عبد الحميد فجر سلوم
666
Blog Contributor since:
04 November 2011


 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا لم نعد نرى وسيلة إعلامية عربية واحدة مستقلة ولا صحفي واحد مُستقِل

  *هل ما زال ينطبق على الصحافة الناطقة بالعربية في أي مكان ، عنوان (صحافة) أم اختلطت الصحافة بالسياسة وتحولّت الصحافة إلى تكتلات وأحزاب وتوابع سياسية تماما كما كل السياسيين والمتحزبين في كل مكان ؟.

  *كمْ كنا نلوم الصحافة الغربية عموما لتحيُّزها في قضية فلسطين لصالح العدو الإسرائيلي الظالم والقامع والقاهر والقاتل والمُغتصِب والمُحتل لأراضي الغير ، ونطالبها بالحيادية والمنطق والموضوعية وتعددية الآراء !!. ولكن أليسَ هذا هو الدور الذي تلعبهُ الصحافة الناطقة بالعربية ، والصحفيون الناطقون بالعربية في كل مكان في هذا الزمن ؟؟. ألا يتحيّز أيٍّ منهم للجهة التي تدفع لهُ وتموِّل صحيفته بغضِّ النظر عن سياسات تلك الجهة ، وإن كانت على حق أم على باطل ؟. ألَم يغِب المنطق والموضوعية وتعدد الآراء نهائيا لصالح المال ومقدار الدفع ؟. ألَم يعمي المال على مهنيتهم ورسالتهم الصحفية؟. ألَم نرى كيف بعض الصحفيين كانوا هُم وصُحُفِهم ينتقلون من أحضان بغداد إلى أحضان طرابلس القذافي ثم إلى أحضان دمشق ؟. كيف ستثق بهكذا صحفيين ؟. بل كيف ستحترم هكذا صحفيين ؟. ألا ينطبق عليهم وصف الصحفيين المرتزقة كما المقاتلين المرتزقة ، يقاتلون لأجل المال وليس لأجل قضية ؟.

  *أحدهم كتبَ في صحيفته التي تصدر من لندن (القـدس ... أو أورشليم بحسبِ البعض+) في خريف 1989 قصّة كاذبة مُفبرَكة لا يكتبها أحدا ممن يحمل ذرة من ضمير ، واتّهمَ فيها أشخاصا من السفارة السورية في أثينا باغتيال صهر رئيس حزب الديمقراطية الجديدة آنذاك (قسطنطين ميتسوتاكس) وعلى أثرها تمَّ استهداف سيارات بعض العاملين في السفارة ففجّروا سيارة أحدهم وسرقوا سيارتي المرسيدس التي لم يكُن قد مضى على شرائها شهرا !.. وطبعا السلطات اليونانية ذاتها كانت واثقة من أن كل تلك المعلومات التي نشرها ذاك الصحفي التافه في صحيفته (القدس) كانت كاذبة ولذلك فلم يعيروها أي اهتمام !.. وأما لماذا نشرها ؟. فالقصة كانت واضحة حيثُ كان يتموّل من مخابرات النظام العراقي في حينه وكانت كل صحيفته مُسخّرة للدفاع عن النظام العراقي وعن سياساته ومواقفه ويتغزّلُ به ليلا نهارا فقط ، وبالمقابل ، وبتوجيه من مخابرات صدّام أيضا، كان لا يترك أمرا يسيء لسورية إلا ويكتبه ، وهي من كلّفتهُ (يعني مخابرات صدام) باختراع تلك القصّة عن اغتيال صهر رئيس حزب الديمقراطية الجديدة ورئيس وزراء اليونان لاحقا قسطنطين ميتسوتاكس ...

  *بعد رحيل نظام صدام حسين ، انتقل للأكل من معالِف معمر القذافي ، الذي لم يكُن على الإطلاق يَسلم من نقدهِ وهجومهِ عليه ، ولحَسَ كل بصاقهِ بالماضي ، وبات من أكبر المدّاحين لنظام معمر القذافي ، لأن نعمته كلها تحولت من بغداد إلى طرابلس ، وهو خادم للنعمة وليس لِمهنة الصحافة في المنطق والموضوعية والحيادية !. بعد سقوط نظام القذافي ، فعلى أيٍّ مائدةٍ بات يصطف ، بعد أن ترك الجريدة الورقية واعتمد على الصحافة الألكترونية ؟. طبعا الموضوع لا يحتاج إلى كثرة شرْح فقد آوى إلى مائدة أكثر من كان ينتقدهم ويصبُّ جام غضبهِ عليهم ، ويتّهم سفارتهم كذبا وزورا وبهتانا باغتيال صهر ميتسوتاكس !.. وطبعا لو وجدَ من يدفعون الأكثر لاصطفّ إلى جانبهم ، لأن المسألة ليستْ مسألة مبادئ وإنما مسألة دفْعْ ، والتغيير أسهل من قبض الشيكات في البنك ..

   *هذه الحالة ليست استثناء وإنما هي مُجرّد مثلٍ ينطبق على 99,99% من الصحافة الناطقة بالعربية ، والكاتبين بالعربية !!. ومما زاد من ذاك الفرز ، والاصطفاف إلى جانب أهل الدفع الأفضل ، هو الوضع المأساوي الذي تعيشه منطقتنا من صراعات وحروب طائفية ، وحاجة كل طرف لأقلام الكتاب وصحافتهم ليصطفوا بجانبهِ ، فكانت عروض الصحفيين والكُتاب في البازارات أكثر من عروض البصل في عزِّ موسمه ، وعلى أساس الدفع ومقدار الدفع اصطفّ كلٍّ منهم .. ولذلك رأينا كيف أصبح القومجي بعيدا عن القومية ، وكيف أصبح اليساري يميني ، وكيف أصبح العَلماني أخونجي ، وكيف أصبح اللاطائفي طائفي ، وكيف باع صاحب القضية قضيته .... الخ ... والسرُّ خلفَ كل ذلك هو المال ومقدار الدفع ... ولذلك تراجعتْ مصداقية وجاذبية كل تلك الصحُف وباتت حصرية لا تنشر إلا ما يتفقُ مع الجهات الممولة .. فغابتْ عنها التعددية بالآراء التي هي سِرُّ النجاح أساسا ، وأشبهُ ببستانٍ يزهو بكل أنواع وألوان الزهور ، فتصحو ذات يوم لتتفاجأ بأنه لم يعُد بهِ إلا لونا واحدا مُملا ، ولا تتشجّع للنظرِ إليه لأنك تعرفُ مُسبقا أنه هو ، هو، ذاته لم يتغيّر !. لقد أصبحت غالبية الصحف الناطقة بالعربية كما الإعلانات المحفوظة عن ظهر قلب وتتكرر يوميا وهذا ما عبّر عنه الفنان الكبير دريد لحام في إحدى مسرحياته حينما سألهُ أحدهم إن كان يرغب بِسماع أقوال الصحف ، فأجابهُ : حافظينها !!.. وهكذا باتَ حال الصحافة الناطقة بالعربية وصحفييها !. فكل صحفي تعرف من اسمه سلفا عمّا يكتب ولا حاجة لتقرأ له لأنه لا شيئا جديدا ... وكذلك باتَ حال الصحُف الناطقة بالعربية ، فلا حاجة لقرائتها لأن مواضيعها هي هي ولا شيئا جديدا ... تصوروا لو أنّ كل المُطربين يُغنُّون ذات الأغنيات كل يومٍ ، فمَنْ سيعودُ يستمع إليهم !!.

  *طبعا ما ينطبق على الصحافة العربية ينطبق على كافة وسائل الإعلام الناطقة بالعربية وخاصّة الخليجية ، فقد غابت عنها جميعا كل أشكال الحيادية والموضوعية في نقل الخبَر وفي التحليل وفي النشر وفي نوعية المواضيع .. والكُتّاب والضيوف ، وكل ذلك ... وهذا إن دلَّ على شيءٍ فإنما على مستوى الانحدار الذي انحدرتْ إليه النُخَب العربية التي أصبحتْ تابعة للأنظمة والحكام وأجهزتها السرية التي يتلقون منها الأموال .. بل انحدرَ مستوى تلك الصحُف والصحفيين إلى مستوى الشتائم الشوارعية ، وكلٍّ يتّهمُ خصومه بالكوادين حتى تشابهَ علينا الكوادين كما تشابه البقر على جماعة موسى !.. من يؤجِر عقلهُ وقلمهُ ولسانهُ فماذا يتبقّى لديه حتى لا يؤجرهُ؟.

  *ما قيمة الصحافة إن لم تكن مرآة تعكس كافة وجهات النظر والمواقف والآراء، والقارئ هو من يستخلص ويحكمُ على الصح أو الخطأ ... ما قيمة أي صحفي وإعلامي إن كانَ يُغيِّرُ جلده بحسبِ مقدار الدفع وجِهة الدفع ؟. ما قيمة أية صحيفة تتستّر على كشف الحقائق وفضح كل مسئول عربي مرتكِب وسيء وفاسد دونما انتقائية ؟.

  *نعم لقد تحولت الصحافة الناطقة بالعربية في الدول العربية وخارجها (وفي مقدمتها فضائيات مشهورة) إلى صحافة مُرتزِقة ومُبتذلَة ولا علاقة لها بمهنة الصحافة النبيلة ولذلك فإن القارئ الحيادي لا يصدق كل ما تنشرهُ وسائل الإعلام العربية ، فكلها تتعامى عن الحقيقة وتمارس دور التضليل والدعاية لصالحِ الجهات التي تمولها وتملْ جيوب وأفواه كتابها والقائمين عليها !.. وأعتقد لن ينزعج من هذا الكلام إلا من ينطبق عليه المثل الشعبي : اللي برقبتو شوكة بتنخزو ... والمُضحِك أن الجميع يدّعي الحيادية والاستقلالية والليبرالية وحرية الرأي مُستغبيا البشر ، بينما حقيقة الأمر لا يستغبي الآخرين إلا كل غبي !..

  *وختاما تحية للقليل جدا جدا من الصحف الالكترونية وغيرها ، الناطقة بالعربية ، التي ما زالت تنشر كل أنواع المقالات مهما تنوعت الآراء والأفكار ، وهذه موجودة ولكن نسبتها هي بقية الـ 99,99% من الصحافة المأجورة والتابعة لهذه الجهة أو تلك !.. فكم تبلغ هذه النسبة باعتقادكم ؟. إنها أقل من صِفر وفاصلة واحد بالمائة % ... وهذا يعني أن العقل الديمقراطي لدى الجينات العربية هو بمثابة رابع المستحيلات حتى لو وُلِد هذا العقل في واحات الديمقراطية وترعرع في بساتينها فسيبقى هو ، هو ، لأن الجينات ستُولَدُ معهُ ، والطبع غلبَ التطبُّع .. فأيُّ مستقبلٍ ينتظر هذه الأمة ؟. ولماذا نلوم أعداؤنا إن مارسوا علينا كل أشكال القمع والقهر والاضطهاد ونحن نمارس على بعضنا بعضا أسوأ منها بأضعاف المرات ؟. ولماذا ننزعج حينما يقول الآخرون أن هذه الأمة لا تستحق الحياة ، ونحن نقتلُ بأيدينا ونغتال كل معاني الحياة !.. وبماذا يختلف بهذا المعنى أي إسلاموي متطرف ومتعصِّب ومتخلِّف يقتل كل من لا يتّفقُ مع ثقافته ومعتقداته عن أي عَلماني مُدّعي ؟.

  * فعلا المال يهزُّ الجبال .. وأي مستقبلٍ ينتظر أمّة باتتْ نُخبها كما رعاعها ، لا فرقا بين هذا وذاك .. الكل تقوده غرائزهُ وعواطفه وشيكاته بعيدا عن كل أشكال المنطق والموضوعية والحيادية والصدق !..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز