احمد الادريسي
elmouaden@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 March 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
توجيهات السلفيين. دراسة نقدية لظاهرة التكفير عند السلفية 40

هذا التنظير الجميل لعدم تكفير المسلمين أكدته السلفية الوهابية كله ولو من خلال توجيهها النصوص التي يعارض ظاهرها ما سبق مع أن ذلك خلاف منهجها الرافض للتأويل. ومن النصوص التي تعرضت للتوجيه والتي ذكرها د. الوهيبي بهذا الصدد أنواع:

1- النوع الأول: نصوص تنفي الإيمان عمن ارتكب بعض الكبائر: ومن أشهرها قوله ( ): " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " ، فهي كما مر لا تنفي أصل الإيمان بل كماله جمعاً بين النصوص. قال ابن عبد البر تعليقاً على هذا الحديث: ".. يريد مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر – إذا صلوا للقبلة وانتحلوا دعوة الإسلام – من قرابتهم المؤمنين الذين آمنوا بتلك الأحوال، وفي إجماعهم على ذلك مع إجماعهم على أن الكافر لا يرث المسلم، أوضح الدلائل على صحة قولنا، أن مرتكب الكبيرة ناقص الإيمان بفعله ذلك " . وقال النووي: " فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره كما يقال لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا الإبل ولا عيش إلا عيش الآخرة …" .

 وذكر الوهيبي مثله عن المروزي . وأفاد أن " هذا الحديث رد على الوعيدية الذين يكفرون بالذنوب ففيه أيضاً رد على المرجئه الذين يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب، حيث بين هذا الحديث خطورة المعاصي وأثرها في نقصان الإيمان" .

  2- النوع الثاني: نصوص فيها براءة النبي( ). منها: قوله ( ): " من حمل علينا السلاح فليس منا " وقوله ( ): " من غش فليس مني " ، يقول أبو عبيد تعليقاً على هذا النوع: " لا نرى شيئاً منها يكون معناه التبرؤ من رسول الله (ص) ولا من ملته، إنما مذهبه عندنا أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا ولا من المحافظين على شرائعنا " . ويقال فيه ما ذكر في النوع الأول من نقص اتباعه وطاعته بفعله ذلك. 1-

 النوع الثالث: نصوص فيها إطلاق الكفر والشرك على بعض المعاصي، منها: قوله - ( )-: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" . وقوله: " اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت " . وقوله: " الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل " . وقوله: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك .

وبعد إيراد هذه النصوص ذهب د. الوهيبي في (النواقض) إلى أن هذه من الأحاديث التي استدل بها الخوارج على كفر مرتكب المعاصي، وأما 'أهل السنة' فحملوها جمعا بين النصوص على محامل منها أن مرتكبي هذه المعاصي قد تشبهوا بالكافرين والمشركين بأخلاقهم وسيرهم وعملهم، وقد تحمل على المستحل منهم، أو أنها كفر دون كفر أو قد يقال عن بعضها كفر نعمة.. الخ. أقول: وهم ينهون عنه ولا ينأون عنه، ويحرمونه ويحلونه، ويقولون حرام عليكم حلال حلو علينا! فإن جاز التأويل حتى لو هرب من اسمه هنا إلى التعبير عنه بالجمع بين النصوص وهو هو ، فلم لا يجوز للمخالفين من المسلمين الذين تكفرهم السلفية الوهابية كما سيأتي، وتحاكمهم بظواهر أمثال هذه النصوص. ومن أوضح الأمثلة على ذلك النص الأخير فإن لم يحمل الحلف بغير الله على الشرك والكفر الأكبر – مع أن هذا بالضبط ما تفعله هذه السلفية المراوغة- فلم يضلل ويكفر المسلمون المخالفون لها في قضايا التوسل والاستغاثة والتبرك والزيارة إلخ؟

 وقد مر معنا في الباب الأول أن السلفية الوهابية جمودا منها على بعض الظواهر وتجلدا في عدم التوجيه تحرم الطلب من المخلوق مطلقا ولا ترى مفيضا ومعطيا إلا الله تعالى وتعتبر من يقول بغير ذلك مشركا، قال الوهابي المنجد: " من اعتقد أن الولد من عطاء غير الله ، أو أن أحدا سوى الله يزيد في الرزق وينقص منه ، فهو مشرك شركا أشد من شرك العرب وغيرهم في الجاهلية" ، بينما يقول الله تعالى على لسان جبريل(ع) لمريم(ع): { إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأهب لك غلاما زكيا } مريم: 19 فعلى المبنى الوهابي يجب أن يكون جبريل(ع) -لا الطالب منه ذلك فقط- مشركا لأنه ينسب لنفسه وهب الولد مع أن هذا مختص بالله تعالى، كما قال عز من قائل: { لله ملك السماوات والارض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور} الشورى: 49، لو جمدنا على ظاهره؛ بل يكون الله تعالى مشركا -والعياذ بالله- لأنه ناقل الكلام بدون إبطاله. ومجاوزة ظاهر النص بتأويل أو ما في حكمه تحرمه الوهابية فيلزمها ذلك. أما لو جاز التوجيه فلم لم تقبلوا توجيه ما يقوله المسلم؟

وقدمنا هناك كذلك أن نسب الله تعالى لرسول (ص) إغناء وإيتاء فضل كما قال سبحانه: { ولو أنهم رضوا ما اتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا الى الله راغبون } التوبة: 59 وقال عز من قائل: { وما نقموا إلا ان أغناهم الله ورسوله من فضله } من التوبة: 74، وساوى في ذلك بينه سبحانه وبين رسوله (ص)، بينما الوهابية تحرم مثل ذلك. قال العثيمين: " قرنُ غير الله بالله في الأمور القدرية بما يفيد الاشتراك وعدم الفرق أمر لا يجوز، ففي المشيئة مثلاً لا يجوز أن تقول: "ما شاء الله وشئت" لأن هذا قرنٌ لمشيئة الله بمشيئة المخلوق بحرف يقتضي التسوية وهو نوع من الشرك. لكن لابد أن تأتي بـ: "ثم" فتقول: "ما شاء الله ثم شئت" كذلك أيضاً إضافة الشيء إلى سببه مقروناً بالله بحرف يقتضي التسوية ممنوع فلا تقول: "لولا الله وفلان أنقذني لغرقت" فهذا حرام ولا يجوز لأنك جعلت السبب المخلوق مساوياً لخالق السبب.وهذا نوع من الشرك، ولكن يجوز أن تضيف الشيء إلى سببه بدون قرن مع الله فتقول: "لولا فلان لغرقت" إذا كان السبب صحيحاً وواقعاً ولهذا قال الرسول، عليه الصلاة والسلام، في أبي طالب حين أخبر أن عليه نعلين يغلي منهما دماغه

 قال: "ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"، فلم يقل: لولا الله ثم أنا مع أنه ما كان في هذه الحال من العذاب إلا بمشيئة الله، فإضافة الِشيء إلى سببه المعلوم شرعاً أو حساً جائز وإن لم يذكر معه الله عز وجل، وإضافته إلى الله وإلى سببه المعلوم شرعاً أو حساً جائز بشرط أن يكون بحرف لا يقتضي التسوية كـ: "ثم"، وإضافته إلى الله وإلى سببه المعلوم شرعاً أو حسّاً بحرف يقتضي التسوية كـ: "الواو" حرام ونوع من الشرك، وإضافة الشيء إلى سبب موهوم غير معلوم حرام ولا يجوز وهو نوع من الشرك مثل العقد والتمائم وما أشبهها فإضافة الشيء إليها خطأ محض، ونوع من الشرك لأن إثبات سبب من الأسباب لم يجعله الله سبباً نوع من الإشراك به، فكأنك أنت جعلت هذا الشيء سبباً والله تعالى لم يجعله فلذلك صار نوعاً من الشرك بهذا الاعتبار" وقمنا أيضا أن الوهابية تحرم القسم بغير الله والقرآن مليء به، فقد أقسم الله تعالى بالنجم والشمس والليل والتين والزيتون وطور سينين ومكة وعمر النبي وغير ذلك، ودعوى اختصاص الله به لا دليل عليها، وما صح من الأحاديث المعارضة لا تفهمها الوهابية وأقل ما يقال الآن أنها لا يمكن أن تناقض القرآن.

 قال ابن باز: " لا يجوز الحلف بشيء من المخلوقات، لا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا بالكعبة، ولا بالأمانة، ولا غير ذلك في قول جمهور أهل العلم" وأن الوهابية تحرم البناء على القبور، قال ابن باز: " لا يجوز البناء على القبور لا بصبة ولا بغيرها ولا تجوز الكتابة عليها " ، بل دعت هذه الفرقة المتجرئة إلى هدم القبة الخضراء على قبره(ص)، وممن فعل ذلك الألباني فقد تجرأ على البوح به في كتابه (تحذير الساجد) ص:68/69 كما دعا إلى إخراج قبر النبي(ص) خارج المسجد ، وكذلك ابن عثيمين فإنه قال: "والقبة عسى الله يسهل هدمها" ؛ والله تعالى يقول: { وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم امرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا} الكهف: 21، ولم ينه الله تعالى عن ذلك فدل على جوازه. والاستدلال بالأحاديث يجب ألا يناقض ما ثبت في القرآن. وهناك أمثلة أخرى غير ما مر لا تفهمها الوهابية أو لا تريد أن تفهمها وتكفر أو تضلل المسلمين على أساسها.

وقد قال الخطابي كما نقل د. الوهيبي: " وقوله: (وقتاله كفر) فإنما هو على أن يستبيح دمه، ولا يرى أن الإسلام قد عصمه منه، وحرمه عليه.. وقد يتأول هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث على وجه التشبيه لأفعالهم بأفعال الكفار من غير تحقيق للحكم فيه … وهذا لا يوجب أن يكون من فعل ذلك كافراً به خارجاً عن الملة، وإنما فيه مذمة هذا الفعل وتشبيهه بالكفر، على وجه التغليط لفاعله، ليجتنبه فلا يستحله، ومثله في الحديث كثير) .

  قلت: إن ذلك هو بالضبط ما فعله الوهابية الثائرة والطائعة ويفعلونه اليوم، فإنهم استباحوا دم المسلمين في الحجاز والشام والعراق وغيرها من بلاد المسلمين. فظهر أنهم أولى بالكفر من تكفيرهم للمسلمين. ثم إذا كان فعل المسلمين ذاك يجوز تأويله فلم قتلتم عباد الله وأنتم تعملون؟ ويزيدنا د. الوهيبي إيمانا وإخوانه رجسا على رجسهم التكفيري الدموي فيقول: يضاف في الرد أن أفراد هذه المسائل مثل: سباب المسلم، الحلف بغير الله، النياحة، الطيرة. وقد وردت نصوص أخرى تدل أنها وقعت من البعض ولم يكفر صاحبها، بل حذر الرسول – ( )– منها. مثل قوله: ( لا تحلفوا بآبائكم ) وقوله: ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) حيث لم يرتب عليها كفراً. وأضاف أنهم استندوا في تأويلهم هذا إلى النصوص السابقة في حكم مرتكب الكبيرة من مثل قوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وأحاديث الشفاعة وغيرها وبما ثبت عن ابن عباس وغيره من الأئمة في قوله تعالى: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ( ): أنه قال: { ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه } فقالوا: كفر دون كفر وشرك دون شرك..الخ" ( ). قال النووي: " وأما قوله – صلى الله عليه وسلم – فيمن ادعى لغير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه، فقيل فيه تأويلان أحدهما: أنه في حق المستحل، والثاني: أنه كفر النعمة والإحسان وحق الله تعالى وحق أبيه، وليس المراد الكفر الذي يخرجه من ملة الإسلام وهذا كما قال – صلى الله عليه وسلم -: (يكفرن) ثم فسره بكفرانهن الإحسان وكفران العشير " ، وقال أبو بكر بن العربي: " فقرن حق الزوج على الزوجة بحق الله، فإذا كفرت المرأة حق زوجها - وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية – (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله) – كان ذلك دليلاً على تهاوناً بحق الله، فذلك يطلق عليها الكفر، لكنه كفر لا يخرج من الملة " ( ).

قلت: فهل كفرتم المسلمين يا أيها السلفية الوهابية لأنهم استحلوا الكفر، أم لأنكم ترون مكفرا ما يرونه جائزا بالمعنى الأعم؟ وهاك نوعا رابعا من الدكتور يزيدناالحبور ويزيدهم الكدور: والنوع الرابع: نصوص فيها تحريم النار على من تكلم بالشهادتين، وأخرى فيها تحريم الجنة على مرتكب الكبائر: مثل قوله تعالى: { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها } . وقوله( ): { لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه } . وقوله: " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام " . وقوله: " من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار " وعلق عليها الدكتور بأن الأدلة الثلاثة الأولى ظاهرها – إذا لم يضم إليها ما يقابلها – يكاد يكون صريحاً في مذهب الخوارج، والدليل الرابع يكاد يكون صريحاً في مذهب المرجئة، ولكن كما كررنا من قبل، من أعظم أسباب ضلال هؤلاء أخذهم بجانب من الأدلة وتركهم الجانب الآخر، أما أهل السنة – يقصد السلفيين الوهابيين وغيرهم- فينظرون إلى جميع الأدلة والأحاديث إذا ثبت في مسألة معينة فيضمون بعضها إلى بعض، وكأنها دليل واحد، أو حديث واحد فيحمل مطلقها على مقيدها ليحصل الاعتقاد والعمل بجميع ما في مضمونها . قلت: بل الذي يفعل ذلك الجمع هو أهل السنة من غير السلفية الوهابية كما يفعله كل المسلمين الآخرين، أما الوهابية فإنهم لا يؤولون إذا شاؤوا، ولا يراعون في المؤمنين إلا ولا ذمة إذا خالفوهم في رؤيتهم العقائدية أو الفقهية فيكون ما نسب إلى الخوارج فيهم وعليهم وشهدوا على أنفسهم.

وعلى أي حال تلتزم السلفية الوهابية نظريا ما خلاصته:

• عدم كفر مرتكب الكبيرة، ما لم يستحل. • أنه في الآخرة إذا لم يتب تحت المشيئة الإلهية فإن شاء الله عذبه وإن شاء عفا عنه. وإن دخل النار فلا يخلد فيها. • قد تتراكم عليه الذنوب فتوصله إلى الكفر، غير أنها لا تخرج من حد الإيمان ما لم يكن شركا وكفرا أكبر. • ما يخالف بظاهره النصوص المعتمدة يجب تأويله وهو على خلاف مبانيها في التأويل بخلاف باقي أهل السنة، ومن جملة ذلك: أ‌) النصوص النافية لإيمان مرتكب الكبيرة يحمل النفي فيها على نفي كمال الإيمان أو الإيمان الواجب. ب‌) والتي فيها براءة النبي( ) معناها "ليس من المقتدين بنا بفعله هذا". ت‌) والتي فيها إطلاق الكفر والشرك على بعض المعاصي، هي: "كفر دون كفر"، أي أن مرتكبها قد تشبه بالكافرين والمشركين بفعله. "وأولوا بعضها بكفر النعمة". ث‌) والتي تحرم النار على الموحد فتحمل على تحريم خلوده في النار، وكذلك التي تحرم الجنة على مرتكبي بعض الكبائر فتحمل على تحريم دخول الجنة ابتداء. قلت: ولو التزمت السلفية الوهابية بتوجيه النصوص بالطريقة أعلاه لما اختلفت عن باقي المسلمين، ولبقوا في عينها موحدين، ولما توجه إشكال التناقض إلى الدين.

 فبالتوجيه كان العلماء يفكون عقد ما انعضل بالاجتهاد الذي يؤجر فاعله على كل حال. فمن ذلك ما فعل الطبري في حل التناقض الظاهري بين وعد مغفرة جميع الذنوب وتخليد قاتل العمد، قال في تفسير آية قتل العمد المشار إليها بعد أن استعرض الأقوال في تفسيرها: { وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمناً متعمداً، فجزاؤه جهنم خالداً فيها، ولكنه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إياها ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً } وكما فعل الخطابي في قوله: " القرآن كله بمنزلة الكلمة الواحدة، وما تقدم نزوله وما تأخر في وجوب العمل به سواء مالم يقع بين الأول والآخر منافاة، ولو جمع بين قوله: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ( ) وبين قوله: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها) ( )، وألحق به قوله: (لمن يشاء) لم يكن متناقضاً، فشرط المشيئة قائم في الذنوب كلها ما عدا الشرك، وأيضاً فإن قوله: (فجزاؤه جهنم) إن جازاه الله ولم يعف عنه، فالآية الأولى خبر لا يقع فيه الخلف، والآية الأخرى وعيد ( ) يرضي فيه العفو والله أعلم " .

أما السلفية الوهابية وهي تحرم التأويل وتجمد على الظواهر في مسائل التوحيد وغيره قد كفت نفسها الحل وتعمدت العقد، ثم تقحمت فتاوى التكفير واقتحمت قيد الفتك والقتل، فتجرأت على النار. ثم هاهي هنا تؤول أيضا فقد نقل د. الوهيبي في توجيه قوله ( ): "لا يدخل الجنة " وقوله: " فالجنة عليه حرام " أن فيه جوابين هما: " أحدهما: أنه محمول على من يستحل الإيذاء مع علمه بتحريمه فهذا كافر لا يدخلها أصلاً، والثاني: معناه جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم، بل يؤخر ثم قد يجازى وقد يعفى عنه فيدخلها أولاً " . قلت: على الأول، هل لا تعلم السلفية التكفيرية بقسميها أن قتل المسلم حرام؟ وعلى الثاني: قد يكون ذلك فيما لم يوعد الله تعالى عليه العذاب كالقتل العمد، والسلفيون قد قتلوا المؤمنين متعمدين، فيتعين الأول. إلا أنه قد يقال: إنهم إنما قتلوهم بعدما كفروهم فيرفع موضوع الاستحلال. وهو للوهلة الآولى لا يستقيم مع مر أعلاه من أنه لا يجوز حمل تلك النصوص التي يراد بها تكفير المسلمين على ظاهرها توصلا لتكفيرهم من غير استحلال. فالسلفية الوهابية لا تستقيم لها أدلة التكفير بناء على أمثال النصوص المتقدمة ما دام ليس هناك استحلال في البين. ولو قيل بردة المسلم وكفره حتى من غير استحلال إذا أتى بناقض من نواقض الإسلام بنظرهم، فهذه بحق هي لعبة السلفية الوهابية التي ربما لم يتقنها خوارج الأمس، والتي لا تنفع معها كل تلك النصوص المتقدمة بتوجيهاتها. ولذلك فإنها بإيرادها تلك النصوص وتوجيهها بتلك الطريقة المعروضة آنفا تريد الظهور كمدرسة إسلامية كغيرها من مدارس الإسلام، وبالخصوص كـ'أهل السنة والجماعة' حتى أنها ظهرت بذلك من جملة المؤولين حيث يجب؛ غير أن سم عسلها هو في مصداق مفهوم الشرك الذي تتبناه. فحيث أن التكفير بالمعاصي لا ينفع في تكفير المسلمين لوضوح أن تلك مقولة خارجية قديمة مجمع على ضلالتها، فإن هدف تكفير المسلمين وما يلزم منه يتحقق بطريقة أدهى وأمر وهي من خلال نسبة الشرك إليهم مادام هو أعظم عند الله تعالى حتى أنه استثناه من المغفرة في الآخرة، وبذلك توحي هذه الفرقة الرقطاء أنها لا تأتي بشيء جديد ما دام أن كل المسلمين يكفرون من كفر وأشرك، وبذلك يصدقها المغفلون أنها فرقة إسلامية عادية خصوصا وهي تتبرأ من الخوارج القدامى حتى لربما صدقت نفسها فيه. بل لقد ادعت أنها هي النمط الأوسط والفرقة الناجية وممثلة 'أهل السنة والجماعة' بلا منازع بما أنها تطبق أحكام الإسلام حيث ضل بعض المسلمين وجبن عن ذلك آخرون. وهكذا لا تبدو السلفية الوهابية فرقة خارجية شاذة بما أنها لا تكفر بالمعاصي وتكفر كسائر المسلمين بالشرك والكفر الأكبر وتزيد عليهم بالالتزام بذلك.

  وبناء عليه فإن كل ما مر معنا من النصوص يقول لك السلفي الوهابي نقبله في غير المشرك، والمسلم المرتكب للشرك مشرك فخرج عن موضوع تلك النصوص بتوجيهاتها ولزمه التكفير والتقتيل. وهذا علاوة على أنه خلاف عمومات ما تقدم من كلام المحققين الذين ربطوا المعاصي بالاستحلال ووافقت عليه السلفية الوهابية حتى أنها لم تلتفت إلى ظاهر الشرك الوارد في بعض النصوص كما في الحديثين المتقدمين وهما قوله: " الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل " ، وقوله: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك . وحملته على الشرك الأصغر أو الكفر دون الكفر كما فعل د. الوهيبي آنفا، وقال في طوله في مركز الفتوى عن شرك الطيرة: " هذا وليُعلم أن الطيرة تكون شركاً أكبر إذا اعتقد أن الذي شاهده من حال ما تطير به موجب لما ظنه، ومؤثر فيه بذاته، أما إذا علم أن الله سبحانه هو المتصرف والمدبر وحدهُ، ولكنه يجد في نفسه شيئاً من الخوف، بمقتضى العادة التي جرت له، من وجود المكروه عن حصول الشيء الذي تطير منه، فهذا مكروه إن وطن نفسه عليه وهو من الشرك الأصغر، وإن استعاذ بالله من الشر ومضى متوكلاً على الله، فلا يضره ما وجد في نفسه،" ، فهو إذن ليس على إطلاقه وفيه تفصيل كما يقول المسلمون، فلِمَ تورد أمثال هذه الأحاديث في وارد الشرك الأكبر

 إذن كما قال ابن تيمية: " قال تعالي { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله } فمن سوي بين الخالق والمخلوق في الحب له أو الخوف منه والرجاء له فهو مشرك والنبي صلي الله عليه وسلم نهى أمته عن دقيق الشرك وجليله حتي قال: ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) رواه أبو داود وغيره، وقال له رجل ما شاء الله وشئت فقال : ( أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده)، وقال :( لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد) " ؟ فواضح إذن ما تلعبه السلفية الوهابية لتكفير المسلمين فتحقق هدف من يريدون تفرقتهم للانقضاض عليهم، وهدف من لا يريد أن يعبد الله في الأرض.

ومع ذلك لا يصح تكفير المسلمين حتى بالنظر لضوابط وموانع التكفير التي قررتها هذه النحلة على الأقل نظريا لأنها لم تلتزم بها عمليا غالبا. فوجب بحث حد الكفر الذي على أساسه كفروا المسلمين ثم تقييم ظوابط وموانع التكفير التي وضعوها لمعرفة مدى مطابقتها للقرآن والسنة. index: 1. رواه البخاري (الفتح) 12/58، 59 رواه مسلم (بشرح النووي 2/42)وقد سبق تخريجه وانظر جمعاً لطرق الحديث في تعظيم قدر الصلاة للمروزي 1/487 – 505 وانظر أحاديث أخرى من هذا النوع في الإيمان لأبي عبيد 84، 85 . 2. التمهيد لابن عبد البر 9/243، 244 3. مسلم بشرح النووي 2/41 . 4. تعظيم قدر الصلاة 2/576، وسبق في مبحث "مراتب الإيمان" بيان لشيء من ذلك ونقل مطول عن الإمام أبي عبيد في ذلك . 5. النواقض ص: 79 6. رواه مسلم كتاب الإيمان "باب قول النبي – صلى الله عليه وسلم – من حمل علينا السلاح فليس منا " (شرح النووي ) 2/108 . 7. جزء من حديث رواه مسلم الإيمان "باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم – من غشنا فليس منا " (شرح النووي 2/109 . 8. الإيمان لأبي عبيد 92، 93، وانظر مسلم بشرح النووي 2/108 . 9. رواه البخاري الإيمان "بابا خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر"، فتح 1/112 ومسلم الإيمان " باب قول النبي – صلى الله عليه وسلم – سباب المسلم فسوق .. " عن ابن مسعود. 2/54 (النووي) . 10. رواه مسلم الإيمان " باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة " ( شرح النووي ) 2/5745 . 11. رواه أحمد 1/389، والبخاري في الأدب المفرد (909) وأبو داود (3910)، والترمذي (1614) وقال : "حسن صحيح "، وابن ماجه 3538 وغيرهم عن ابن مسعود انظر تفصيلاً لذلك في النهج السديد ص 162 وصححه العراقي في الفيض (4/294) وزيادة (ومامنا إلا … ) مدرجة. انظر إيضاحاً لذلك في مفتاح دار السعادة 2/2334 "وفتح الباري" 10/213 . 12. رواه أحمد (2/34، 86) وأبو داود (3251) والترمذي (1535) وحسنه، وانظر نصوصاً أخرى في الإيمان لأبي عبيد 86، 87، ومسلم بشرح النووي 2/49 – 62 . 13. النواقض. ص: 80 14. انظر: مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين المجلد الثالث - باب المناهي اللفظية. https://islamqa.info/ar/48993 15. المناهي اللفظية. ص: 8. من: http://www.al-eman.com 16. http://www.binbaz.org.sa/node/1703 17. http://www.binbaz.org.sa/node/99 18. http://ar.sunnite.net 19. https://www.youtube.com/watch?v=7T2tfpOnXmw 20. ( ) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي 178، 179، وانظر الإيمان لأبي عبيد 93 – 96 . 21. النواقض: ص: 80 22. ( ) سورة النساء، آية : 48 . 23. ( ) فتح الباري 1/112 . 24. ( ) سورة المائدة، أية : 44. 25. ( ) انظر تفصيل لذلك في تعظيم قدر الصلاة للمروزي 2/519 – 529، وكتاب الصلاة لابن القيم 26 – 3 26. ( ) مسلم بشرح النووي 2/50 . 27. نقلاً عن فتح الباري 1/83، وانظر تفصيلاً لذلك في رسالة التكفير والمكفرات لحسن العواجي 1/87 – 101 28. سورة النساء، آية : 93 . 29. رواه مسلم (الإيمان باب بيان تحريم إيذاء الجار) (مسلم بشرح النووي) 2/17 . 30. رواه مسلم الإيمان (باب بيان حال من رغب عن أبيه …) (بشرح النووي 2/52 )، وانظر أحاديث أخرى في هذا المعنى، التوحيد لابن حزيمة 2/858 – 867 . 31. رواه مسلم (بشرح النووي 1/229) الإيمان (باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة ) 32. انظر المختار من كنوز السنة 95 . النواقض. ص: 82 33. سورة الزمر، آية : 53 . 34. تفسير الطبري (شاكر) 9/69، وانظر الأقوال في تفسير الآية 9/61 – 69 وانظر كلاماً قريباً من ذلك في التوحيد لابن حزيمة 2/869 . 35. سورة النساء : 48، 116 . 36. سورة النساء : 93 . 37. في الأصل (وعد )والصحيح ما أثبتناه . 38. الجامع لشعب الإيمان 2/103 . 39. مسلم بشرح النووي 2/17 وانظر ص 2/52 . 40. رواه أحمد 1/389، والبخاري في الأدب المفرد (909) وأبو داود (3910)، والترمذي (1614) وقال : "حسن صحيح "، وابن ماجه 3538 وغيرهم عن ابن مسعود انظر تفصيلاً لذلك في النهج السديد ص 162 وصححه العراقي في الفيض (4/294) وزيادة (ومامنا إلا … ) مدرجة. انظر إيضاحاً لذلك في مفتاح دار السعادة 2/2334 "وفتح الباري" 10/213 . 41. رواه أحمد (2/34، 86) وأبو داود (3251) والترمذي (1535) وحسنه، وانظر نصوصاً أخرى في الإيمان لأبي عبيد 86، 87، ومسلم بشرح النووي 2/49 – 62 . 42. http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=29745 43. مجموع الفتاوي 27: 339







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز