نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
ترميم الردع الناقص .. غضب العناقيد يتحدى عناقيد الغضب

تحتاج هذه الأيام الى قدر كبير من تبلد المشاعر والأحاسيس كي لا تنفعل ولاتضرب الحيطان وتخبط على الطاولات كما لو كانت قبضتاك سنابك حصان بري هائج يحاصره السياج .. وربما تغويك المرايا بتهشيمها الى شظايا بقبضتيك .. وتتشهى أصابعك أعناق الكؤوس لتعصرها حتى تتحطم ..
كم تحتاج هذه الأيام ألا تشبه أعصابك أعصاب ثور اسباني اعتلى ظهره المغامرون لأول مرة .. وكم تحتاج اذا ماالتقيت غبيا يبرر مجازر أردوغان والملك سلمان ويثني على نتنياهو أن لاتكون مسلحا بأي سلاح حاد أو ناري .. بل حتى ألا تكون لك أظافر ولاأصابع ..
تكاد أعصابنا تتركنا وتهاجر من اجسادنا وتقلع جذورها وترحل عن طقسنا البارد لأن أجسادنا تحولت الى زنازين وثلاجات للأعصاب .. نحن نمسك أعصابنا وسلاحنا وعهدنا وميثاقنا ونلتزم بالهدنة ووقف النار حتى من أجل حياة المجرمين والقتلة .. والعدو يضع الجمر على أيدينا القابضة على الزناد ويضع الحديد المحمى على وجوهنا ويحرقنا .. فلاعهد ولاميثاق ولاهدنة ..
تكاد بنادقنا تخاصمنا لأن دمها صار يغلي ونحن لانزال نضع أكفنا على فوهاتها كمن يريد منع فضيحة مجلجلة .. ونمسك أعنتها الجامحة احتراما للعهد والوعد .. وتكاد رصاصاتنا تنتحر وهي التي لم تخلق لتعمر طويلا ولالتشيخ وتمشي على عكازات .. فلاشيء تخشاه الرصاصة الا الصدأ أو أن تنتهي كشرنقة تموت دون أن تمر بتجربة التمزق في الولادة وفتح أجنحتها والطيران الى أقصى مدى .. 

فما الذي تنتظره المطرقة .. ؟؟ وهل الصمت العسكري والتريث أمام هذا الفلتان للكلاب المسعورة يحمل معنى عميقا؟قذائف في حلب وموت في الزارة .. وعربدة في ادلب .. واغتيال في دمشق .. هل تهديد السعودية بسلاح فتاك يخيفنا ونحن لم نكترث بأساطيل سيدها الأسود في البيت الأبيض؟؟ وهل نزق أردوغان الذي يتصرف كأنه لن يترك حلب حتى وان احترقت كل تركيا سيمنعنا من احراق تركيا؟؟ أم أن حليفنا يدرك أن حافة اللعبة هنا؟؟

يلاحظ في هذه الأيام أن العدو السعودي والتركي والاسرائيلي يحاول استفزازنا بأية طريقة ويحاول الحاق الاذى والاهانة بنا عبر استمرار سرقة دمنا وتلويث انتصاراتنا .. فنكاد نعود للسيرة الاولى للحرب حيث تتنقل المجازر والغارات والاغتيالات .. وكأن درس السوخوي لم يتم استيعابه ..

والحقيقة هي أن تفسير مايحدث لايبدو سهلا على الاطلاق ويتسبب في الحيرة الشديدة .. المجموعات المسلحة تتجرأ على كل الاتفاقات وهذا يعني أن الطرف الآخر الذي ضمن الاتفاقات ينسحب من الاتفاقات ويعبر عن ذلك الانسحاب عبر اطلاق يد المجموعات المسلحة في العنف وخاصة ضد المدنيين .. فمدنيو حلب هم الذين دفعوا الثمن وأهل الزارة .. وهذه سياسة تشير الى ان الأطراف الخارجية لاتريد حربا كبيرة ولكنها تريد استمرار الحرب السورية بهذا النموذج من المناوشات والضغط الشديد على اللحم بدل محاولة كسر العظم بالحرب .. ويأتي اغتيال الشهيد مصطفى بدر الدين في هذا التوقيت الذي لاشك بترتيب وجهد استخباري وتوجيه اسرائيلي دقيق لنيران الارهابيين ليعني أن اسرائيل مع حلفائها العرب تتحدى الجميع وتتصرف من منطق أنها صارت اليوم خارج معادلة الردع وخرجت من توازن الرعب الذي أرسته حرب 2006 .. وهي تدرك ضعفا ما في الحلقة المقاومة يمكنها النفاذ من خلالها الى معادلة جديدة تفرضها بالتدريج .. فهي تقول أنها لم تعد مهتمة برد حزب الله ولاتتوقعه .. وهو سقوط لمعادلة الردع .. وتبدو اسرائيل والسعودية وتركيا على يقين من ان ايران لن تفرط باتفاقها النووي من أجل ثأر حزب الله على عملية اغتيال قادته .. وهي لذلك ستطلب منه الانتقال الى قبول المعادلة الاسرائيلية الجديدة التي ستستمر في قضم كوادر حزب الله وكسر المعطف الحديدي له المتمثل في قيادات الصف الأول ..

ويعتقد الاسرائيليون أن "تنظيف الصف الأول للحزب" سيتيح المجال أمام قيادات أقل تجربة وكفاءة ورمزية .. حيث ينتهي جيل الرواد الأوائل .. كما حدث مع حركة حماس التي باتت بعد حملة تصفية لكل قادتها العسكريين بلا رأس وتمت تصفية جيل الرواد الأوائل ليبقى جيل المراهقين الذين أخذوا حماس الى قفص الناتو وأدخلوها بقدميها الى بيت الطاعة ... فماالفرق بين تركيا الناتو واميريكا زعيمة الناتو؟؟ وماالفرق بين القصور السعودية والقطرية وأي سفارة بريطانية في الخليج؟؟ ان نموذج حماس وتغيرها وانقلابها -كما ترى اسرائيل - ربما يكون مصير حزب الله على شاكلتها حيث يغيب جيل الرواد المؤسس عسكريا والذي بنى الاسطورة والذي يقضم بالتدريج .. وبالتالي يحدث خلل في منظومة السيطرة القيادية والمعنوية على المقاتلين التي تشبه ضرب الأعصاب الأساسية .. فيما تتولى السعودية وتركيا والحلفاء العرب قتل جسد الحزب في معركة استنزاف طويلة بعيدا عن حدود اسرائيل التي ستصل الى يوم تجد أمامها حزبا بلا كوادر .. ومقاتلين وكوادر جديدة بتجربة قتال جديدة وبعقيدة جديدة حيث صار عدوهم الأول جبهة النصرة وداعش والاخوان المسلمون والبعد الطائفي وليس اسرائيل .. وهنا تكون اي ضربة اسرائيلية موفقة وقد تتسبب في شق الحزب واثارة تمرد في أوساط حاضنته التي تحاول اسرائيل اختراقها باستماتة ولكن بصمت ودون كلل عبر ربطها بالنراع والخطاب المذهبي القادم من العراق .. ولايحول بينها وبين ذلك سوى شخصية السيد حسن نصرالله وكارزميته الساحرة .. التي ان غابت لأي سبب .. تحول جوهر الحزب كما تحولت حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية عندما أفرغت كلتاهما من كوادرهما الرئيسية التي تم اغتيالها واحدا واحدا وبقيت الهياكل الفارغة الى ان وصلنا الى زمن "أبو مازن" .. وزمن "أبو الوليد" .. واحد يفاوض منذ عشرين سنة على حكم بلدية .. والثاني يبحث عن خليفة وهو لايريد من الدنيا سوى أن يكون "واليا على غزة" لخليفة عثماني يخضع له !!

ان الوضع الميداني السوري ليس سهلا على محور المقاومة خاصة عندما ينتشر الجيش السوري وحلفاؤه على مساحة البلاد لأن غيابهم عن قرية واحدة يعني أن المدنيين سيقتلون وهو المكان المؤلم والضاغط الذي يوجع الدولة والجيش في سورية .. فرسالة قصف حلب ومجزرة الزارة هي أن أي اعادة توزيع وتحشيد للجيش الذي ركز على المنطقة الشرقية ستعني فراغا في المنطقة الرخوة وتراجعا في أمنها وثمنا يدفعه المدنيون .. أي ان المطلوب الآن هو بقاء نقاط التماس دون تغيير حتى تصدأ .. والعدو التركي مع العدو الاسرائيلي يرتديان بزة واقية من الرصاص اسمها القاعدة والنصرة وداعش والاسلاميون والخطاب الطائفي .. وهذان العدوان مستعدان لتلقي كل الرصاص على هذه البزة التي تدفع عنه الثمن الباهظ .. وتمزيق البزة وهزيمتها هو الذي سيجعل صدر اسرائيل عاريا مكشوفا ..ولكن حتى تتم هزيمة التنظيمات الارهابية فان علينا نحن أن نقرر معادلة التهدئة بالردع .. فتهدئة دون تسلحها بالردع هي تهدئة من طرف واحد .. وهذه اسمها الردع الناقص .. سواء كان في حلب أو في جنوب لبنان ..

محور المقاومة يدرك كل هذا ويدرك أيضا أن هذا الحال يجب أن يتغير بتغيير معادلات ضبط النفس .. ومعادلات التهدئة .. وتغيير معادلات الرد المحدود والجراحي المتركز على البزة الواقية من الرصاص .. كيلا يكثر في هذه الأيام أولو التفسيرات والتأويلات الذين لايفهمون هدوءنا في الحرب الا أنه تراجع وحيرة .. ولايقرؤون في تريّثنا الا أنه بسبب قوة اندفاع العدو ..

نحن لاننتمي الى الدول التي تفقد صبرها بسرعة مثل تركيا التي تنجب ساسة من نمودج أردوغان الذي يفقد صبره أمام الميكروفونات ولكنه يرتجف عندما يقترب من السياج الحدودي فيقرر الصبر .. فمنذ بداية الحرب لم نفقد صبرنا لحظة واحدة واكتفينا بالعمل بهدوء لامتصاص الموجة العاتية .. وكان في صلابة الهدوء السوري والرقي في الحزن والغضب درس مهم في العمل السياسي الذي كان دون انفعال وتهور وتمكن من تفتيت الموجة وقلب اتجاهها .. وعندما نقول فاننا نعني مانقول دون انفلات أعصاب ونفاذ الصبر ..

لايبدو لي أن محور المقاومة الذي يتبع الديبلوماسية التي تتصرف بأناقة بالغة سيكون غائبا عن تغيير ملموس قريب في معادلة الردع التي تتغير على الطرف الآخر .. فالديبلوماسية الأنيقة لاتنفع مع ديبلوماسية الرعاع وديبلوماسية الرعاة .. وهناك تحالف جلي بين ذئاب القاعدة ورعاة الذئاب .. أي التحالف التركي والسعودي والاسرائيلي .. والسؤال الذي تطرحه المرحلة ويستحق التأمل .. والتفحص والتساؤل .. هو كيف ستنتهي الديبلوماسية الأنيقة التي اكتفت بقتل الذئاب.. ومن أين تبدأ ديبلوماسية ردع الرعاة دون سقف الحرب؟؟

أعتقد أن المعطيات تشير الى أن لاأحد في كل المنطقة سيذهب نحو الحرب الكبرى الآن رغم أن هناك رغبة جامحة لدى قواعد المقاومة تضغط نحو هذا الخيار .. لأن هناك قرارا واتفاقا أميريكيا روسيا بمنع التصادم بين الأطراف المتصارعة بأي ثمن لأن ذلك سيفضي الى تصادم مباشر بينهما .. وهذا تفاهم قائم على الأقل حتى الانتخابات الاميريكية ولكنه سيتيح هامشا قويا لمحور المقاومة وسورية للتحرك وفق هذه المعادلة .. فمهما حدث لن يسمح لتركيا أو اسرائيل باعلان الحرب .. وهي معادلة في اتجاهي طرفي النزاع أي أن اسرائيل ممنوعة من دخول الحرب ويترك لها هامش تدخل ودعم واغتيالات .. وهذا ما سيعني أن محور المقاومة سيستغله أيضا وسيضرب العدو تحت هذا التفاهم وهو مدرك أن اسرائيل لاتقدر على الحرب لأنها ليست على يقين من نتيجتها ولأن هناك تفاهما فرضه التوافق الروسي الأميريكي عليها أيضا .. وهو الردع الذي سيقوم دون الخوف من الحرب .. وعلى هذا الأساس نحن غالبا في طور دخول مرحلة الردع منعطفا جديدا سيفرضه حلف المقاومة بعمليات متتابعة قريبة تحت سقف التفاهم الروسي الأميريكي بمنع الحرب .. ولايخرق هذا التوقع الا أننا أمام حزب الله وعلى الجميع أن يضع في الحسبان شيئا جوهريا .. وهو أن حزب الله الأنيق في السياسة والأستاذ في الصبر أثبت أنه استثنائي ولاتنطبق عليه كل التوقعات السياسية وحسابات المعادلات الدولية .. وقد يحمل عبء توجيه التفاهم الروسي الأميريكي نحو معادلة تفاهم وردع جديدين .. لأنه أحد اطراف معادلة (اللاعودة) عن خيار النصر التي تنهض في الحرب السورية ..

فهناك قاعدة هي التي تمسك كل المعادلات في الحرب السورية .. وهي قاعدة (اللاعودة) .. حيث أن الاحداث في سورية كلها تعمل وفق قاعدة (اللاعودة) .. فلاعودة اطلاقا لتركيا الى بلادنا مهما كان الثمن .. ولاعودة عن مشروع طرد السعودية وثقافة الخليج المحتل من بلاد الشام حتى آخر ارهابي وآخر شيخ وهابي وآخر مسمار سعودي في الأحزاب السياسية .. ولاعودة اطلاقا في مشروع النهضة الكبرى الذي يبدأ باغلاق العصر الحجري الاخواني والقاعدي .. ولا عودة عن تدمير زمن ابن تيمية واقتلاعه من شروشه .. ولاعودة عن ملاحقة أنفاس محمد بن عبد الوهاب الكريهة وابادة كل ذراري كلامه التي تلوث ثقافة الشرق وتتسرب اليها كما يتسرب الزيت الأسود الى منابع الماء العذب .. وهذا سيقوي من خيار اللاعودة عن خيار المقاومة واللاعودة عن هدف تمزيق" بيت العنكبوت" .. ولاعودة عن خيار تحرير حلب والرقة وكل حارة في سورية .. وكذلك لاعودة عن تحالف سورية وايران وروسيا .. كقوة ثلاثية لايستوي توازن العالم الا بها ويتطلبها مشروع اللاعودة .. ولاعودة لروسيا الى زمن البيريسترويكا وزمن الرخويات الروسية والغلاسنوست.. ولذلك فان من يغويه صمتنا فان عليه أن يخشى هذه الغواية .. ومن يعتقد أنه يتحدانا فعليه ألا يتعجل قطف العنب من تهديدات خطابات عناقيد الغضب لعادل الجبير .. فعناقيد الغضب والثأر الاسرائيلية التي تنشرها السعودية في الشرق وتحرق بساتيننا ودوالينا وعناقيدنا وأعنابنا .. ستجد لها كرّاما مقاوما يجنيها ويعصرها لنا نصرا في كؤوس النصر .. في عملية معاكسة تماما نسميها "غضب العناقيد" ..

وعندما نقلت تصوراتي لخبير روسي حاذق في معرفة مزاج موسكو قال لي ضاحكا: (ان هدوء الدببة قد يعني أنها تنتظر شيئا خطيرا .. حدثا مهما أو صيدا ثمينا) ..
صديقي الروسي تركني في حيرة .. ولكنني أدركت أنه يعلم شيئا سينكشف قريبا .. لأنه عندما سقطت ادلب كان هناك اتفاق سوري روسي مسبق على عملية عسكرية مزدوجة .. ويومها قال لي: "اني أشم رائحة أوسيتيا وابخازيا في شمال سورية" وعندها أدركت من سياق الكلام الطويل معه أنه يعني أن مزاج الكرملين هو مزاج عسكري دون تردد .. ومزاج من يريد أن يلقن أحدا درسا عسكريا ..

ترى ماذا ينتظر الحلفاء في هذا الصيف وهم كامنون بين الأشجار والرصاص ينهمر حولهم .. دون أن تصدر عنهم اية حركة وعيونهم ثابتة في البعيد .. وكأن فريسة تقترب .. وهدفا يدخل في نطاق الصيد؟؟ ..

لاأزال بما أعرف قادرا على أن أمسك اليوم أعصابي بالحبال كما أثبّت الجياد الهائجة .. ولاأزال قادرا على القبض على السنابك التي تضرب الحيطان وتحطم الأطباق وتهشم المرايا .. وأقدر وأنا على ثقة أن أعد الرصاص أنه لن يطول انتظاره ولن يشيخ في الزنازين ولن يموت في الشرنقة النحاسية .. وستعيش الرصاصة تجربة الولادة والتمزق في الولادة .. وفتح أجنحتها والطيران الى أقصى مدى .. في مرحلة اسمها غضب العناقيد ..

‎بقلم: نارام سرجون‎'s photo.






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز