أحمد ماهر
ahmedmaher@yahoo.com
Blog Contributor since:
04 June 2013

 More articles 


Arab Times Blogs
الوهم الجميل .. فوقوا بقى!

الفرحة الغامرة التى بذلت وسائل الإعلام جهدًا كبيرًا فى إظهارها وإبرازها استقبالاً لشراء مصر حاملة طائرات هليكوبتر، ألا تدعو غمرة الفرحة نفس هذه الوسائل ومَن وراءها وأمامها أن يراجعوا أنفسهم عن نظرية المؤامرة التى تعشعش فى أذهانهم وألسنتهم؟ عندما نفهم من الرئيس السيسى أن نظريته للأمن القومى تعتمد على امتلاك القدرة، فإننا نتأكَّد من تعاون العالم الغربى الآن ومساعدته لمصر على امتلاك القدرة، فالقدرة ليست صناعة مصرية اللهم إلا فى إرادتها فقط، بينما عناصر القدرة كلها صناعة غربية، وهاهو السلاح يتدفَّق من فرنسا وروسيا وأمريكا، وهاهى الكهرباء من شركة ألمانية، والغاز من شركة إيطالية، والنووى من روسيا.

ألا يدعنا هذا كله أمام حقيقة كبرى وهى أن الغرب يريد للسيسى امتلاك القدرة وإلا كان منعها عنه أو عطَّلها عليه أو عَوَّقَه فيها؟ صحيح أن الموضوع بيع وشراء وأن كل هذا بفلوسنا إلا أنه حتى البيع والشراء يمكن إفشاله لو توفَّرت نية التآمر. نعم الأمر الأكثر جدارة بالنظر فى أجواء الولع بامتلاك حاملة طائرات هليكوبتر تضع مصر ضمن دول قليلة تمتلك هذا النوع من ناقلات السلاح الكبرى هو أن نتأمَّل السؤال الكبير إذا كان العالم يتآمر علينا كما يذيع المسؤولون والسياسيون الموالون كل يوم، وكما يلح رئيس البرلمان، ومع كل تصريح مسؤول أو خطب أو برامج تليفزيونية محتدمة تتحدَّث فى حماس وصراخ بالغ عن هؤلاء الذين يريدون تركيع مصر.

مرة أخرى، السؤال: هل مَن يريد تركيع مصر يبيع لها حاملة طائرات مثلاً أم يحرمها مما تطلب أو يمنع عنها ما تحتاج؟ إنه الغرب المتهم دومًا بالتآمر على مصر، وهو الغرب نفسه الذى يمد مصر وقواتها المسلحة بعشرات المدرعات المصفحة المجهزة ضد الألغام والعبوات الناسفة كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية الشهر الماضى، فقد أرسلت دفعة من هذه المدرعات وتسلمتها مصر فعلاً لاستخدامها فى حربها ضد الإرهاب فى سيناء (أو حيث تريد استخدامها طبعًا). نفس الغرب هو الذى باع لمصر أربعًا وعشرين طائرة رافال، حيث فعلت فرنسا فى صفقة مدوية للقاهرة أعقبها تفضيل بيع حاملة الطائرات لمصر بديلاً عن روسيا بعد خلاف روسى- فرنسى، وبصرف النظر عن مدى احتياج مصر إلى هذا النوع من الناقلات، خصوصًا وهو سلاح تحتاج إليه الدول التى تخرج فى حروبها خارج حدودها وخارج جغرافيتها المحيطة، إلا أن وجود هذا السلاح بمثابة رصيد نفوذ وقوة (امتلاك القدرة) أيًّا كان مناط ومحيط استخدامها، ومن ثَمَّ فالذى يريد لمصر ضعفًا لا يمكن أن يتحمَّس لقبول طلباتها بالتسليح المختلف والمتميز والذى ينقلها إلى ترتيب آخر فى قائمة حيازات الأسلحة ونوع التسليح.

  إن الركون المهووس لنظرية المؤامرة يبدو تصميمًا على تغييب الوعى عن مشكلاتنا الحقيقية ورمى كل المسؤولية عن أى تدهور أو تراجع لأوضاع مصر الاقتصادية والسياسية على أكتاف نظرية الوهم الجميل، نظرية المؤامرة، التى توفِّر للدولة فرصة ممتازة للهروب من مسؤوليتها بل وللقيام بأعمال وقرارات وتصرفات استبدادية قمعية تبررها بضرورة التصدِّى للمؤامرة، بينما الدولة هى نفسها وأبواقها يطربون أنفسهم طول الوقت بالكلام عن نجاح السيسى فى إقناع زعامات العالم وكسب عقولهم، وهو ما يكشف هذا التناقض الساذج الذى يحكم تفكير وسلوك أجهزة الدولة التى تريد أن تقنع شعبها أن الرئيس هو محبوب رؤساء العالم بينما العالم ذات نفسه يتآمر على مصر التى هى للمفارقة دولة نفس الرئيس!!

إن استثمار خوف المصريين هو منهج يومى للحكم فى مصر الآن، حيث يروجون مقولة إن العالم كله يتآمر علينا ويريد لمصر الفوضى والانقسام ونبقى زى ليبيا وسوريا، ومن ثَمَّ اصمتوا اسكتوا اقبلوا بأى استبداد بل اطلبوه بل هللوا له، لأنه هو الذى سينقذنا من الخونة والمتآمرين وأهل الشر المنتشرين فى كل مكان.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز