين: إما أن لا نعترف بأي مؤتمر وهو لا يكون، وإما أن نحكم على مقررات المؤتمر بما هي، أي بقطع النظر عن مدى استفادة الدولة المضيفة له منها، وهو ما يجب أن نقوم به أصالة. ولهذا لا يعيب عند الذهنية البرهانية وحتى البيانية أن ينعقد مؤتمر 'أهل السنة' في الشيشان حتى لو كان رئيسها سيستفيد منه في حربه على الوهابية مادامت مقرراته علمية وصحيحة إن كانت كذلك، خصوصا وأن الداعي إليه هو مؤسسة (طابة) ب'أبو ظبي' والتي هي من تأسيس الحبيب الجفري اليمني والمشاركين فيه هم من مختلف الدول الإسلامية السنية؛

ولذلك وجب تقييم مقرراته بدلا من إثارة المعارك التمويهية عن الدولة المضيفة، أو رئيسها الذي يرقص مع النساء إلخ وقد علم القاصي والداني حال حكام الدول الوهابية كآل سعود وغيرهم مع الرقص والراقصات والخمر والخمارات والقمار والمليارت والزنا وغيره من الآفات، أو المؤتمرين بتشويه سمعتهم كما فعلوا مع الجفري أو شيخ الأزهر.

2) لماذا عقد مؤتمر للسنة وليس للمسلمين؟ إن إكراهات الواقع الإسلامي الذي اختطفته السلفية الوهابية بطائعيها كشيوخ السعودية قبل ثوارها ممن يسمون أنفسهم بالمجهادين، والذي أوشك أن يقلب صورة الإسلام في أعين أتباعه ناهيك عن غيرهم، جعل كل مسلم يدرك أن جميع التنظيمات الإرهابية من جماعات الجهاد الأولى في مصر، مرورا بالقاعدة، وطالبان، وبوكو حرام، والشباب الصومالية، والشريعة في بلاد الله المتعددة ، وداعش، والنصرة، وأخواتهما في العراق والشام وغيرهما؛ كلها جماعات سلفية وهابية صدرت عن المذهب الوهابي السعودي صدور القطرة من فم السقاء، وعبرت عنه أفضل تعبير خيرا من السلفية الوهابية السعودية المنافقة المتأمركة البارحة والمتصهينة اليوم والتي تقصر حربها على المسلمين بينما يعممها الوهابيون الثائرون وكذا هو المذهب الوهابي؛ ولذلك طالبنا من قبل مع كل من أدرك ذلك بالتبرؤ من السلفية الوهابية حتى ننقذ ما يمكن إنقاذه من تلك الصورة. غير أننا طالبنا أن يكون ذلك في مؤتمر إسلامي عام لا مؤتمر يقتصر على طائفة واحدة. ولعل البعض يقول: إن الأجدى أن يتصدى 'أهل السنة' لإخراج السلفية الوهابية من مذهبهم لأنهم أهل البيت وهم أدرى بمن فيه. فاجتماعهم وحدهم في مؤتمر لإخراج بعض متطرفي مذهبهم هو من أبجديات المعركة التي يجب أن تدار ببيداغوجية رصينة وحرفية كبيرة، وأبرز الأهداف فيها طرد السلفية الوهابية الذين نزوا على منابر الدعوة السنية حتى ظن الناس أنهم هم 'أهل السنة' لكي يشرق وجه هذه الطائفة وفي ذلك مجد للإسلام العام. وهذا التوجيه وإن كان في نفسه صحيحا إذا نظر إليه من زاوية الاحتفاظ بالحدود المذهبية حيث يدعي البعض أنه يمتلك الحق وغيره حليف الباطل، وحيث يتباهى بعض على بعض، ويبهت قوم قوما، ويسخر قوم من قوم، مع أن تلك أحزاب وحزب الله واحد. أما إذا انطلقنا من أرضية الإسلام - كما هي الرؤية القرآنية - فإن عقد مؤتمر إسلامي عام كان سيفضح أمر الوهابية أكثر، وكان سيدعهم معزولين منبوذين، وكان سيدفعهم دفعا إلى زاوية الخوارج الآخرين كما انتهى إليه أمر الخوارج الأولين، وسيقنع العالم أن الإسلام واحد وأن أهله معه جماعة وبذلك كان سيسمى الجميع 'أهل السنة والجماعة' حقا وصدقا. لكن للأسف عقد المؤتمر ضمن روح النظرة الضيقة الأولى فوقع في شر ما اجتمع للنهي عنه.

3) التناقض الأساسي في المؤتمر: إن المثير في مقررات المؤتمر ومحاضرات الشيوخ أنهم -وإن لم يكفروا أحدا صراحة – إلا أنهم أنفسهم ارتكبوا الغرور الجماعي والتكفير الضمني فكانوا بذلك هم أنفسهم سلفيين إقصائيين لا يختلفون مصداقا عن السلفية الوهابية إلا في تفاصيل الرؤية العقائدية والمنهجية الفقهية. فمازالت السلفية تتحكم في العقول والمناهج بما هي النكوص إلى الماضي لفهم نصوص نزلت لعصرها إلا ما خرج بالدليل القاطع مما هو متعال عن الزمان والمكان؛ وما زالت النظرة العدوانية على الآخر الجاهلة بحقيقته وقدره الصريعة لاستبداد الأنا وتضخيم النحن حتى صارا هوى يعبد؛ فكم من مرة رددوا في المؤتمر أنهم 'أهل الحق'، وأطلقوا 'أهل البدع' على غيرهم كالشيعة والمعتزلة، حتى قال قائلهم: إنهم ما سموا 'أهل السنة' إلا في قبال 'أهل البدعة' ممن ذكر، والجماعة: 'لأن الله جمع قلوبهم على الحق'، وهو يلزم منه أن غيرهم على الباطل. وغير ذلك مما قيل من المشبع بروح الاستعلاء المذهبي والتحزب الطائفي يصدران عن أنا مستكبرة دفينة تتنطع السطور وتتطلع إلى الظهور، وهو عين ما نهى عنه الله تعالى في قوله: { وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } . ثم لينتهوا إلى أن 'أهل السنة والجماعة' هم الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد وأهل التصوف الصافي وأتباع المذاهب الفقهية من مالكية وشافعية وحنفية ومعتدلي الحنابلة، في إشارة إلى إخراج السلفية الوهابية التي هي المقصودة بمتطرفي الحنابلة اليوم. وهذا على خلاف ما تتبناه السلفية الوهابية والتي ترى - بحسب بيان أحد السلفيين المصريين الشتامين عماد رفعت - بأن لقب 'أهل السنة والجماعة' له اعتباران: " اعتبار بحسب الاصطلاح، واعتبار بحسب الاتباع؛ فالأول ما يقابل الروافض فيدخل فيه الأشاعرة والمعتزلة والصوفية والخوارج، أما باعتبار الاتباع أو السنة فهو مقابل البدعة، فلا يدخل فيه إلا أصحاب السنة المحض الذين اتبعوا مذهب النبي (ص) وكل فرقة خالفت ما عليه أصحاب النبي(ص) فهي خارجة منه". وهو بذلك يقصد أصحابه من الحنابلة الذين يسمون نفسهم أهل الحديث ويسميهم غيرهم الحشوية، ولذلك نعتوا المشاركين في المؤتمر بعد السب والشتم والبهت والتشويه وما إلى ذلك بالصوفية والأحباش والعلمانيين وكلهم مبتدعة عندهم على أقل تقدير. وهكذا أخرج الأشاعرة (والماتريدية) والسلفية الوهابية بعضهم بعضا من تحت مسمى 'أهل السنة والجماعة' مع أن الوهابية في ذلك أسبق وأجرم. والحق أن هذه معركة قديمة بين الفريقين لا وقت للتفصيل فيها، ومشكلة المشاكل في كل هذا هو أن هذا اللقب المتنازع عليه يحمل في نفسه معنى أهل الحق بحسب رؤية الطرفين المتنازعين، ولذلك يستميت كل طرف في إثبات اللقب لنفسه. مع أن كلا منهما لا يمكن أن يستأثر بلقب 'أهل السنة' لأن كلا منهما يعتمد السنة النبوية المحكية الصحيحة بحسبه كدليل للتشريع، وأما اختلاف منهج التعامل مع هذه السنة كالجمود على الظاهر، أو التأويل أو الاحتكام إلى مقاصد الشريعة في فهم النص إلخ فلا يغير من حقيقة أن الطرفين من 'أهل السنة' مصداقا بهذا اللحاظ. وبهذا الاعتبار لا يخرج أحد من المسلمين يعترف بحجية السنة ولو على أساس منهجه الخاص من تحت هذا المسمى كالمعتزلة والشيعة الإمامية والزيدية والإباضية وغيرهم، فلكل طريقه وفهمه للسنة النبوية وهاهي كتبهم وحوزاتهم العلمية تشهد بذلك.

 وأما باعتبار اتباع السنة فأيضا ليس لطرف أن يدعي احتكار اتباع السنة، لأن جميع المذاهب الإسلامية تدعي ذلك. وتحقيق الحال فيه يجب أن يدار بطريقة بيان الحق بعلم وأدب خصوصا وأن كثيرا من الخلافيات مسائل نظرية وليست ضرورية، وهو يلزم منه الخطأ والاشتباه؛ وبدعوة المخالف المسلم إلى الحق بأحسن مما يدعى به أهل الكتاب الذين أمرنا أن نجادلهم بالتي هي أحسن، كيف لا وهو أخونا ونحن جميعا نحقق موضوع حكم الأمة الواحدة المأمور بها في القرآن والسنة؛ وبعدم تكفيره مطلقا أو تبديعه بل بإيجاد العذر له.

وفي طول هذا المعنى كتب الغزالي بألمعية كبيرة،: " فأما أنت إن أردت أن تنتزع هذه الحسكة من صدرك، وصدر من هو في حالك، ممن لا تحركه غواية الحسود، ولا تقيده عماية التقليد، بل تعطشه إلى الاستبصار لحزازة إشكال أثارها فكر، وهيجها نظر.فخاطب نفسك وصاحبك، وطالبه بحد الكفر.(أي تعريفه) فإن زعم أن حد الكفر: ما يخالف مذهب الأشعري، أو مذهب المعتزلي، أو مذهب الحنبلي أو غيرهم ؛ فاعلم أنه غِر بليد،.قد قيده التقليد؛ فهو أعمى من العميان، فلا تضيع بإصلاحه الزمان.وناهيك حجة في إفحامه، مقابلة دعواه بدعوى خصومه؛ إذ لا يجد بين نفسه وبين سائر المقلدين المخالفين له فرقاً وفصلاً ولعل صاحبه يميل، من بين سائر المذاهب، إلى الأشعري ويزعم أن مخالفته في كل وِرْدٍ وصدر، كفر من الكفر الجلي. فاسأله من أين ثبت له أن يكون الحق وقفا عليه حتى قضى بكفر الباقلاني إذ خالفه في صفة البقاء لله تعالى وزعم أنه ليس هو وصفا لله تعالى زائدا على الذات . ولِمَ صار الباقلاني أولى بالكفر بمخالفته الأشعري من الأشعري بمخالفته الباقلاني ؟ ولِمَ صار الحق وقفا على أحدهما دون الثاني ؟ أكان ذلك لأجل السبق في الزمان فقد سبق الأشعريَّ غيرُهُ من المعتزلة فليكن الحق للسابق عليه أم لأجل التفاوت في الفضل والعلم ؟ فبأي ميزان ومكيال قدّر درجات الفضل حتى لاح له أن لا أفضل في الوجود من متبوعه ومقلده ؟ فإن رخّص للباقلاني في مخالفته فلِمَ حجر على غيره ؟ وما الفرق بين الباقلاني والكرابيسي والقَلانْسي وغيرهم ؟ وما مُدرِكُ التخصيص بهذه الرخصة ؟ وإن زعم أن خلاف الباقلاني يرجع إلى لفظٍ لا تحقيق وراءه كما تعسًّف بتكلّفِه بعضُ المتعصبين زاعما أنهما جميعا متوافقان على دوام الوجود ، والخلافُ في أن ذلك يرجع إلى الذات أو إلى وصفٍ زائد عليه ، خلافٌ قريبٌ لا يوجب التشديد ، فما باله يشدد القول على المعتزلي في تفيه الصفات وهو معترف بأن الله تعالى عالِم محيطٌ بجميع المعلومات ، قادر على جميع الممكنات ، وإنما يخالف الأشعري في أنه عالم وقادر بالذات أو بصفة زائدة ؟ فما الفرق بين الخلافين ؟

وأي مطلب أجلّث وأخطر من صفات الحق سبحانه وتعالى في النظر في نفيهما وإثباتهما ؟ فإن قال إنما أكفِّرُ المعتزلي لأنه يزعم أن الذات الواحدة تصدر منها فائدة العلم والقدرة والحياة ، وهذه صفاتٌ مختلفة بالحد والحقيقة ، والحقائقُ المختلفةُ تستحيل أن توصف بالاتحاد أو تقومَ مقامَها الذاتُ الواحدةُ ، فما بالُهُ لا يستبعد من الأشعري قولَه إن الكلام صفة زائدة قائمة بذات الله تعالى ومع كونه واحداً هو توراةٌ وإنجيلٌ وزبور وقرآن ، وهو أمر ونهي وخبر واستخبار - وهذه حقائق مختلفة . وكيف لا وحَدُّ الخبر ما يتطرق إليه التصديق والتكذيب ولا يتطرق ذلم إلى الأمر والنهي . فكيف تكون حقيقةٌ واحدة يتطرق إليها التصديق والتكذيب ولا يتطرق ، فيجتمع النفي والإثبات على شيء واحد ؟ فإذا تخبط في جواب هذا أو عجز عن كشف الغطاء فيه : فاعلم أنه ليس من أهل النظر وإنما هو مقلّد ، وشرط المقلد أن يَسكُت ويُسكَتَ عنه ، لأنه قاصر عن سلوك طريق الحِجَاج. ولو كان أهلاً له كان مستتبَعاً لا تابعا ، وإماماً لا مأموماً . فإن خاض المقلد في المَحاجَّة فذلك منه فضولٌ والمشتغلُ به صار كضاربٍ في حديدٍ باردٍ وطالبٍ لصلاح الفاسدِ - وهل يصلح العطّارُ ما أفسدَ الدهرُ ؟ ولعلك إن أنصفت علمت أن من جعل الحق وقفاً على واحد من النظار بعينه، فهو إلى الكفر والتناقض أقرب. أما الكفر: فلأنه نزله منزلة النبي المعصوم من الزلل الذي: لا يثبت الإيمانُ إلا بموافقته. ولا يلزم الكفرُ إلا بمخالفته. وأما التناقض: فهو أن كل واحد من النظار يوجب النظر، وأنك لا ترى في نظرك إلا ما رأيت، وكل ما رأيته حجة.

وأي فرق بين من يقول: قلدني في مذهبي، وبين من يقول قلدني في مذهبي ودليلي جميعاً، وهل هذا إلا التناقض ؟ ". وأما لقب 'أهل الجماعة' وبغض النظر عن أصله التاريخي فهو أيضا يحمل معنى الحق، وفيه مثل ما في سابقه؛ فلو ادعاه أحد لطائفته كان مجازفا نعامتيا، وها هو التشرذم والتفسيق والتبديع والتكفير بل التحارب لم يسلم منه أهل السنة جميعا اليوم فعن أي جماعة يتحدثون؟ ولكأني بيائس من كل هذا ينزوي عن الكل عاضا على أصل ابن مسعود: 'الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك'. ومثلهم غيرهم كالشيعة الذين ظهر فيهم كل ما مر إلا التحارب، وهاهم يراد لهم ذلك أيضا بعدما تحققت كثير من أسبابها يؤججها الحبيب البريطاني وحسن الأمريكي وآخرون ومن وراءهم. والنتيجة أن الجميع يقع في تلك المشكلة والتي بينها الغزالي حين تتورم الأنا أو تنتفخ الجماعة فتلبس مسوح العصمة فترى مذهبها صوابا لا يحتمل الخطأ ومذهب غيرها خطأ لا يحتمل الصواب، وتحشو قلبها بالحقد والتربص، ثم يلهج لسانها بالسب واللعن والتكفير؛ وكم من داعشي فينا أناني منتفخ منتفش يستر داعشيته ببياض قميصه والمحافظة على صلواته، سفاح ذباح سلاخ يخفي دمويته بين كتبه وبلحيته وابتسامته في وجه إخوانه، حتى إذا ذكر له المخالف – وقد يكون ممن ابتسم لهم- تلطخ البياض بالسواد واستحالت الصلوات لعنات، وإن وجد السلاح والعون عليه رأيت الرؤوس في يديه يتفجر منها دم ذبحه وسلخه؛ فأي تدين هذا إلا دين هولاكو واليسق وجنكيز خان.

ولا حل إلا بالعودة إلى كتاب الله، وفيه أننا المسلمون وكفى. فأين فيه 'أهل السنة والجماعة'؟ وأين فيه 'التشيع' والاعتزال إلخ؟ وهذا منا ليس تبسيطا لمعقد أو تجاوزا لما ثبت من الحق عند هذا أو ذاك، بل هو باختصار شديد دعوة لعدم التكفير، والعذر بموانعه الشرعية، وكسر الحدود المدرسية المذهبية في التفسير والحديث وما إليهما حتى يتسنى لنا رؤية فقه إسلامي بدلا من فقه المذاهب. وفي هذا حل لعقد التاريخ وخروج من مطبات الواقع إلى تقدمه وانبساطه. ولهذا مازال على المسلمين – وتلك ضرورة شرعية - عقد مؤتمرات ومؤتمرات حتى يتوحدوا، فينجوا من المصيدة الطائفية الشيطانية القرونية، وحتى ينبذوا السلفية الباطلة المذمومة في كتاب الله بقول تعالى: { واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه اباءنا اولو كان الشيطان يدعوهم الى عذاب السعير } ، ويجددوا دينهم وهو لا يكون بالنكوص إلى الماضي الباطل، لكي يعود الإسلام رحمة للعالمين بعدما صار ذبحا وقطعا للأعناق والأرزاق على يد داعش الكبرى مملكة آل سعود الوهابية، قبل أن يستفحل على يد داعش الصغرى والتي هي شوكة من زقوم الوهابية. ولذلك أيضا عليهم أن يرفعوا الغطاء عن الوهابي المتطرف التكفيري الذي كفر الجميع فوحدنا في ذلك وأخرج نفسه من المسلمين، وخطف دعوة الإسلام على المنبر والفضاء والكتاب والانرتنت مغرورا بماله وسلطان حلفائه، والتحق ببرنامج العدو. فليس في إخراجه تناقضا مع مقصد التوحيد بل في إخراجه التوحيد والتجديد والتمديد. الهوامش: http://burathanews.com/arabic/articles/279896 و http://www.arabtimes.com/ فهكذا سمع الناس في وقت متقارب بتنظيمات كلها تحمل إسم الشريعة، كالشريعة لبريطانيا، والشريعة لهولندا، والشريعة لبلجيكا، والشريعة لأمريكا، والشريعة لإسترالية وما إليها وكلها جماعات سلفية وهابية. الروم 30و31 فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة. ص: 20 نسخة وورد لقمان: 21







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز