د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
المراة المتخلفة تنتج مجتمعا متخلفا

* لو نزل آدم وحيدا إلى الأرض وترك حوائه في الجنة ، لكان الوجود الانساني قد انتهى بموته ، ولما كنا هنا الآن ، ولما كانت هناك حضارة إنسانية مزدهرة غيرت وجه الأرض وانتجت كل هذا الجمال الذي نستمتع به . إنه التفاهم ، والشراكة في الجهد ، والعمل ، والتفكير ، والصراع من أجل الاستمرار والبقاء ، والحب بين آدم وحوائه هو الذي طور هذا العالم وأوجد كل هذه العظمة . وكما تقول الرواية ، الله سبحانه وتعالى أراد ذلك فطرد الاثنين معا من جنات عدن ، وأنزلهما في عالم صحراوي ، موحش ، قاس ، وقاحل ليعمرا الكون بذريتها وجهودهما المشتركة ، وقد نجحا نجاحا باهرا في الامتحان ، ونحن نجني ثمرة جهدهما ونشكرهما على تضحياتهما ، وعلى وضع حجر الزاوية في بناء هذا العالم الجميل .

* لا شك أن التخلف الاجتماعي العام ينتج عن جهل وتخلف الأفراد المكونين للمجتمع . الرجال والنساء في المجتمعات البدائية والمتخلفة يرثون التخلق عن آبائهم وأجدادهم ويمررونه للأجيال المتلاحقة . ولهذا فإنه لا يمكن لأي مجتمع أن يتغير ويتطور ، إلا إذا عمل على تخليص رجاله ونسائه من الجهل . إن تعليم الرجال واعطائهم الحرية ، وتجريد النساء من حقوقهن وتجهيلهن ، لا يمكن أن يؤدي إلى بناء مجتمع حديث ، لأنه يتجاهل ويلغي دور وجهود نصف أعضائه من النساء في بنائه .

* المراة المثقفة تستطيع أن تشارك الرجل وتعمل معه جنبا إلى جنب ، وتساهم معه مساهمة أساسية في بناء المجتمع الحديت الحر . المجتمعات التي أعطت المرأة حقوقها ، وعلمتها ، وثقفتها ، وفتحت لها المجال للمشاركة في بنائها ، حققت مكاسب كبيرة وتقدمت في جميع نواحي حياتها . المرأة في أوروبا ، وأمريكا ، واليابان ، وآسيا وغيرها من دول العالم أثبتت هذه الحقيقة التي لا يمكن إنكارها .

* قد يقول قائل إن المراة الحديثة التي حصلت على حقوق مساواتها السياسية والاجتماعية بالرجل ساهمت في زيادة الانحطاط والانحلال الأخلاقي في المجتمع . هذه الفرضية ليست صحيحة . إن كل مجتمعات العالم قديمها وحديثها ، كان فيها شريحة صغيرة من النساء المنحطات اللواتي مارسن نمط عيش غير سوي تنافى مع أخلاق وعادات الأمة . ولهذا فإن هذا التعميم يظلم المراة الحديثة ، ويتجاهل دورها الرائد كأم ، وربة بيت ، وزوجة ، وسياسية ، وعالمة ، ومديرة ، وطبيبة ، ومهندسة ، واستاذة جامعية ، وتاجرة ، وعاملة إلخ .

  * لا أبالغ إذا قلت إن الانحطاط الأخلاقي ، والانحلال موجود في بيئات إجتماعية مازالت فيها المرأة متخلفة وبلا حقوق ، أكثر مما هو موجود في الدول الصناعية التي أعطت المراة كامل حقوقها . هناك أمثلة على هذا في مناطق متخلفة من أسيا ، وإفريقيا ، وأمريكا اللاتينية ، والعالم العربي . الدراسات أثبتت أن المراة الجاهلة أكثر تعرضا للأنحراف والاستغلال من المراة المتعلمة العاملة . المراة المتعلمة تعرف كيف تدافع عن حقوقها وتحمي نفسها ، بينما المراة الجاهلة تعجز عن ذلك .

* المجتمع السعودي على سبيل المثال هو أكثر مجمعات العالم محافظة ، وانغلاقا ، وتقييدا للمرأة وحقوقها . إ نه يقول بأنه يطبق الشريعة الاسلامية ، ويقطع الرؤوس ، ويرجم ويجلد الزانيات ، ويلبس عباءة التدين في كل شيء وفي كل مكان . ورغم ذلك فإن الدعارة موجودة في كل المدن السعودية ، وإن الطلاق ، والتفكك الاجتماعي ، والتحرش الجنسي ، وملاحقة النساء للشباب ، وملاحقة الشباب للنساء والاعتداء على خصوصيتهن ومضايقتهن في الأماكن العامة معروفة وفي إزدياد مستمر.

  * أفقر الدول وأكثرها تخلفا هي الدول التي لم تتعلم فيها المراة ، وبقيت أمية ، وجاهلة ، ومعزولة إجتماعيا . الاحصائيات العالمية والدراسات التي بحثت في وضع المراة ، تثبت أن هناك علاقة وثيقة بين وضع المراة العلمي والثقافي ودرجة تقدم مجتمعها ونجاحه ومكانته بين الأمم . الدول التي يوجد فيها أعلى نسبة من النساء الأميات وفي مقدمتها بوركينو فاسو، وافغانستان ، ومالي ، والنيجر ، وتشاد ، والصومال ، وموريتانيا ، واليمن هي من أكثر دول العالم تخلفا وان نسبة أمية النساء فيها ما زالت عالية جدا وتصل إلى أكثر من 70% . وما زالت النسبة عالية وتتجاوز 30 % في مصر والمغرب والعراق ، و 60% في موريتاني ، 45% في اليمن والسودان . ولهذا فإن نسبة مشاركة المرأة في القوة العاملة في هذه الدول بما فيها العالم العربي محدودة جدا ، ومركزة في الزراعة والخدمات ، وإن مشاركتها في السياسة والعلوم والثقافة والصناعة والتجارة ما تزال هامشية .

* المرأة هي الأم والاخت والابنة ونصف المجتمع ويجب أن تكون شريكة الرجل في بناء الأسرة الناجحة والمجتمع الحديث . الأم هي الأم بعظمتها ، وحبها لأسرتها ، وتضحياتها ، وإيثارها ، وعواطفها النبيلة سواء كانت تعيش في برن بسويسرا ، وتحمل شهادة جامعية وتشغل مركزا مرموقا في الدولة ، أو أمية تعيش حياة بدائية في خيمة في غابة إفريقية ، أو في الصحراء العربية ، ولاتعرف شيئا عن غابتها أو صحرائها ، أو حتى قبيلتها ، ولا علاقة لها بالعالم الحديث .

* الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي إن الأم الأميه الجاهلة المحدودة التفكير ، لا يمكنها أن تساهم في تعليم وتثقيف أبنائها وبناتها بطريقة تتلائم مع متطلبات هذا العصر . ونتيجة لذلك فإنها تساهم مساهمة كبيرة في تزويد المجتمع بجيل متخلف لا يستطيع فهم تعقيدات الحياة الاجتماعية الحديثة ، ولا يتمكن من منافسة أقرانه الذين تمتعوا برعاية أم متعلمة مثقفة حرصت على تعليمهم كل ما ينفعهم ، واعطتهم الفرصة لتطوبر قدراتهم العقلية ، وفهم ذاتهم ، والقيام بواجبهم كمواطنين يعيشون في مجتمع حديث .

* المراة الجاهلة لا تستطيع أن تشارك في السياسة ، ولا تستطيع أن تلعب دورا في التغيير الاجتماعي ، أو في الحياة الاقتصادية ، أو التربوية والثقافية ، أو ان تشارك مشاركة واعية بناءة في الحياة الدينية . ولهذا فإن المجتمع الذي لا يعلم المرأة ، ولا يعطيها حقوقها ، ولا يعزز دورها كمواطنة ، ولايسمح لها بالمشاركة في جميع قضاياه الهامة ، لا يمكن أن يتطور ، وسيظل يعاني من الجهل والتخلف ، وسيفشل في الارتقاء إلى مستوى الدول الحديثة الناجحة .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز