د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
لا ولاء لوطن يظلم ويهان فيه المواطن

الوطن هو المكان الذي يولد الانسان فيه ، وغالبا ما يقضي طفولته ويحلم بمستقبله فيه ، و يذهب إلى المدرسة والجامعة فيه ، ويتزوج منه ، ويعمل ويكون أسرته ويبني بيته فيه ، ويفشل وينجح فيه ، ويكون صداقاته وذكرياته وأهدافه فيه ، ويحب أن يحيا ويموت ويدفن فيه ، ويشعر بالأمن والأمان والحماية فيه ، وهو المكان الذي يحمل جنسيته ليتمكن من التعريف على نفسه ، وليكون قادرا على السفر والتجوال في أماكن مختلفة من العالم .

 إنه يحدد لنا رقعة الأرض التي نملكها ، وهي حدوده المعترف بها دوليا ، ونقول هذه الأرض هي أرضنا جميعا ، وهي ملكنا الجماعي ، وهو المكان الذي يجب أن نتساوى فيه في حقوقنا وواجباتنا ، وتحترم فيه اختلافاتنا ، ونكون فيه جميعا شركاء في البناء ونتائج أعمالنا .

المواطن هو الذي يبني الوطن لبنة لبنة ، ويزوده بالأبناء والبنات لبقاءه واستمرار وجوده ، وينضم إلى جيشه لضمان أمنه واستقراره وحمايته من الأعداء ، ويدعم إقتصاده من خلال إنتاجه واستهلاكه وتجارته الداخلية والخارجية ، وهو الذي يعلمه ، ويصنعه ، ويزرعه ، ويعالج أبنائه جميعا ، ويعمل من أجل تقدمه وازدهاره ، وهو الذي يفرح بأفراحه ويحزن بأحزانه .

 هذا ببساطة يعني أنه لولا المواطن لما كان هناك وطن ، وأن المواطن هو الرافعة الحقيقية التي يبنى عليها الوطن .

إذا كان هذا هو واجب المواطن فما هو واجب الوطن ؟ في الدول الحديثة المزدهرة الديموقراطية ، المواطن هو سيد نفسه وسيد الوطن . الوطن في هذه الدول يساوي بين جميع مواطنيه ، ويوفر لهم الأمن الداخلي والحماية من العالم الخارجي ومن الأعداء ، ويضمن لهم الاستقرار السياسي ، والسلم الآجتماعي ، ويعمل على توفير فرص العمل للجميع بدون محسوبيات وواسطات ورشاوي ، ويضمن الحرية والعدالة ويحميها بالقانون الذي يطبق على الجميع ولا يفرق بين رئيس الدولة وكناس مكتبه ، ويحمي الديمقراطية والتبادل السلمي للحكم الذي تقرره صناديق الاقتراع ، ويحمي الحريات والتنوع الديني والعرقي ، ويلغي القبلية إن وجدت ، ويساعد فقرائه من خلال نظام الضمان الاجتماعي ، ويحمي كبار السن بنظام تقاعد مريح يضمن كرامتهم ، ويوفرالتعليم المجاني ، والعلاج الصحي للمواطنين في مستشفيات وعيادات حديثة مجهزة تليق بالانسان ، ويقدم للناس بنية تحتية حديثة ، وخدمات عامة مثل الماء والكهرباء لا تتعطل إلا نادرا .

في هذه الاوطان التي تجل الانسان وتعطيه حقوقه ، يشعر المواطن بقيمتة وقيمة وطنه الذي وفر له كل ما يريد ليعيش آمنا وسعيدا ، ولهذا فانه شديد الولاء والوفاء له ، ويعتز بالانتماء اليه ، ومستعد للدفاع عنه والموت من أجل بقاءه واستمراره ، لان العلاقة بين الوطن والمواطن في هذه الحالة علاقة وجود لا تنفصل ولا يمكن لأحدهما الاستمرار دون الاخر .

  أما في دول التسلط والظلم التي ما زالت موجودة في مناطق مختلفة من العالم ومن ضمنها دولنا العربية ، فإن الوضع مختلف تماما . وبما إنه يوجد هناك حالات كثير حول العالم ينطبق عليها ما ذكرت ولا يمكن تغطيتها في مقال قصير كهذا ، فإنني سوف أركز على الدول العربية . لا توجد في الوطن العربي دولة قانون واحدة ، ولا دولة ديموقراطية حقيقية فاعلة واحدة ... هناك أمل في تونس وقد تصبح نموذجا يحتذى به إذا نجحت تجربتها ولم تتمكن فلوس مشيخات النفط المعادية لكل ما هو عربي وديموقراطي من إفشالها ... .

ولا توجد دولة تضمن الحرية السياسية والدينية وحرية التعبير لكل فئات الشعب ، ولا دولة وصلت الى الحكم عن طريق الانتخابات الحرة النزيهة التي يجمع الشعب على مصداقيتها ، ولا دولة قادرة على حماية شعبها وضمان أمنه الداخلي وحماية نفسها من الأعداء والطامعين الخارجيين ، عربا كانوا ، أو إسرائيليين ، أو إيرانيين ، أو أمريكيين ، أو غربيين ، أو حتى من جنوب السودان .الوطن العربي مفتوح الحدود لكل من له أطماع ويريد قتلنا واحتلال أرضنا .أي أنه بفضل تآمر وخيانة الحكام العرب أصبح بالفلسطيني ( أرض مشاع يعني أرض مالهاش صاحب وأي واحد ممكن إسيطرعليها .

) المواطن العربي لم يجرب الحرية طيلة حياته ، ويعيش في رعب دائم من الدولة . إنه عبد لا حول له ولا قوة ، وإن باستطاعة أي شرطي أن يعتدي عليه ويهينه ولا يجد من يشتكي له لانصافه من ظالميه سوى الله .

 هذا المواطن محروم من العيش الكريم الذي يليق به وبإنسانيته . إنه محروم من الخدمات الاساسية ، ومن أي نظام ضمان يساعده في ظروفه الصعبة . وإنه يقتل عشوائيا ، ويدمر بيته ، ويطرد من حيه ، ويهجر من وطنه ، ويفقد الأمل وهو يرى أوطانه تتهاوى أمام عينيه . ورغم ذلك أنا لا أشك بحب العربي لوطنه وأهله ووفائه وولائه لهم ، ولكنني لا أنكر حاله اليأس والاحباط التي يعاني منها في وطنه ، وأنه يشعر بحالة من الضياع ، ولا يعرف ما تخبئه له الأيام من مآسي وكوارث .

 ولهذا فإنه قد لا يتردد في ترك الوطن الذي أحبه إذا أعطيت له الفرصة ليهاجر إلى دولة ديموقراطية تحترم إنسانيته ، وقد لا يعود إلي وطنه أبدا إذا استقر في هكذا دولة تضمن مستقبله ومستقبل أسرته . وأتساءل كم ستكون نسبة العرب الذين سيهاجرون من أوطانهم إذا فتحت دول كأمريكا وأوروبا وغيرها أبوابها لهجرتهم ؟ وفكروا معي كم نسبة العرب اللذين عندهم الاستعداد أن يدفعوا الآف الدولارات للحصول على هجرة دائمة لهذه الدول ؟

  فكروا في الذي حدث في لبنان والعراق وسورية وغيرها من دولنا وستجدون الجواب ! وأسال سوآلا آخر هو كم سويدي ونرويجي وسويسري وهولندي الخ .

 سيهاجرون إلى دول وممالك ومشيخات " الانسانية " العربية ، حتى إذا أعطوا كل مهاجر مليون دولار شريطة أن يعيش في دولته الجديدة طيلة حياته ويتخلى عن جنسيته الأوروبية ؟ إنني لا أتصور أن سويديا ، أو سويسريا ، أو آيسلنديا سيقبل الهجرة الى " مملكة الانسانية " حتى لو ملكوه العالم ، لأنه يرفض العبودية ولا يستطيع أن يتخلى عن حريته وكرامته ، وأن ولاءه لوطنه الذي وفر له هذا النوع من الحياة الحرة الآمنة الراقية الكريمة المرفهة لا يهتز أبدا ، وانه مستعد للدفاع عنه والموت من أجله .

  الحاكم العربي هو الذي حطم فكرة المواطنة ودفع المواطن الى اليأس والهجرة . لقد أبدع في ظلمه للشعب ، وفي فساده ، وطغيانه ، وخيانته للوطن والمواطن ، وسرقاته التي يعرفها كل الناس ، وحروبه الأهلية الداخلية ، والعربية العربية ، التي اشعلها بغباء منقطع النظير لتحرق كل شيء . والمضحك أنك تسمع وترى في مناسبات كثيرة ، أن الحاكم العربي الفلاني تبرع بكذا مليون دولار لفقراء الشعب ،أو تبرع لجمعية خيرية ، أو أرسل أغذية للناس في منطقة ما " كمكرمة ملكية أو أميرية إلخ . " ودفع ثمنها من جيبه ومن عرق جبينه ، حفظه الله ورعاه وثبت على الخير خطاه كما تقول وسائل إعلامه .

 لكن الحقيقة التي يجب أن تقال هي أن الحاكم هذا قد سرق في الشهور القليلة الماضية ومنذ بداية هذا العام ، 200 مليون دولار فقط من أموال الشعب ، وتبرع بعشرة ملايين دولار لفقراء الشعب ، من أموال الشعب التي سرقها من الشعب ، ليضحك على الشعب .

الوطن الذي لا يكرم مواطنيه ، ويعجز عن حمايتهم وعن حماية نفسه ، ولا يعطيهم حقوقهم الأساسية كبشر، ويفرق بينهم دينيا وقبليا ، ويضطهدهم ويذلهم ، وييدد ثرواتهم بغباء لا يمكن تسميته بوطن الشعب ، وقد يتردد المواطن في ولائه له والذود عنه .

 في هذه الحالة والوطن العربي دليل حي على ذلك ، يتحول الوطن من قوة جاذبة إلى قوة طاردة للمواطنة والمواطن ، وتصبح الهجرة الدائمة حلا مقبولا يسعى إلى تحقيقه الكثير من المواطنين .

 وفي هذه الحالة تكون الخسارة فادحة للطرفين : للوطن وللمواطن .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز