د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
جوهر الديانات واحد ، والله لا يفرق بين مخلوقاته ويريد لهم الخير

خلق الله هذا الكون الهائل وما فيه من بلايين المجرات والكواكب التي لم يتمكن الانسان بعلومه ومعارفه من حصر عددها حتى الآن ، ومن ضمن هذا الخلق الكوني المعقد كوكبنا وما عليه ، والمتناهي في صغره إذا ما قارناه بتريليونات الكواكب والنجوم التي تسبح في هذا الكون البديع . المسافات التي تفصل بين المجرات والكواكب تقدر ببلايين السنين الضوئية .

 إن سرعة الضوء هي 300000 كم في الثانية ، و18000000 كم في الدقيقة ( ثمانية عشر مليون كيلو متر في الدقيقة ) ولهذا فإن العلم الحديث لم يتمكن من تحديد أبعاد إلا قلة من هذه النجوم والكواكب والمجرات حتى الآن ، ولا يستطيع العقل البشري بمحدوديته أن يستوعب أعدادها ككل ، وأبعادها ، وأحجامها ، وتفاصيل مكوناتها . نحن جميعا ، حوالي سبعة بلايين ونصف من البشر( 7500000000 مليون ) نعيش على أرض واحدة تتشابه تضاريسها ، ويتشابه سكانها ، وتختلف وتتلاقى مواردها ، وتتكامل وتتنوع منافعها لخدمة الانسان .

 وعلى الرغم من اختلافاتنا وخلافاتنا الدينية ، فإن الديانات تقول أن الله خلق الجميع ، ويرزق الجميع ، ويحب الجميع ، ويرحم الجميع ، ويريد السعادة للجميع ، ويحاسب ويعاقب الجميع ، ويميت الجميع وسوف يحييهم بعد موتهم . هذا يعني أن الله رحيم بمخلوقاته من الناس جميعا ، ويريد لهم الخير جميعا مها اختلفت دياناتهم وطرقهم في طاعته عبادته والتقرب منه .

كذلك لا يستطيع أحد أن يجزم بأننا الجنس البشري أو نوع الحياة الوحيد في هذا الكون ...وقد يكون لنا شركاء...، لكن العلم لم يكتشف ما يثبت ذلك حتى الآن ، ومن الممكن أن ينجح في الاجابة على هذا السوال في المستقبل . العلماء يقدرون عمر الكون باربعة عشر بليون سنة ، لكن الحقيقة هي أنه لا يعرف تاريخ هذا الكون إلا من أوجده .

 علماء الفيزياء وفي مقدمتهم ستيفن هاوكنج..عالم الفيزياء البريطاني الشهير..يقولون ..." إنه لا يوجد تاريخ واحد للكون ، بل إن له تواريخ متعددة .

 وإن لكل مجرة وما فيها من نجوم وكواكب تاريخها أو تواريخها ، وأن النجوم والكواكب المكونة لكل مجرة تولد وتموت ، وإن عملية موتها وولادتها دائمة الحدوث ولن تنتهي ما دام الكون موجودا ." الله سبحانه وتعالى خلق الناس جميعا وساوى بينهم في التكوين ، وخلق النبات والحيوان لاعمار الأرض ، وفضل الانسان على باقي مخلوقاته باعطائه مزايا العقل والتفكير والتدبير، وحرية الارادة ، وحرية الاختيار ليكون مسؤولا عن أعماله أمام الله وأمام الآخرين . يقول تعالى " وكرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا .

 " ... إن وحدانية الوجود والبشر واضحة في قول الله ..." ولقد كرمنا بني آدم" أي أن الله كرم جميع مخلوقاته وبدون استثناء . ويقول الانجيل إن الحب والتآلف والعيش المشترك بين الناس وليس البغضاء والاقتتال هو ما يريده الله لنا جميعا " الله محبة ، ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه . " الديانات كلها لها جوهر ديني واحد تلتقي حوله ولا تختلف عليه : هذا الجوهر الجامع للديانات يتكون من حقيقتين :

 الحقيقة الأولى هي أن الديانات السماوية ، ومعظم الديانات الغير سماوية تؤمن بوجود الله الذي خلق هذا الكون وما فيه ، وتؤمن بوجود حياة بعد الموت ، وتؤمن بالحساب وبوجود الجنة للطيبين ، وجهنم للأشرار العاصين الذين لم يلتزموا بما قال الله .

 أما الحقيقة الثانية فهي : أن كل الديانات السماوية وغير السماوية الموحدة ، والديانات التي تؤمن بالتعددية الالهية ، أو حتى التي لا تؤمن بوجود إله ، تقول إن هدفها ألأساسي هوخدمة الانسان وإسعادة ومساعدته في حياته . هذا الثنائي ... " الله والانسان ...أي معرفة الله وطاعته وخدمة الانسان " ...هو القاعدة التي تتفق عليها كل الديانات وتقول إنها جاءت من أجل تحقيقها . بدون شك إنه يوجد إختلافات وخلافات عقائدية جوهرية بين الديانات لا يمكن حلها ، أو تغيير مفهوم الناس لها ، ومن أهمها فهمنا للوجود الالهي ، والرسل ، والكتب السماوية . وهناك أيضا خلافات جوهرية في العبادات ، وفي التحليل والتحريم ، وفي الثواب والغفران والعقاب ، وفي تفسير القيامة والجنة والنار .

هذه الخلافات الأساسية ستظل مفرقة للديانات إلى أمد لا يعلمه إنسان ولن تنتهي إلا في ثلاث حالات .

 الحالة الأولى : هي إنتهاء الايمان من الكرة الأرضية حيث يكفر العالم بأسره في الدين وهذا غير ممكن الحدوث .

 والحالة الثانية : هي إنتصار دين واحد على كل الديانات الأخرى والغائها ، أو إجبار أتباعها على الدخول في الدين المنتصر ، وهذا أيضا شبه مستحيل في هذا العالم الحديث بعلومه وأسلحته ، وتضارب مصالحه ، وفلسفاته المتعددة والمتناقضة ، ورغبته في البحث والشك والتساؤل .

 والحالة الثالثة : هي قيام الساعة حسب ما تقول الديانات وينتهي أمر الوجود كما نعرفه الآن . إذا ابتعد أتباع الديانات كلها عن التركيز على هذه الاختلافات والخلافات العقائدية التي قادت العالم إلى حروب دينية طاحنة ، وتسببت في حدوث حمامات من الدماء في الماضي ، وقد تقود إلى الاحتراب والدمار في المستقبل ، واستبدلوا الشك العقائدي والتكفيري بالثقة والتعاون والعمل من أجل السلام ، وحولوا فلسفة التزمت الديني وإقصاء الآخر إلى فلسفة فهم واحترام الآخر ، فإنهم قد يخلقون عالما إنسانيا مسالما قائما على الوئام والحب والتسامح .

 الله يريد لنا جميعا الخير ، ويريد لنا السعادة والسلام لانه هو خالقنا جميعا وهو الرحيم بمخلوقاته .

 يقول الانجيل " سالموا جميع الناس . لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء بل إعطوا مكانا للغضب لأنه مكتوب : لي النقمة أنا أجازي يقول الرب " ...نعم الله هو الخالق الذي يجازي وليس المخلوق . وشاهد آخر على مساواة الله بين مخلوقاته ، هو أن الله أعطى الانسان حرية الاختيار إكراما له ، وإجلالا لقدراته العقلية ، وليكون مسؤولا عن تصرفاته أمام الله وليس أمام أحد غيره .

 وقد أوضح القرآن الكريم هذا بقوله تعالى " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " ويقول المسيح عليه السلام في الانجيل وفي نفس السياق " لقد سمعتم ما قد قيل لكم : إن العين بالعين والسن بالسن ، ولكني أقول لكم : أحبوا أعداءكم ، واستغفروا لمن يسبكم ، وافعلوا الخير لمن يكرهكم ، وادعوا لأولئك الذين يسيئون لكم ويضطهدونكم ." ...المسيح هنا يدعو الناس وبصراحة لا لبس في مضمونها إلى التفكير ، وإعمال العقل الانساني في التعامل على أساس أخوي تسامحي بعيد عن الغلو والتعصب الديني . الديانات أيضا تدعوا إلى التعايش المشترك وتعترف بحقوق الناس وتحرم إنتهاكها . يقول الله تعالى .. " انا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ." هذه دعوة واضحة إلى احترام الآخر المختلف وترك أمره لله .

 مما لاشك فيه أن التعايش بين الناس لا يقوم إلا على الفهم المشترك لجوهر هذه الأديان التي أثرت تاريخ البشرية ، وأثرت عليه بشكل مباشر من بدايتها وحتى يومنا هذا . ولهذا فإن ثقافة الاحتراب الديني يجب أن تستبدل بثقافة الاحترام الديني والسلام .

 فلسفة التعايش المشترك هذه أيضا مهمة جدا في الثقافات الدينية في آسيا . الفلسفة الطاوية التي أسسها لاو تسو تعارض الحروب واستخدام العنف بشدة ، وتهدف أساسا إلى إبراز فطرة البشر البريئة السلمية التعايشية حيث يقول تسو .." الحكمة هي معرفة الآخر ، والتنوير هو معرفة النفس ، والتحكم بالآخرين يتطلب القوة ، والتحكم بالنفس يحتاج إلى عزيمة ." التعصب والمغالاة في الدين والتدين ، والتفسير الخاطىء للدين أوجد أعدادا من المتعصبين من كل الديانات . إنني أعتقد أن الانسان ألمثقف ، الذي يرفض تسييس وإستخدام الدين أو التدين من أجل أهداف سياسية أو منافع شخصية ، لا يستطيع أن يكون متعصبا دينيا ومنغلقا ، لأنه يؤمن بحق كل الديانات في الاحترام والتقدير ، ويؤمن أن الله هو الوحيد صاحب الحق في إصدار الأحكام على الناس جميعا ، لأنه هو ربهم جميعا ، وهو الذي أنزل ديانات مختلفة في رسلها ، ورسالاتها ، وكتبها ، وعقائدها وأن له حكمة من هذا الاختلاف والتنوع .

إنه يعلم ما في الصدور ، ويعلم ما هو الأفضل لمخلوقاته ، وخلق هذه الاختلافات بيننا لنتنافس على التقرب منه ، ونتبارى في إعمار الأرض وخدمة الانسان . يقول تعالى " ولوشاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين " .. ويقول الانجيل " دعيتم للحرية أيها الأخوة .غير إنه لا تصيروا الحرية فرصة للجسد ، بل بالمحبة إخدموا بعضكم بعضا ." ونحن كبشر يجب علينا أن نحترم الاختلاف الديني ونقبله ونتعايش معه كما احترمه وقبله الله ورسله ، وفلاسفة وحكماء ومصلحي العالم لنا .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز