نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا: ماذا عن دواعش الداخل

يذهب كثير من محللي الأزمة وفلاسفة التنظير السياسي والإعلامي الذين أفرزتهم الحرب السورية إلى اعتماد مصطلح المؤامرة الكونية لتفسير ما جرى وما يجري في سوريا للعام السادس على التوالي. وفي الحقيقة فإن مآلات وتطورات هذه الحرب تصب في هذا السياق من دون أدنى شك مع انغماس أطراف إقليمية ودولية وتنوع ولاءات ومرجعيات ما يسمونه “حراكاً” ثورياً. وإن استطاع بعض من هؤلاء الفلاسفة والمنظـّرين الاستراتيجيين المفوّهين إلقاء قسط، وجزء كبير من اللوم على “الكون” الخارجي، فإنهم حقيقة لم يقاربوا كل الحقيقة، بل تبدو فلسفتهم التحليلية، وتنظيرهم الإعلام، أحياناً نوعاً من التضليل والخداع غير البريء، حين لا يكشفون عن كامل الحقيقة ولا يروون كامل القصة وتبدو محاولتهم أشبه بمن يحاول تغطية الشمس بغربال. فهذه الحرب، بشقها “الداخلي” كانت، حقيقة، قد اندلعت منذ عقود طويلة، وكلها كانت تهدف، على ما يبدو، للوصول إلى المرحلة أو الحالة والسيناريو الكوني من الصراع ومن دون ترك أي هامش تحليلي للصدف أو الجهل.

فالمعالجات الإدارية القاصرة، والاستئثار المطلق حتى بذرة الأوكسجين التي تمرّر بالكاد للمواطن مع تمنينه وتقريعه، وفرض الضرائب القراقوشية الباهظة المرهقة مع انعدام الخدمات، وإهمال شؤون “الرعية” (لم نصل حقيقة لمرحلة المواطنة وحقوقها القانونية والدستورية بشكلها الغربي الحداثي ولا يمكن إطلاق صفة المواطن على السوري الحالي مع غياب كامل لكافة حقوقه الدستورية والوطنية البسيطة)، وغياب أي برنامج وطني عام للضمان الاجتماعي وتحقيق القدر الأدنى من العدالة الاجتماعية وحماية المستهلك، والفقراء من هزات السوق الاقتصادية، وإطلاق يد الفاسدين واستشراء الفساد وغياب مبدأ المحاسبة، وفساد القضاء وتحييد القانون وسيادة شريعة الغاب، وانعدام مبدأ تكافؤ الفرص (الدولة وثروتها موجهة ومقوننة ومفلترة)، وتغول المافيات وتحكمها بلقمة عيش البشر،

 كلها كانت عوامل مؤججة للهيب السوري المستعر، وتصب، بشكل أو بآخر، في صالح وخدمة “الحرب الكونية” التي كانت امتداداً طبيعياً لتلك الحرب الداخلية التي أطلقت على المجتمع والشعب السوري لسنوات خلت من قبل “دواعش” الداخل كما يتم استخدام المصطلح اليوم على نطاق واسع، ويتم سماعه يتردد على لسان نخب ورموز تحسب على أهل “الدولة والنظام” أكثر مما تحسب على أهل المعارضة و”الثوّار”. ولم يكن رفاه المواطن السوري وتحقيق الأمن الغذائي والمعيشي وتوفير أدنى ظروف معيشية والمتطلبات البسيطة لعيشه الكريم وحفظ كرامته في وارد وتفكير النخب القابضة على قراره ومصيره، أو ضمن دائرة أي مشروع تنموي أو برنامج حكومي، وصارت أرقام البطالة ومعدلات الفقر تقفز كل الحواجز الثابتة وتسجل الأرقام القياسية في راليات الفقر والنكد والجوع السوري، وتضرب بـ”العلالي” وتصيب شرائح كثيرة في المجتمع في ظل معالجة حكومة سطحية أو قاصرة وغير موجودة ولا مبالية في أغلب الأحيان.

أذكر أنني ذات يوم، خرجت في مقابلة على إحدى محطات الإف إم المافيوزية الشهيرة، وقلت لهم في الساحل السوري هناك مناطق بحجم لبنان أو أكثر لا يوجد فيها مصنع، أو معمل، أو منشأة حكومية تذكرنا بوجود دولة وحكومة ، فكانت تلك المقابلة اليتيمة وتعرضت، من يومها، لمقاطعة من تلك المحطة كما من الإعلام الرسمي وتضامن الإعلام المقاوم والإعلام “الخارجي” والكوني “المغرض” و”التضليلي” ؟

والخطوة التي تتردد حيالها، ولا تجرؤ عليها أية سلطة في العالم، وأية نخبة سياسية مهما بلغت من القوة والعنجهية والسلطة والغرور، ومهما كانت درجة تواضع وبؤس مستشاريها الفطاحل و”مستشاراتها” الحصيقات معرفياً واستراتيجياً ووعياً بسايكولوجيا الجماهير، تمثلت في فتح مواجهات عبثية وماراثونية طويلة، ومحاولة إخضاع وتطويع وتهجير وتطفيش واستعداء واستهداف كل تلك النخب الفكرية والإعلامية وتجويعها وإفقارها وقهرها والنيل منها وإقصائها والتنكر لوجودها، وكان التعالي والتعامل الفظ والتجاهل والحط من قدرها والاستخفاف بها وبمصائرها ولقمة خبزها وامتهان كرامتها، هي العناوين والأطر العامة للتعاطي مع أهم شريحة وطنية في أي بلد من العالم، فباتت هذه خارج المعادلة الوطنية، وخارج السيطرة والتحكم، وتبحث عن مرجعيات وملاذات هنا وهناك، وذهبت للخارج تستجدي هذا وذاك من أجل لقمة العيش والغذاء، ووجد كثيرون ضالتهم عند تلك القوى الإقليمية والدولية التي ترعى الأزمة “كونياً” وتديرها حيث باتت تلك النخب المهمـّشة والمهاجرة، في مراحل لاحقة تشكل “لوبي” ضغط إعلامي وسياسي كبير جعل من المؤامرة الكونية المزعومة تحصيل حاصل ونتيجة لكل ما يحصل اليوم، وهذا بالطبع ليس تبريراً لبعض السلوك النافر و”الشاطح” لبعض تلك النخب في الخارج، والداخل على حد سواء، لكن كان “الكيد”، من قبل الطرفين، سياسة طبعت هذا الجانب من الصراع، وبغض النظر عن أحقية هذا أو ذاك في هذه المواقف، والممارسات.

لماذا نتكلم بإسهاب وإطناب عن مؤامرة الخارج، ونغفل وننسى مؤامرة ومتآمري الداخل ورموز الخراب المحلي الذين تجاوزوا كل الخطوط الحمراء في تعاملهم الداخلي والمحلي مع المواطن السوري باسم شعارات وتبريرات واهية جوفاء لم تعد تقنع السذج والرضـّع والخدّج والأطفال، وكانت نمطاً من حرب شرسة أخرى، تشن،ّ وبأدوات محلية، على هذا المواطن (أحد الرعايا)، المسكين المعتر المنتوف الفقير المغلوب على أمره والغلبان؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز