نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
هراوة فلاديمير بوتين الثقيلة .. ورقصة الموت في ادلب

لاأدري من الذي أقنع ثوار الله ان ماكان صحيحا بالأمس سيكون صحيحا اليوم .. وبأن قاعدة (لاجديد تحت الشمس) هي قاعدة تنطبق على حربهم المقدسة في سورية .. فهناك وهم كبير يحشوه الاعلام النفطي والثوري في عقول الناس أن الأمم ترتجف اذا رأت انتقام الثوار أو رأت جثث أبنائها ممددة تسحق تحت نعال المنتقمين .. وأن فلاديمير بوتين سينخلع قلبه اذا رأى جنوده يمثل بجثثهم .. وهناك من يروّج أن منظر الجنود الروس القتلى سيهز عرش بوتين .. بل منذ ان جاء الروس الى سورية بسلاحهم وعتادهم وأنا أقرأ مقالات وتحليلات غاية في الجهل والبؤس .. وغاية في التفاهة والسطحية واعتقد ان من كتبها توقف عن القراءة منذ أربعين عاما .. فبعضهم يقول ان الروس يعيشون كابوس أفغانستان ويخشون المستنقع السوري .. وبعضهم يقول بأن الروس يرون أفغانستان كل يوم في كوابيسهم .. بينما رأى الآخرون ان الله ارسل الروس الى سورية ليهزموا ثانية على يد ثوار الاله .. ووصل الأمر بالبعض ان طالب الامريكان بحرقة ان يأتوا بصواريخ الستينغر التي أعطيت للمجاهدين الأفغان ليرى الروس كيف ستكون عاقبة التدخل في سورية .. بل ان بعضهم قال ان الاسطول الروسي سيعود الى البحر الأسود خلال 24 ساعة اذا فجر الثوار شارعين او ثلاثة في موسكو انتقاما من الخطوة الروسية ..

كنت أقرأ كل هذه الترهات وكل هذه التحليلات التي تستند الى قاعدة ان لاجديد تحت الشمس وأن التاريخ يكرر نفسه .. وان مايحدث اليوم قد حدث بالأمس وان ماحدث بالأمس قد حدث اليوم .. ولذلك فان تشابه الظروف وتشابه المتصارعين في أفغانستان وسورية يقتضي ان نصل الى نفس نتيجة الأمس أي الانسحاب السوفييتي من أفغانستان .. فلم يتغير شيء في معادلات (لاجديد تحت الشمس ) الا مكان الصراع الذي كان في أفغانستان بالأمس وصار في سورية اليوم .. فالمتصارعون هم الروس والامريكان الذين استعانوا بالسعوديين الذين ارسلوا جيش المجاهدين (الذي سمي لاحقا القاعدة ثم جبهة النصرة) الى أفغانستان .. واليوم ينتقل الصراع ذاته الى سورية .. ولذلك فان على الأمريكان والسعوديين استدراج الروس الى معركة يخسرون فيها جنودا ومقاتلين تجعل القيادة الروسية تخشى ان تغرق في المستنقع وتعطي أعداء الرئيس بوتين الفرصة لاحداث ضوضاء وجلبة بحجة ان روسيا تسير على خطا الاتحاد السوفييتي وستدفع ذات الثمن الباهظ ..

وتبدو مشاهد التمثيل وسحل جثث الجنود الروس بعد اسقاط الحوامة في ادلب دليلا قويا على ان هذه هي القناعة الراسخة لدى الثورجيين ولدى قياداتهم العليا .. ولذلك بالغ من ظهر في المشهد باظهار الوحشية والتشفي والقسوة والتمثيل بالجثث .. وهذا التشفي ليس عفويا بل بقرار مسبق من قيادات معارضة اتخذ وأوصي به منذ لحظة وصول الروس الى سورية .. وليس مستغربا ان يكون بايعاز وأوامر غرف استخبارات أميركية قريبة لاستثمار هذا المشهد في روسيا والعالم وليس في سورية .. لأن الصحف الغربية كانت أمام أي ضحية روسية في سورية تكتب مقالات وتطنب في الحرج الذي تسببه للرئيس الروسي الذي صار عدو الغرب الأول وهو ينهض بروسيا من سباتها .. عل هذه الصور تشعل كابوس أفغانستان في النخب الروسية فتلجم بوتين او تحد من اندفاعه وطموحه المتوثب ..

ولكن كل من يقرأ كيف يتغير العالم ويتحول وتنهار النظريات الكبرى وتنشا المشاريع الكبرى يعرف ان نظرية (لا جديد تحت الشمس) لم تعد نظرية العصر وأنها هي تغيرت أيضا وهزمت أمام نظرية حاسمة تقول (لاتستطيع ان تقفز في النهر الواحد مرتين) ..

الشعوب لاتكترث بما حدث في الماضي دوما بل تميل الى تحديه .. فهزيمة أميريكا وعقدتها في فييتنام لم تمنعها من الخروج الى أفغانستان والعراق بحثا عن عظمتها وطموحاتها الإمبراطورية وثأرا لكرامتها .. وأوجاع فييتنام لم تمنع الشعب الاميريكي من الاندفاع خلف بوش في مغامرته رغم ان هناك من ذكّر الاميريكيين انه مقبلون على فييتنام جديدة لأن (التاريخ يكرر نفسه) فجرح غزوتي نيويورك وواشنطن جعل عقدة فييتنام أتفه من أن توقف رغبة الثار والانتقام وكان هناك استعداد لدفع الثمن مهما كان باهظا ..

وماحدث للروس يوما في أفغانستان تغير اليوم .. والشعب الروسي الذي كان غير متحمس للقتال في أفغانستان مع الرفاق الشيوعيين من أجل النظرية الشيوعية العالمية ونقل الاشتراكية للشعب الأفغاني ليس هو الشعب الروسي الذي يقوده فلاديمير بوتين من أجل مشروع روسيا العظمى .. والروس الذين فضلوا الخروج من أفغانستان لايريدون الخروج من سورية الا ومعهم رأس المشروع الأمريكي الوهابي وراية روسيا العظمى تخفق في العالم .. والشعب الروسي اليوم هو الشعب الذي تذوق الخطر الإسلامي ورآه في مدرسة بيسلان ومسرح موسكو وهو يدرك أن الحرب في سورية هي حرب حتمية ومفروضة عليه وليست حربا عبثية واختيارية اختارتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي .. ولذلك فان الشعب الروسي انتخب فلاديمير بوتين بأغلبية ساحقة مرتين لأنه الرئيس الذي أنقذ روسيا من عدة مخاطر وأهمها كان الخطر الإسلامي الشيشاني الذي كانت تحركه أصابع اميريكا ودول النفط .. انه الرئيس المفوّض الذي كلف من قبل الشعب الروسي بملف التعامل مع الخطر الخارجي الإسلامي وغير الإسلامي .. ولذلك فان بوتين الذي نال التفويض سحق التمرد الشيشاني بقسوة واقتلع التنظيمات الشيشانية والداغستانية من حدود روسيا وطاردها ونال ثقة الشعب الروسي في كل قرار يتخذه خاصة في تقديره للخطر في ملف التنظيمات الإرهابية الإسلامية .. وهذه التنظيمات تبرعمت في سورية اليوم برعاية غربية ولابد من تدميرها أيضا لأنها ستعود .. والروس معروفون انهم شعب عنيد ومعتاد جدا على ثقافة التضحية حتى الانتحار لأنهم لايقبلون الإهانة .. فعندما تحرش بهم نابوليون لحقوا بنابوليون وطاردوه الى باريس .. وعندما تحرش بهم هتلر لحقوا بجيوش هتلر حتى برلين لدحر كل النازية ومشروع الرايخ الذي أطلقه هتلر .. واليوم يتحرش بهم الاسلامون على طريقتهم .. وسيلحقون بهم على طريقتهم الى العاصمة الاسلامية التي يختارونها ..

لاشك ان فلاديمير بوتين وباراك أوباما كانا يراقبان منظر ثوار الاله الوهابي وهم يرقصون كالبهائم فوق جثث الطيارين الروس الذين تم اسقاط مروحيتهم .. ولاشك ان الرئيسين كانا يفكران بطريقتين مختلفتين .. فالرئيس أوباما كان يتحرق لمعرفة شعور بوتين وهو يرى مشهد التمثيل بالضحايا الروس ويتمنى أن ينخلع قلب بوتين وان يبلع ريقه خوفا على هيبة روسيا اذا استمرت الخسائر الروسية في سورية .. وربما كان يعتقد ان جرس الهاتف سيرن وسيكون رئيس الاستخبارات الاميريكي يبلغه ان الروس يحزمون حقائبهم سرا وأن كابوس أفغانستان قد استيقظ .. لكنه كان يعرف في نفس الوقت ان المشهد هو نهاية لشعار المعارضة السورية المعتدلة ومشروع تعديل مذاق جبهة النصرة بعد مسرحية انفكاكها عن القاعدة التي انتهت بالأمس .. ولاشك أن رقص الثورجيين على الجثث الروسية هو رقص على جثث الفصائل التي تريد اميريكا حمايتها لأن الرقص قد خلع المظلة التي وضعتها أميريكا فوق رؤوس الفصائل المعتدلة ..
أما الرئيس فلاديمير بوتين فانه على العكس بعد أن نظر الى المشهد المقزز .. توقع مراقبون غربيون ان يكون رد فعله من خلال مايعرفون عن قرب عن قوة الرجل أنه لاشك سينقل نظره وسيلتفت الى الخارطة الالكترونية على الجدار حيث سقطت المروحية وسيشير بالقلم الى نقطة ويضع القلم على الطاولة دون أن يتكلم ثم يغادر القاعة ليتولى اجتماعا آخر .. وسيسمع وزير الدفاع الروسي يبلغه وهو يغادر ان هذه النقطة ستنتهي نهائيا ..

في كل يوم يقدم الثوار مشروعا انتحاريا جديدا يدمرهم أكثر ويستقدم المزيد من التدمير لهم وهم وقود رخيص .. وهناك من لايزال يسقيهم مياها راكدة لنظريات صدئة بأوان صدئة وكؤوس صدئة دون أن يعرفوا ماالذي تغير في العالم .. وأن زمن أفغانستان لايمكن ان يعود لأنك لاتستطيع أن تقفز في ماء النهر مرتين .. وأنا شخصيا أعلم انه كلما أوغل الثورجيون في حماقاتهم اقتربوا أكثر من الهزيمة الساحقة ؟؟ فالعنف والوحشية اللتان اعتقدوا أنهما طريقهم للتمكين وتفكيك مراكز القوى في المجتمع والدولة وترهيب الطوائف في سورية هي التي جعلت الكل مستميتا في التصدي لهم حتى خسر الاسلاميون مشروع التغيير في سورية الذي كان سهلا لو لم يلجؤوا لنظرية التمكين العتيقة التي كانت تنجح في زمن ماض ولكنها لايمكن ان تطبق في زمن آخر حيث مشهد الذبح لم يعد يخيف الناس بل مايخيف الناس أن ينتصر اهل الذبح عليهم ..
ولو كان الثورجيون يدركون كم بذلت أميريكا وتركيا والسعودية والغرب وأوباما من جهد لنقل جبهة النصرة من تحت عباءة القاعدة الى تحت عباءة الاعتدال من أجل حماية النصرة وبقية الفصائل الإسلامية لالتقطوا الصور مع الضحايا الروس وهم يكرمون الجثامين لايرقصون عليها .. لأن هناك من يرى ان هذه الصور المشينة لن تزيد الا من قوة بوتين في روسيا وفي سورية وستثبت أن بوتين كان على صواب في سورية الا أنه أخطأ لأنه لم يستعمل الا الهراوة الصغيرة حتى الآن .. وأستطيع ان أتوقع حسب ماسمعت ووصلتني من قراءات غربية أن ثورجيي ادلب سيرون قريبا الهراوة الكبيرة لبوتين وماذا تعني النقطة التي ستزال من الخارطة التي يزعم ويتصور البعض أن بوتين أشار اليها لوزير دفاعه .. وترى هذه الآراء المتابعة الغربية أن اسقاط الحوامة حول تدمر منذ أسابيع اقتضى أن تصل القاذفات الروسية لتمحو المنطقة المحيطة بتدمر ثأرا لسقوط ضحيتين كانتا تستقلان الحوامة السورية .. لكن ادلب قررت ان تفعل حماقة أكبر ينتظرها أعداء المعارضة السورية ومايقتضي تأديب الثورجيين وقد ظهروا كالبلهاء يحتفلون بالتشفي بجثث الضحايا الروس واهانتهم وهم يظنون أن الشعب الروسي سيثور على بوتين كما ثار الأميريكيون على المحافظين الجدد اثر إهانة الجيش الاميريكي في العراق .. لكن القراءات الخاطئة التي وسمت كل العقليات الثورية هي التي تقود الى الهزائم المتتالية والتراجعات لثورة كانت المدللة لدى العالم فاذا بها تتحول الى الثورة الأكثر احتقارا في العالم .. وهذا ماسيعني أن الجيش الروسي والجيش السوري سيلتقيان في حفلة التأديب في مدينة ادلب خلال الأسابيع القادمة على الأكثر .... وأذكر انه في يوم قرأنا معطيات دقيقة أن محاولات اقتحام دمشق انتحار وأن زهران علوش قد اقتربت نهايته جدا وأنه صار في القفص ..وأن حي بني زيد سيتحرر قريبا .. واليوم أعتقد من قراءات وتحليلات وفيرة أن ادلب ستكون ثمنا باهظا سيدفعه الثوار المعتدلون .. وسيعرف الثوار كيف يكون الرقص فوق الجثث .. فالدنيا تغيرت .. والراقصون سيرقصون رقصة الموت في ادلب تحت الهراوة الثقيلة .. وقد قال برناردشو يوما: "اياك أن تذهب الى معركة حديثة بمدفع قديم "..

مدفع أفغانستان قديم .. ومعركة سورية معركة لاتشبهها معركة في التاريخ .. وقد أعذر من أنذر

‎بقلم: نارام سرجون‎'s photo.
‎بقلم: نارام سرجون‎'s photo.






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز