د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
كلما ازدادت معرفة المثقف العربي إزداد بؤسه وتعاسته

* تعتز دول العالم بعلمائها ومثقفيها الذين يساهمون في بنائها العلمي والحضاري ، فتكرمهم وتجلهم وتوفر لهم عيشا كريما وهم في هذا العالم ، وتخلدهم بعد رحيلهم النهائي عنه ، وتحفر أسمائهم في كتبها وفي ذاكرتها . إنهم يستحقون هذا التكريم ، لأنهم مصدرالضوء الذي ينير فضاء مجتمعاتهم لتتحسس طريقها في الظلام الدامس ، ولأنهم يرفعون شأن أوطانهم بين الأمم ، ويساهمون في صقل عقل الانسان وتهذيبه ، فينتج فكرا ، وعلما ، وفنا يخدم الحقيقة ، ويعمم بهاء الجمال ، ويغني العقل ويعتقه ليسبح في كون لا متناهي ، ويعزز لغة المنطق ويساهم في دحر الجهل وهزيمته ، ويشجع التمرد على الثوابت التي لا تخدم التقدم الانساني وتقف عائقا في طريقه . إبن فلسطين البارالراحل د. إدوارد سعيد يعرف المثقف في كتابه ( المثقف والسلطة ) فيقول عنه إنه هو " ذلك الشخص الذي يمثل صوت من لا صوت لهم ، ويجسد قيمهم ويستمسك بها من دون مساومة أو تفريط ."

* المثقف لا يستطيع الابداع إلا في ظل الحرية ، ولا يكون صادقا إلا في ظل الحرية ، ولا يشعر أنه يستحق الحياة إلا في ظل الحرية ، ولا يعرف طعم الحب إلا في ظل الحرية . الحرية عنده هي أم المقدسات ، لأنها القداسة التي منحها الله له ، ليختارها ويصلي في معبدها دون إكراه : يقبلها بأمر إلهي ، ويرفضها إذا أعطيت له كمنة من أي كان ، ويدوس عليها إذا قدمت له كأمر ملكي ، أو سلطاني ، أو أميري من حاكم متجبر لا يعرف معناها ، ويبيعها لشعبه كصكوك غفران في القرن الحادي والعشرين ، مقلدا بذلك ما كانت تفعله الكنيسة قبل أكثر من الف عام .

* عظماء العلماء ، والشعراء ، والأدباء أعطوا أفضل ما جادت به عقولهم ، وخدموا أوطانهم والانسانية جمعاء ، عندما كانوا أحرارا في أوطانهم ، وعندما كانوا يقاتلون من أجل الحرية ، ومن أجل الكرامة الانسانية ، ومن أجل الحق والعدل ، ولم ينتجوا شيئا مهما يستحق الذكرعندما رفضت دولهم الظلامية الحرية الفكرية ، وأقفلت أبواب العلم والثقافة والتغيير ، وتحكمت في البلاد وأذلت العباد ، وعندما باع الثقفون ضمائرهم ، واستسلموا للاسبداد والظغيان والظلم ، .... كما هو الحال في العالم العربي ..... ! تاريخ العالم القديم والحديث شاهد على ذلك ، إنه يقول عندما يكون الناس أحرارا يرتفع شأن الأمة ....العصر العباسي الذي مثل عصر الاسلام الذهبي والدول المتقدمة الآن دليل واضح على ذلك .... وعندما تحرم الأمة من الحرية تنحدر إلى الحضيض ، ويسود فيها الجهل والجهلة والفساد ، وتتحول إلى لقمة صائغة لكل طامع ومعتدي .

* المثقف العربي الحقيقي المستنيرألذي يعارض الظلم السياسي والاستبداد ، ويدافع عن الحق والحقيقة مغيب ، ودوره في المجتمع العربي هامشي لاتأثير له . لقد كتمت أنفاسه الرسمية العربية بدعم من المنتفعين الانتهازيين المتعاونين معها . إنه في الغالب لا يملك إلا خيارين : إما سجون الحاكم العربي ، أو سجون المجتمع العربي . سجون الحاكم معروفة بتعذيبها وظلمها للسجناء السياسيين والمعارضين له ولدولتة ، أو المنتقدين لسياساتها . يسجن المثقف العربي ويتعرض لأقسى أنواع التعذيب ، والاهانة ، والظلم دفاعا عن الشعب وحقوقه ... ولا يجد من يدافع عنه ...! ، ويتخلى عنه الذين سجن من أجلهم ، وأعز أصدقائه خوفا من النظام ، وتجوع أسرته ، وتعاني من المقاطعة الاجتماعية ويتخلى عنها الجميع . هل سمعتم بمظاهرة جماهيرية في مدينة عربية خرجت لتطالب بإطلاق سراح السجناء السياسيين ؟ هل سمعتم بتشكيل لجنة أو لجان مجتمع مدني لدعم ومساعدة عوائل السجناء السياسيين والمعارضة ؟

  * أما سجون المجتمع فإنها للأسف متعددة ومثبطة لعزيمة الخيرين من مثقفيها . يتميز المثقف بشيئين أساسيين ..أولهما هو إيمانه برسالة فكرية واضحة ومعينة ، يعتقد أنها جوهرية لتقدم المجتمع ، وينطق بها ، ويدافع عنها ، .. وثانيهما هو عمله من أجل الخير العام . المجتمع العربي ما زال مجتمعا متخلفا ، ومتقوقعا على نفسه ، وتتحكم في نظامه السياسي ، وبنيته الاجتماعية ، وقيمه الدينية مجموعات تسلطية ، وظلامية ، وإنتهازية متحالفة مع الحاكم من أجل مصالحها ولا علاقة لها لا بالشعب ومصالحه ، ولا بالعالم وحداثته ، ولا بالدين وقدسيته .

 أما الشعب الطيب فإنه يحكم بالحديد والنار في كل دولنا العربية ، وما زال يعاني من ثقافة متدنية ، ونقص في المعلومات الصادقة والمثبتة ، وغير منظم ، ومستسلم لارادة الطغيان . لهذا فإن المثقف الملتزم بمبادئه يجد نفسه في مواجهة مباشرة ليس مع السلطة وأتباعها فقط ، وإنما في مواجهة الناس الذين يريد مساعدتهم ويعمل من أجل مستقبلهم ومستقبل أبنائهم . أنه في الحقيقة يواجه حربا من عدوين لدودين : الحاكم وأتباعه ، والجهل والتخلف المهيمن على المجتمع الذي لا يمكنه من إيصال رسالته للناس .

* المثقف العربي في وضع لا يحسد عليه . إنه كائن تعيس ، وممزق ، وحائر لأنه يفهم وضع الأمة المأساوي ، ولديه النية الصادقة للعمل من أجل الناس ... لكنه كمن يصرخ في واد عميق ولا يسمع إلا الصدى ... كلما زادت معرفته وقدرته على تبين مآسي الناس وآلامهم ، وعلى فهم أسباب تخلفهم ومعاناتهم ، وعلى فهم وتحليل تراثهم وعاداتهم وتقاليدهم ، وعلى إفراز أفكار تساعدهم في الخلاص من محنهم ، كلما زادت تعاسته والمه وشعوره بالاحباط والفشل . إنه يشعر بالغربة في وطنه وبين أهله ، وتعذبه الوحدة ، ويعاني من التهميش لأنه يرفض أن يعيش بلا مبدأ ، ويشعر بالاضطهاد لعدم قدرته على ممارسة النفاق السياسي والاجتماعي والفكري .

 ولهذا فإنه يحارب من الجميع ، ويتهم من الجميع ، ويظلم من الجميع ، ويجد نفسه وحيدا في معركته وبلا معين . ورغم كل هذا يظل إنسانا أبيا ، شامخا ، حليما ، وفيا لوطنه واهله ، يعيش ويكافح ويموت وهو يحلم بخلق وطن أبي له مكانته بين الأمم ، وسوف يتحققه حلمه في المستقبل بسواعد الأجيال القادمة ....ومن الممكن أنه يضحك من أعماق قلبه ويقول بصمت وهو ينازع على فراش الموت ، وقبل أن يغادر الوجود بثوان ، ... وهو يستمتع ببداية شعوره بحياة الموت...التياسه نعمه... !! وأنا ظلمت نفسي وحرمتها منها .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز