عبد الحميد فجر سلوم
666
Blog Contributor since:
04 November 2011


 More articles 


Arab Times Blogs
متى سنرى حاكما عربيا واحدا يقول كما كاميرون أنني لستُ مناسبا لقيادة المرحلة

** لن أخوض في مسألة بقاء بريطانيا أو انسحابها من الإتحاد الأوروبي ، وما لفتَ انتباهي في خِضمِّ هذه المعمعة هو أنهُ ما إنْ تمَّ الإعلان عن نتائج استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي صبيحة 24 حزيران 2016 وجاءت النتيجة بعكس ما كان يطمحُ لهُ رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون ، حتى وقف أمام مبنى 10 داوننغ ستريت ، ليُدلي ببيانٍ أمام الصحفيين ويعلن به استقالته من مناصبه بحلول تشرين الأول ، موعد مؤتمر حزب المحافظين البريطاني ، مؤكِّدا أنه ليس الشخص المناسب لقيادة المرحلة القادمة !!.

  **لا يمكنك النظر إلا بكل التقدير والاحترام لهكذا مسئولين ، مهما كان موقفك الشخصي منهم ومن سياساتهم الخارجية ،، بل أنك تحترم حتى عدوّك الذي تكرههُ جدا حينما ترى هذا العدو يحترم إرادة شعبهِ ويرضخُ لها ، ويحترم حتى جُثَثَ جنودهِ ويبادل عليهم بمئات الأحياء ، ولا يترك تلك الجُثثْ في كنفِ أعدائه !!. بل وصلَ الأمرُ بالإسرائيلي إلى أنه لم ينسى دبابة إسرائيلية غنمها الجيش السوري منذُ عام 1982 أيام الغزو الإسرائيلي لـ لُبنان ، ثم أهدتها القيادة السورية للقيادة السوفييتية حينها كعربون صداقة ووفاء ،، ولكن الجانب الإسرائيلي لم يتوقف عن التفكير بكيفية استعادة تلك الدبّابة كنوعٍ من الوفاء لأهالي الجنود الذين قُتِلوا حين الاستيلاء على الدبّابة ، ولم يبقى لدى أهاليهم من ذكرى عنهم سوى تلك الدبّابة ، فكان هدفا سعى الإسرائيلي لأجله بكل السُبُل ، وتمكّنَ أخيرا نتنياهو من تحقيقه خلال زيارتهِ الأخيرة لموسكو في 7 حزيران الجاري وإقناع الرئيس بوتين (صديق إسرائيل ب�a}?D8�بِ تصريحات المسئولين الإسرائيليين ، وبحسبِ اعترافات بوتين ذاتهُ ) ، واستعادَ تلك الدبّابة !!.

  ** حينما أدركَ دافيد كاميرون أن مزاج الشعب البريطاني يتّجهُ نحو منحى آخرا ، لم يُعاندهُ ولم يُماطلهُ ولم يسعى لأساليب الالتواء والتحايل والوعود والوعيد ، واضعا نُصبَ عينيه أنه لن يغادر مكتبه في 10 داوننغ ستريت ، مهما حصلَ ، حتى لو فاضت الدماء أعلى من نهر التايمز ، وسالتْ به الدماء بدلَ المياه ،، فخرجَ بهدوءٍ إلى جانبِ زوجتهِ خارج المكتب وأعلنَ أمام الصحفيين احترامهُ لِخيار الشعب البريطاني ، مع أن ذاك الخيار كان صفعةً كبيرةً لهُ ، ولكن خيارَ الشعب يتقدّمُ على مصالح كل السياسيين ، وكان عليهِ أن يخرجَ من المشهد ويقول جملتهِ الشهيرة : ( لستُ الشخص المناسب لقيادة المرحلة القادمة ) !!. لم يتّهم خصومه بالخيانة ولا بالعمالة ، ولم يأمر باعتقالهم ، واحتكمَ هو وإياهُم للشعب ، وحينما قالَ الشعبُ كلمتهُ لصالحِ خصومه انسحبَ من المشهد بكل هدوء احتراما لإرادة الشعب !!.

  **لماذا لم يفعلها صدام حسين، ومعمر القذافي ، وحسني مبارك ، وبن علي في تونس ، وعبد الله صالح في اليمن ووو منذ اللحظة الأولى حينما رأوا أن مزاج شعوبهم لم يعُد يقبلُ بهم وبطريقة حكمهم ، ويريد الانتقال إلى نهجِ سياسيٍ آخرٍ يقوم على الديمقراطية والتعددية والتداول على السُلطة !!. هل لو فعلوها منذ اللحظة الأولى كانت بلدانهم وصلتْ إلى هذه الحالة المأساوية التي وصلتْ لها ؟؟ بمعنى آخرا ، أليسوا هم المسؤولون بالدرجة الأولى عن كل ما ألمَّ في أوطانهم ؟؟. نعم هم المسؤولون بالدرجة الأولى !!.

**لِنقارن بين موقف دافيد كاميرون الذي أعربَ عنهُ بكل هدوءٍ وروحٍ وطنية مسؤولة في ترك المناصب ، وبين معمر القذافي الذي وقفَ كما المجنون في قصر العزيزية وهو يزبدُ ويرغدُ والرذاذ يتطاير مترا من فمهِ لشدّة الهيجان والغضب ، ويتوعّدُ الشعب بالقتل لأنه تجرّأَ ورفع صوته ضد حُكمهِ !!. هل هذا إنسان ، وهل ذاك إنسان ؟؟. هل هذا حاكم مسئول ، وهل ذاك حاكم مسئول ؟؟. هل هذا وطني وهل ذاك وطني ؟؟. هل هذا من فصيلة بني البشر ، كما ذاك ؟؟ هل عقلُ هذا لديه ذات الخلايا الدماغية التي يملكها العقل الآخر ؟؟.

  **نعم ، إن التجارب مع الحُكام العرب تدفعنا كل يوم للسؤال : هل تركيبة العقل العربي الفيزيولوجية التشريحية هي ذات تركيبة العقل الغربي ؟؟. أشكُّ في ذلك ، مع أن هذا الشك يخالفُ حقيقة العلوم الطبية التشريحية التي أثبتتْ أن المواصفات التشريحية للعقل البشري هي واحدة ، كما أن أجساد كل البشر لها نفس الأعضاء ، وإن اختلفت الأحجام والألوان !!. وأن المشكلة هي في البُنى االتربوية والفكرية والثقافية والعقائدية والدينية والعصبيات الأنانية والاستبدادية والعدوانية والإلغائية وووو لهذا العقل !..

  **الحاكم العربي ، إنطلاقا من عقلهِ ذاك ، الجاهل المتخلف الذي يتمركزُ حول "الأنا" ، لا يعنيه كل من حولهُ من شعبهِ ، وعلى استعداد أن يبيد الجميع ، إن تمكّنَ من ذلك ، حينما ينتفضُ الشعب في وجهه !!. وعلى استعداد أن يحرق البشر والشجر والحجر ، ولا يتنازل أمام إرادة الشعب ،، لأن عقلهُ المُغلق المتحجّر المُستبد ، يقولُ لهُ أن التراجُع أمام الشعب والنزول عند رغباته، هو جُبنٌ وانعدام رجولة ، وفحولة ، وانهزام ، والحاكم العربي المتعوّد على المهانة والمذلّة والانبطاح والانهزام أمام قيادات ومسئولي الغرب ،، وحتى أمام قيادات إسرائيل ،، لا يهونُ عليه أن يتنازلَ عن شيء أمام شعبهِ ،، فهنا يصبح بطلا ، ويتخذ قرار المواجهة حتى النهاية ، بينما يسعى بكل السبُل للوصول إلى الحلول السلمية مع القوى الخارجية التي تهددهُ ، ويستجيب لكل مطالبها ، في سبيل أن ترضى عنه !!.

  **لقد تقدمّتْ أوروبا ، والغربُ عموما ، من خلال الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان والتداول على السلطة، وحرية التعبير ، وامتلاك الشعوب لقرارها وإرادتها ، والاحتكام لصوت الشعب في أي مأزقٍ ،، وتخلّفَ العرب وانهزموا ، لأنهم نجحوا أولا في هزيمة شعوبهم وقهر هذه الشعوب وإذلالها وتجريدها من كل حقوقها الإنسانية ، وقهر إرادتها وتحويلها إلى قطعانٍ من المواشي ،، ممنوعٌ عليها أن تُفكّر بأمرٍ ، إلا بما ينطبق مع توجيهات الحاكم المُطلق !!. ومن يهزمُ شعبهُ ويقهر شعبهُ فلا يمكن أن يكون الانتصار من نصيبهِ في أي يومٍ ، ولهذا رأينا كيف انهزم الحكام العرب أمام إسرائيل ،، وباتوا يتطلعون إلى أن تقبل إسرائيل بهم وتتفاوض معهم ، بعد أن كانوا يريدون إلقاء إسرائيل بالبحر ، وكانوا يعتبرون أن كُلّ من يصغي لإذاعة إسرائيل فهو عميل وخائن !!.

  **كانوا يسألون أتباع موسوليني ، كيف تفهمون الحقيقة ؟؟. فيجيبون : الحقيقة هي ما يُفكّرُ به موسوليني بهذه اللحظة !!.. و "الحقيقة " لدى الحكام العرب هي ما يفكرُّ كلٍّ منهم بهذه اللحظة ، وليس بما تفكر به شعوبهم ، ولذلك كانت بلدانهم من هزيمة إلى هزيمة ، ومن تخلّف ، إلى تخلّف ، ومن فشل في التنمية والتطوير ، إلى فشلٍ ،، ومن فقرٍ إلى فقرٍ ، ومن فسادٍ إلى فسادٍ (إذا ما استثنينا القليل جدا) ..... الخ !!..

  **إن نظرة سريعة على الخط البياني للصراع مع إسرائيل يوضّحُ بصورة مخيفة كيف انحدر هذا الخط بشكلٍ خطيرٍ على مدى ستة عقود ، حتى أصبحت إسرائيل حليفة لغالبية الحكام العرب !!. وكل ذلك لأن إسرائيل انتهجت بداخلها وبين أبناء شعبها (المُزيّفين المُهجّنين) النهج الديمقراطي والتعددي والتداول على السلطة ، وحُكم القانون ، وكل هذا محظور لدى الحكام العرب ، لأنهُ لا يبقيهم في السلطة من القصر إلى القبر !!..

  *الحاكم في الغرب ، يقف بكل شجاعة ورجولة ومسئولية ، في أي مفترقٍ واستحقاقٍ وطني ، ويقولُ : لستُ المناسب لهذه المرحلة !!. بينما الحاكم العربي مناسب لكل المراحل !!.. فهو إنسان خارقٌ يصلحُ للهزائم ، ويحولها إلى انتصارات طالما لم تقصيهِ من السُلطة ، ويصلحُ للخطابات الطنانة الرنانة والأقوال وليس الأفعال ، والحروب الالكترونية ،، والجواري ، والقصور ، والشعارات الوهمية الفارغة ، وحياة الترف والأبّهة ، وجمع الثروات ، وإفقار الشعب ،،ونوادي القمار في لوس أنجلوس وأتلانتيك سيتي ،، ويصلحُ للإشتراكية وللرأسمالية ، وللأيديولوجيا العلمانية والدينية ، واليسارية واليمينية ، والاستبداد والديمقراطية ، والوحدة والانفصال ،، وووووو لكل شيء !!.

 الحاكم العربي شخص خارق لا يشبهُ بني البشر ، وقادر أن يجمع في شخصهِ كل تناقضات الكون !!. لماذا ؟ لأنه لا يشبه البشر ، وهو أساسا ليس من بني البشر !!. فأمرٌ طبيعي أن تعيش شعوب العرب كل أشكال الجهل والتخلف والبؤس واليأس والفقر والجوع والبطالة ،، لأن الله بلاها بِحكامٍ يتصرفون مع شعوبهم ، تماما كما كان يتصرّف الغُزاة المحتلون عبر التاريخ !!. فكيفَ لهذه الشعوب أن تتقدّم خطوة للأمام ما لم تُزيلُ من أمامها أولا هذه الأسوار الشاهقة الأعلى من الجبال ،الجاثمة على صدورها ، التي تمنعها من الحركة ومن امتلاك قرارها وإرادتها ، والتقدُّم خطوة للأمام !!.

  **حُكامٌ لا ينظرون إلى أنفسهم إلا من خلال شعوبهم ، وحُكامٌ لا ينظرون إلى شعوبهم إلا من خلال أنفسهم .. حُكامٌ كل همّهم رضاء شعوبهم عنهم والاستجابة لإرادة شعوبهم ، وحكام كل همهم تدجين شعوبهم وإخضاعهم لإرادتهم .. أليسَ الفرقُ كما هو بين الجنة والنارِ !!.

  **ومما يزيدُ الطيب بلّة ، تلك الطبقة ممن يُسمون أنفسهم مشايخ ورجال دين ،، الذين يقتلون لدى هذا الشعوب ما يتبقى عن الحكام ،، فيحبسون هذه الشعوب ضمن دائرة عقولهم المنغلقة الضيقة الجاهلة المتخلفة ، فهذا يفتي بأن كل شيء في المرأة عورة ، وذاك يفتي بأن البكيني أفضل من النقاب (الشيخ ميزو) ،، وذاك يفتي بإرضاع المرأة لزميلها بالعمل حتى تصبح الخلوة شرعية ، (وهذه الفتوى يؤيدها كل الرجال ولكن هل تقبل بها النساء ؟) ،وذاك يفتي بجواز مضاجعة الزوج لزوجته وهي متوفاة حديثا ، يعني تازا ، وآخرا يفتي بجواز أكل الرجل لعضو من زوجته حينما يجوع وهذا دليل على وفائها وولائها وطاعتها لزوجها !!. ويخرج الشيخ أردوغان ليقول : أن استخدام العائلات المسلمة وسائلَ ــ منع الحمل ــ هو تدخُّلٌ بعمل الله ، ويشدد على إنجاب المزيد من الأطفال ( وكأنّ هذه الأمة ينقصها المزيد من الفقر والجوع والأمية والتخلف والبطالة) ... وذاك يديرُ حوارا تحت عنوان : هل يجوز إقامة الحجّة على كُفّار اليوم ؟؟. وذاك يفتي بأن الكفار والمشركين لا تؤكلُ ذبائحهم ولا تُنكحُ نسائهم (مع أن الشباب المسلم لا يتوانى عن ممارسة الزنى والدعارة مع الكافرة والمشرِكة ويدفع لها المال) ... وذاك يقرأ : لقد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ...... وإن الدين عند الله الإسلام .... ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه ...... وذاك يسجنك ضمن زمنٍ يعودُ لـ 1400 سنة ويقول لك لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلُحَ به أولها !!. وكأنها صلُحتْ بأولها !!. ومجتمعٌ بالكامل يحصرهُ رجال الدين ضمن مفاهيم عفى عليها الزمن وتجاوزها العِلم والتقدم ،، وعقول مهووسة بالحديث فقط عن ماضٍ مضى منذ 1400 سنة ، وكأن الحياة تراوح مكانها ولم تتقدم ولم تتطور ولم يتغير بها شيئا !!. بينما في الغرب " الكافر والمشرك" حوّلوا قصص الخيال العلمي إلى انجازات وحقائق ، ولا يعيشون أسرى ورهينة لِحقبةٍ زمنية مضتْ من ألفي سنة ولا ألف سنة ، ولا مائة سنة !!.. فمن أين لنا أن لا نكون في ذيل أمم الأرض وأكثرها توحشا وتخلفا ، وكيف لن تكون عندنا الدواعش والنصرة والتكفيريين والإرهابيين والقتلة باسم الدين ،، وهؤلاء يجدون في التراث الديني ، وفي فتاوى التاريخ كُلْ ما يدعم وجهة نظرهم بالقتل وقطع الرؤؤوس والأيدي ، والرّجم ، والسبي والخطف والاغتصاب ووو وكل ذلك !!.عودوا لتاريخ وتراث وثقافة الإسلام .. أليسَ كل ما يفعلهُ الإرهاب اليوم مغروس في تلك الثقافة والتراث؟.

  **أوروبا كانت متخلفة ومرّت بعصور ظلام وعصور وُسطى سادها التخلّف ، ولكنها نهضتْ بفعلِ عوامل عديدة أهمُّها أمرين : الأول فصل الدين عن الدولة (وهذا يعني تحييد العقل الديني الاستعماري الاستعبادي ) ، وثانيا بفضلِ قيادات وطنية آمنتْ بشعوبها واحترمتْ إرادتها وعرفت كيف تقودها فمنحتها الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ، والتداوُل على السلطة !!. وإنّ كلّ أمة تستند لهذين العاملين فإنها سوف تتقدم وتزدهر ، وإلا فإنها ستغرق في الصراعات الداخلية والجهل والتخلّف والاستبداد والطغيان ومصادرة العقل البشري ، وحريته ، ومصادرة إرادة الشعب وشلِّ قدراتهِ ، وتصبحُ أضحوكة حتى يُقالُ فيها ما قالهُ المتنبي منذ أكثر من ألف عام :

  هل غاية الدين أن تحفُّوا شواربكـم ++ يا أمة ضحكت من جهلها الأمـم !.

وهل غاية الحُكمِ أن تحكموا للأبد ،، يا حُكاما ضاقتْ من جهلهم واستبدادهم وقهرهم وتخلفهم وفسادهم الأمم !!.. **ولكن بالمقابل هل هناك من حاكم عربي خسِرَ في الانتخابات ( الديمقراطية التنافسية التعددية الحرة النزيهة والشفافة ) واستمرّ في السُلطة ؟؟. لا يوجد !! وإلا كان فعلَ كما كاميرون لدى خسارته الاستفتاء !!..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز