د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا لا نهتم بتطوير آداب السلوك في مجتمعنا العربي ؟

تشكل أنماط آداب السلوك العامة في المجتمعات المختلفة ركيزة أساسية من ركائز الحياة العامة المجتمعية اليومية التي يمارسها الأفراد في تعاملهم ، وتعاونهم ، وتفاهمهم ، وتقاربهم ، ومشاركتهم في الرأي والتصرف . بصورة عامة يمكن القول ، أن الآداب الاجتماعية هي التصرفات الأخلاقية والمهذبة التي تم التعارف عليها من خلال ممارسات الناس وتجاربهم ، وأجمعوا على ملائمتها لهم ، وعلى تبنيها وممارستها ، واعتبارها جزءا هاما من سلوكهم التعاملي اليومي ، حتى أصبحت أحد روافد ثقافتهم العامة وتراثهم المجتمعي الذي تتناقله الأجيال التلاحقة .

آداب السلوك المهذب تقوم على إحترام الناس وتقديرهم ، والاعتراف بتصرفاتهم الحميدة وشكرهم عليها ، وعلى الصدق ، والأمانة ، وإحترام الكبير، والعطف على الضعيف والصغير ، والتمسك بالنظام والقانون ، وإحترام الاختلاف في الرأي ، والوقوف إلى جانب الحق ، وإحترام النظام وحقوق الناس في كل مكان في المجتمع ألخ . ولهذا فإن السلوك الحضاري الحميد يريح الناس جميعا ، ويوحدهم في العمل الجماعي المفيد للجميع ، وفي التعاون لبناء أوطان مزدهرة وحديثة ، ويسهل حياتهم ، ويقوي أواصر الثقة والصداقة والتعاون والمودة بينهم ، ويعتبر الدلالة على مدى تقدم المجتمع أو تخلفه ، والمقياس الحقيقي لدرجة تقدم وتحضر أفراده . الفرد في أي مجتمع إنساني يتصرف طبقا لما إكتسبة من قيم وممارسات مهذبة واخلاقية ، أو فجة ووقحة من بيته ، وبيئته الاجتماعية ، ومدرسته ، ومكان عبادته ، ومن عادات وتقاليد المجتمع الذي تربى وترعرع فيه ، ومن الأفراد الذين يتعامل معهم على أساس يومي في بيئته الاجتماعية . ألسلوك الانساني عامة يتطور من خلال عملية تراكمية ، و يستغرق وقتا طويلا حتى يتبلور ويصبح جزءا هاما من الثقافة العامة للمجتمع . وبما أن تغييرالسلوك عملية مرتبطة بالعقل وإلادراك وثقافة وقيم الأمة ، فإن تغييره معقد ويحتاج إلى تعليم ملائم ، وبيئة ثقافية وبيتية ومدرسية ودينية واجتماعية ملائمة وداعمة للمعرفة ، وإلى جاهزية الفرد وإستعداده لقبول التجديد الفكري والتغيير السلوكي والمجتمعي .

للأسف الشديد لا بد من القول بأن مجتمعاتنا العربية تعاني من مشكلة كبرى وهي غياب الكثير من مظاهر الأدب التعاملي بين الناس . هذه الظاهرة يمكن ملاحظتها في كل زاوية من زوايا بلادنا بما في ذلك بيوتنا ، ومدارسنا ، وجامعاتنا ، ومساجدنا الخ . عدم التزامنا بقيم أخلاقية تعاملية تحترم وتريح الكل ولها مصداقيتها ، أوجد مجتمعا تسود ه وتتحكم فيه ضبابية أخلاقية خلطت الأوراق : فساد بين الناس سوء الفهم ، وسوء التصرف ، والاستغابة ، والفظاظة ، والنفاق ، والتدين المظهري المصلحي ، واضطهاد المرأة ، والتصلب في الرأي الذي لا علاقة له بالتفكير السوي والمنطق ، وأدى هذا إلى وجود إختلافات وخلافات ملاحظة ، وعدم ثقة ، وسبب متاعب ومشاكل للناس جميعا .

  هذا التخلف التعاملي التسلطي الغير سوي ، له وجوده في ثقافتنا التي تعرضت للاهمال والتجهيل لفترة طويلة . ولهذا يمكن القول أن الرجل العربي يكتسب نزعة التسلط وحب التحكم بالوراثة البدوية عن أسلافه ، أي إنها تولد معه وتسري في عروقه وتصبح جزءا مهما من تركيبه النفسي والعقلي ، ويمارسها على زوجته وأبنائه ، ويستفرد بالرأي وبالقرارات الأسرية الهامة ، ويضع قوانينا لفرض أنواع التصرف الذي يريدها ويفرضها على أهل بيته ، ويحاول فرضها على الآخرين . تصرفات الآباء الغير سوية هذه ، تضر ضررا بالغا في تركيب الأطفال النفسي ، وتحرمهم من تعلم القيم الجميلة البناءة ، وتخلق أجيالا متخلفة تمارس نفس القيم الفظة الأنانية والغير منصفة التي ورثتها عن الأجيال السابقة .

 يقول ابن خلدون " إن القسوة في معاملة الأطفال تدعوهم إلى المكر والخبث والخديعة والكذب ." المدهش أن الكثير من المتعلمين وخريجي الجامعات العرب لا يختلفون في ممارسة الديكتاتورية والسلوك الفظ الوقح المهين ، وتجاهل النظام عن الغير متعلمين .

 ألسبب في ذلك هو أننا مجتمعات ما زالت متخلفة ثقافيا إلى حد بعيد ، وإن الكثيرين من خريجي جامعاتنا يفتقرون إلى الثقافة العامة التي تمكنهم من فهم أنفسهم ومجتمعاتهم بعمق ووضوح . وبسبب هذه الأمية الثقافية المتفشية بين الجميع ... المتعلم وغير المتعلم ... فاننا لا ندرك أهمية السلوك الحضاري لنا ولمجتمعنا ، ونفتقر إلى الثقة بأنفسنا ، ويهمنا جدا ما يقوله الآخرون عنا ، فنستسلم لانماطهم السلوكية والثقافية خوفا منهم ، ومن غضبهم ، ومغيبتهم ، وقدرتهم على إلحاق الضرر بنا . الأغلبية الساحقة منا تعتقد أننا أفضل من شعوب العالم الأخرى أخلاقيا وثقافيا ، وإن عاداتنا وتقاليدنا هي الأصح والأسمى ، وإن علاقاتنا الاجتماعية مثالية في ملائمتها للجميع ، وتستحق أن يحتذى بها في المجتمعات الأخرى .

 هذه فرضيات خاطئة . الحقيقة هي أنه لا يوجد مجتمع " كامل الأوصاف " وبلا نواقص ومشاكل . كل مجتمعات العالم فيها ما يكفيها من المنغصات ونقاط الضعف والقوة . صحيح أن الله جل وعلى قال في كتابه الكريم " كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" لكنه ربط هذا التفضيل بالتصرف ألأخلاقي المهذب ، وبالتصدي للظلم والظالمين ، وبالعمل الخير من أجل الاسلام والمسلمين ، وبخدمة الناس جميعا . أي إن الله سبحانه وتعالى يقول كونوا أناس طيبون ، منتجون ، وأخلاقيون ، وحافظوا على أوطانكم ، ودينكم ، وكرامتكم ، ومكانتكم بين الأمم ، وقدموا خدمات علمية وأدبية إبداعية لشعوبكم وللعالم لتكونوا خير أمة يقتدي بها الآخرون .

 إن الله لا يقول استسلموا للذل ، وللنفاق ، والكذب ، ولحكام طغاة يتآمرون عليكم وعلى أوطانكم مع أعدائكم ، وينهبون ثرواتكم ، ويقتلون أبنائكم وبناتكم ، ويحرموكم من المعرفة ، وقولوا كذبا وبهتانا إنكم خير أمة ! نحن الآن كعرب نعيش في أسوأ الظروف التي مررنا بها في تاريخنا ، ويجب علينا أن ننهض من سباتنا ، ونتبين أننا أصبحنا أضحوكة العالم ، ونحاول الخروج من هذا النفق المظلم . حضارات العالم كلها إستفادت من بعضها بعضا . نحن استفدنا كثيرا من الحضارات الاغريقية والرومانية والفارسية . لقد ترجمنا علومها وطورناها ، واستفدنا منها في بناء حضارتنا ، وقدمناها للعالم .

 وعندما تقدمنا نحن المسلمين وكنا صناع حضارة ، وأغنينا العالم وغيرناه بعلومنا وثقافتنا وفلسفتنا وشعرنا ومكتباتنا في العصر العباسي ، إستفاد العالم كله من إنجازاتنا العلمية وقلد عاداتنا وتقاليدنا ، واحترم سلوكنا ، ونظر إلينا كمجددين للحضارة الانسانية . أنا لا أقول هنا قلدوا الغرب تقليدا أعمى . إنني أؤمن أنه من واجبنا الحفاظ على هويتنا الثقافية ، وفي نفس الوقت علينا أن نستفيد من إنجازات العالم الحديث المتطور . وللدلالة على تردي القيم وانتشار الأمراض السلوكية في مجتمعنا ، يمكننا أن نأخذ أحد مشاكلنا التعاملية وهي مشكلة المراة العربية كمثال حي . الرجل العربي متعلما كان أو جاهلا ، ما زال ينظر نظرة دونية للمرأة ويعتبرها أقل عقلا منه ، ويعتقد أنها لا تستطيع الاعتماد على نفسها ، وإنها بحاجة لحمايته ، وإن مكانها البيت ، وعملها الأساسي هو الطبخ والتنظيف وإنجاب الأطفال .

وبسبب هذا الفهم الخاطىء للمراة العربية وحقوقها وقدراتها ، فانها تعاني من التهميش الاجتماعي ، ومن المعاملة التي تفتقر إلى الأدب والاحترام ، ومن التحرش الجنسي المهين الذي يمارس ضدها في كل مدننا العربية . الكل يعلم أن التحرش الجنسي يمارس ضدها علنا في الشارع والمتجر وفي كل مكان ، وإن القانون لايحميها ، وإن المجتمع يلومها إذا تصدت للمتحرشين بها " ..قليلة حيا .." ...هكذا يقولون عنها عندما تدافع عن نفسها... ، وإنها تسكت على إهانتها " خوفا من الفضيحة " . إنه لأمر معيب حقا أن تتعرض بناتنا وأخواتنا ونساءنا لكل هذا الظلم ولا يستطعن الدفاع عن أنفسهن ، بينما الرجل قليل الأدب المتحرش بهن ، والمعتدي عليهن ، والمهين لكرامتهن ، يعتز بما يفعل ، ويتباهى به أمام زملائه ، ولا يتعرض للوم أو العقاب ، لا من القانون ، ولا من الناس . أحد العوامل الأخرى التي أدت الى هذا التخلف التعاملي هي إننا لا نحترم النظام وحقوق الناس ، ونحاول دائما تجاوز القانون والنظام بالمحسوبية ، وبعلاقاتنا العشائرية ، وبمكانتنا العائلية ، والمعرفة الشخصية ، والواسطة ، والرشوة ، وشراء الذمم ، وشهادات الزور، والكذب ، والنفاق .

ولهذا تضيع حقوق معظم الناس ، وتعم الفوضى ، ويفقد القانون إحترامه واهتمام الناس به ، ويصبح لا قيمة له ، ولا خوف منه ، ولا يحسب حسابه إلا من لا يستطيع تجاوزه من الفقراء والمساكين الذين يشكلون الأغلبية الساحقة في عالمنا العربي . ما نشاهده يوميا في كل مكان شاهد على ما أقول . في العالم الديموقراطي يحترمون النظام ، ويقولون " لا أحد فوق القانون " Nobody is above the law وهم صادقون في ذلك ، لأن القانون والنظام يطبق على الجميع بالتساوي ولا يفرق بين غني وفقير ، أو كناس ووزير ، وكل إنسان مظلوم له الحق أن يلجأ إلى القانون للحصول على حقه ، وأنه ينصفه بمجازات المعتدي عليه ، ولهذا فان الناس يهابونه ، ويحترمونه ، ويطبقونه ، ويحرصون على عدم تجاوزه . لقد ورثنا هذه الاشكالية في العبث بالنظام ، والقانون الأخلاقي من الدولة . الدول في عالمنا العربي فاسدة أخلاقيا وأدبيا ، وممارساتها تشجع على تجاوز القانون وعلى عدم تطبيقه ، وعلى المحسوبية والرشوة . لقد أفسدت العقل بحشوه بأكاذيب سياسية واجتماعية وعقائدية . عندما يكون الحاكم هكذا بلا أخلاق ، فإن العدوى تنتقل إلى الوزراء وكبار الموظفين ، وتمتد لتشمل كل العاملين حتى تصل إلى الجيش والشرطة ، وكل عامل في القطاع العام أو الخاص .

الناس تحترم القيم الأخلاقية والنظام في المجتمعات الغربية عموما وتكبر التصرف المهذب ، والخلق الحميد ، ولا تقبل أو تتسامح مع التصرفات الوقحة الفظة والمهينة التي تقلل من شأن الآخرين وتحتقرهم . قيم التقدير والاحترام التعاملي هذه ، والتي تمارس على نطاق واسع ، تجبر من يعيش في هذه الدول على اتباع قواعدها والالتزام بها . الغربيون يتعلمون ثقافة الأدب والاحترام والنظام منذ الصغر ، وتكتسبها وتتناقلها الأجيال المتتابعة . ولهذا فإن الأطفال ومنذ البداية ، يلزمون على ممارستها مع آبائهم ، وأمهاتهم ، ومدرسيهم ، ويتعاملون مع الناس عامة بأدب واحترام في كل مكان . أنا لا أقول أن هناك مجتمعات ملائكية تكتشف وتعالج كل التجاوزات الأخلاقية والقانونية التي تحدث فيها .

 في الغرب يوجد لصوص ، ومجرمون ، ونصابون ، وأشرار ، وحمقى لا علاقة لهم بالأخلاق والتهذيب والأدب ، لكنهم قلة منبوذة لا تمثل الأغلبية ، وإذا ألقي القبض عليهم وثبتت إدانتهم فإنهم ينالون جزائهم . إن طبيعة التصرف البشري الراقي في هذه الدول ، تلزم الفرد على الالتزام بما تطبقه الاغلبية الساحقة من الناس ، وبالقوانين التي تحكم الجميع ، ولهذا فان قيم التعامل الطيبة ، أصبحت جزءا من التصرف المجتمعي العام الذي يريح الناس ، ويوطن الثقة والتعاون بينهم ، ويسهل حياتهم ، ويشعرهم بأهمية التصرف الانساني الاعتباري الجيد أينما وجدوا .

نحن بحاجة إلى غرس قيم التعامل المهذب في أطفالنا وخاصة خلال السنوات التكوينية الخمسة الأولى من حياتهم ، وإلى العودة إلى قيم التعلم ، والتجديد البناء ، والتسامح التي سادت في مجتمعنا عندما كنا المهيمنين على ثقافة العالم والموجهين له . إننا بحاجة أيضا إلى التعلم من المجتمعات المعروفة برقيها وتهذيبها السلوكي . هكذا فعل العالم الذي أراد أن يتقدم ويتغير ، وسيظل يفعل ذلك ما دامت هناك دول وشعوب متطورة ، ودول وشعوب متخلفة . ألانتفاع من القيم العالمية الجميلة وتقليدها ليس جريمة كما يدعي الظلاميون ، الجريمة هي أن نستكين في جهلنا وتخلفنا ، ونستمر في تبرير أوضاعنا المستمرة في التردي . العالم العربي غني بالمال ومصادر الثروة ولكنه فقير في كل شيء آخر ... وسيظل فقيرا ما دام لا يملك أشياء لا تشتريها الفلوس ... وهي كثيرة ! وكما قال الامام الشافعي رحمه الله : قد مات قوم وعاشت فضائلهم .... وعاش قوم وهم في الناس أموات .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز