د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
جيلنا ومعزوفة المحافظة على أخلاق الجيل العربي الجديد

* المفهوم الأحيائي ( البيولوجي ) للجيل هو عدد السنين ، أو ألمسافة ألزمنية ألتي تفصل بين جيل وآخر، والتي قد تصل إلى ما بين 25-30 عاما في حال الآباء والأبناء ، وقد تزيد عن خمسين عاما في حال الأجداد والأحفاد . بالاضافة الى إلاختلاف الزمني ، فإن التباين بين جيلين غالبا ما يكون واضحا في فهمهم للقيم الأخلاقية ، والاجتماعية ، والدينية ، والفكرية ، والسلوكية . هذا الفارق بين جيل الكبار وبين الشباب ليس جديدا . لقد عرفه الناس خلال القرون الكثيرة الماضية ، لكنه كان أقل حدة في المجتمعات القبلية والمتخلفة لأنها كانت وما زالت بطيئة التطور والتغيير .

* للعادات والتقاليد دور مهم في حياة الأمم . لكن تغير الحياة الحديثة بشكل دائم ، وتبدلها ، ودخول معطيات جديدة وخروج أخرى ، يغير عادات الأمم وتقاليدها بشكل دائم ، وهادىء ، وبطيء قد لا يلحظه الشخص خلال حياته . لكن هذا التغيير يتراكم مع مرور الوقت ، ويظهر بشكل واضح في إختلاف القدرات الادراكية ، والثقافية ، والسلوكية بين جيل الآباء المحافظين الرافضين للجديد ، والمتمسكين بالعادات والتقاليد القديمة والموروث الاجتماعي ككل والثوابت التي نشؤوا عليها ، وجيل أبنائهم واحفادهم الشباب الذين ولدوا في زمن آخر ، وعاشوا في مجتمع آخر.

  * ولكن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد من الاختلاف بين الجيلين ، بل تتعدى ذلك إلى مستوى الصراع . يحدث هذا عندما يتهم جيل الآباء جيل الأبناء بالسطحية والانحطاط ، وفي تقليد وممارسة عادات غريبة ومستوردة من ثقافات أخرى تتمثل في الملبس ، والمأكل ، والقناعات الشخصية ، والتصرف إلخ . ، وفي المقابل يتهم الشباب الجيل السابق بأنه عاجز عن فهم متطلبات العيش في العالم الحديث ، وفاشل في التعامل مع حقائقه الحياتية ، وتشابك ثقافاته وأنماط حياته .

* في مجتمع الآباء والاجداد العربي التقليدي ، كان المجتمع متجانسا إلى حد كبير في أوضاع أفراده الثقافية والاقتصادية ....كان الأغنياء والمتعلمون قلة ... ، وبقية الناس متقاربون في فقرهم ومتشابهون في أساسيات حياتهم ، وفي معرفتهم ، واهتماماتهم ، وعاداتهم ، وتقاليدهم . في ذلك الوقت ، كانت مجتمعاتنا في معظمها ريفية ومحافظة ، ودينية ، وبطيئة التغير ، وتحترم وتقدس التراث وحضارة الآباء والأجداد ، وتسعى للمحافظة عليها وتعيش بوئام ، وسلام ، وتعاون .

* أما في المجتمع العربي الحديث فإن الحياة الشبابية تختلف تماما عن تلك التي عاشتها الأجيال الماضية . إن الشباب اليوم مقارنة مع الجيل السابق غالبا ما يكونون أكثر وعيا ، وحصلوا على تعليم أفضل ، ونشؤوا في ظل انفتاح إجتماعي وثقافي واسع ، ولهم عالمهم الخاص بهم . وإنهم أكثر قدرة على التعامل مع التقنية الحديثة ، وأكثر ثقافة وفهما لأنفسهم ، وأكثر طموحا ورغبة في التغيير ، وأكثر استعدادا للتفاعل مع العالم والانتفاع من إنجازاته . إنهم يعيشون في عالم يختلف تماما عن العالم الذي عاش فيه جيل آبائهم ، ولهذا فإنهم قد يتمردون ويرفضون الكثير من العادات والتقاليد والثوابت الموروثة .

* إن عالم اليوم ..." قرية صغيرة "... لا يمكن عزل مكونات أي جزء منها عن الكل العالمي . والدليل على هذا أن أي شاب عربي مهما كان دخله يملك تلفونا نقالا ، ويشاهد محطات التلفزة المحلية والعالمية إذا شاء ، ويستطيع أن يعرف آخر التطورات في عالم الموضة الشبابية ، والرياضة ، والموسيقى ، والعلوم ، ويتعلم الكثير من الأشياء الجيدة أو السيئة عن الشعوب الأخرى ، وعن ثقافاتها وممارساتها عن طريق الانترنت ، والفيس بوك ، ووسائل الاتصال الأخرى .

  * هذا الجيل العربي لا يستطيع إلا أن يكون جزءا من المجتمع العالمي القائم على أنية تبادل المعلومات ، والمتميز بالانفتاح ، والتنوع ، والغني في الأنماط الثقافية الجيدة والسيئة . لقد تأثر بدون شك بهذا الافراز الحضاري الثقافي الغربي ، وقلد بعض المفيد والرديء منه كما فعل أقرانه في مناطق مختلفة من العالم . إنه جيل يعيش في عالم مختلف يتيح له فرص التثقيف الذاتي ، والتفاعل السريع مع الآخرين في أي زاوية من زوايا الأرض ، ويفتح المجال أمامه للاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى ومن إنجازاتها .

  * وبسبب الاختلاف بين الجيلين العربيين في التفكير، وفي نمط الحياة والسلوك ، يرى بعض الأهالي أن الجيل الجديد متمرد على قيم المجتمع ، وغير سوي أخلاقيا ، ومتهور ، وغير قادر على تحمل المسؤولية ، ويشكل تهديدا للموروث الثقافي لأنه لا يحترم نمط حياة الأسلاف وتراثهم . وعلى النقيض مما يفكر به الأهل ، يرى الشباب أن جيل الأهل يظلمهم ، وإن آبائهم غير قادرين على فهمهم ، ولا يستطيعون إدراك أهمية التحولات الخلاقة السريعة التي تغيرنا جميعا ، وإنهم يرفضون العالم الحديث لأنهم لا يستطيعون التكيف مع متطلباته ، ولأنه يشكل تهديدا خطيرا لمكوناتهم التراثية ، ولثقافتهم التقليدية ، وهيمنتهم على الشأن الاجتماعي .

* إنني أفهم أن الحداثة والعولمة قدمت الكثير الذي إستفاد منه العالم أجمع ، وإنها أيضا أفرزت قيما وممارسات سيئة لا أخلاقية تعرض الشباب لأخطار كثيرة . المجتمع العربي مجتمع شاب . إن 70 % من محموع سكانه أعمارهم 25 عاما وأقل . وهذا يعني أنه مجتمع واعد وحيوي ، وإن هذه الشريحة الكبيرة من أبنائه تحتاج إلى رعاية وتفهم من الآباء والاجداد . المجتمعات كالأفراد تتعلم من تجاربها وأخطائها ، وتصحح مسارها وتستمر في البناء والانتاج ، وإن الشباب يتمردون ويخطؤون ، لكن التجارب تعلمهم الكثير ، وتساعد الاغلبية الساحقة منهم على تصحيح مسارهم والعيش حياة كريمة فيها الكثير من الخير والعطاء للجميع .

* أنتقاد الجيل القديم للجيل الجديد له تاريخ طويل ومورس في جميع مجتمعات العالم ، وسيظل يمارس إلى ما شاء الله . إن هذا يذكرني بالكاتب الانجليزي الفيكتوري " توماس كارالايل " الذي عاش خلال القرن التاسع عشر وكان من أشد الناقدين للشباب البريطاني . لقد وصفهم بأنهم بلا أخلاق وفاشلون وتوقع بأنهم لن يفيدوا الأمة ، لكنهم كانوا الجيل الذي لعب دورا حاسما في بناء الامبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس .

* انني لا أعتقد أن الجيل العربي الجديد بالسوء الذي يعزف ألحانه المتزمتون والمتخلفون من جيلنا . وحتى نفهمهم ذلك ، علينا أن نقارن بيننا وبينهم عندما كنا في سنهم . لقد تأثرنا بغيرنا وبتغيرات عصرنا كما يفعلون الآن ، وكانت لنا إعتراضات على جيل آبائنا ، وتمردنا على بعض العادات والتقاليد ، ولم يرض أهلنا عن بعض تصرفاتنا ، ولكننا أصبحنا أكثر وعيا وثقافة من ألأغلبية الساحقة من آبائنا ، وأنتجنا أكثر منهم . صحيح أن متطلبات الحياة الحديثة في هذا العالم التنافسي الذي لا يرحم جعلت الجيل الجديد أكثر قلقا وخوفا من المستقبل ، وأكثر فردية واعتمادا على النفس ، وأكثر أنانية ، وتمردا ، وتبرما منا ، لكنه ما زال بخير ، وسيكون أكثر تقدما منا ، كما كان دائما كل جيل لاحق أكثر تقدما من سابقه .

* أنا لست متشائما وعلى قناعة بأن هذا الجيل سيكون أفضل منا ، وأصدق مع نفسه منا ، وسينجز أكثر منا ، لأنه متعلم وقادر على العطاء والابداع أكثر منا ، ويعرف مصلحته ومستقبله أكثر منا ، ودليلي على هذا هو اننا فشلنا في كل شيء وسلمناه أوطانا فيها ... كل بلاوي العالم ...! نحن جيل مهزوم التمرد عليه علامة صحة وبريق أمل ، ومن الأفضل للجيل العربي الجديد أن يتمرد على جهلنا وخذلاننا وجبننا ، وعلى عقدنا وأمراضنا الاجتماعية والنفسية والعقلية ، وعلى الظلم الذي استسلمنا له .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز