نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
تعلموا العدالة والمساواة من الصليبيين والكفار

يبدو أن مسلسل الإنجازات الحضارية الغربية مستمر على غير صعيد ومستوى، ولم يتوقف عند الرفاه المادي والمعيشي بل يتعداه إلى صعد نوعية قيمية وأخلاقية وحقوقية وإنسانية، أسمى وأنبل، مع عدم إغفال أن هذا الغرب “الكافر” (حسب الخطاب إياه، طبعاً)، كفكر ونظام سياسي وإداري واجتماعي عادل ومنصف مع مواطنيه على الأقل، بات يحظى، يوماً بعد آخر، على ثقة شرائح عريضة كثيرة مهمشة ومضطهدة في بلدانها، وأصبح، بالتالي، وصفة إنقاذ وحيدة، وقبلة، ووجهة وملاذاً للشعوب الهاربة من سعير القمع والجوع والإفقار والحروب والتمييز والاضطهاد في بلدانها التي ما زالت تحبو حضارياً وتعيش في كهوف الزمان.

ولم تتوقف القصة عند حدود شكليات الإيواء والهجرة وتوابعها الإدارية والقانونية، وحسب، فقد خطا هذا الغرب خطوة أخرى في مضمار المساواة لدرجة منح كافة الحقوق السياسية لهذا “المواطن” المهاجر القادم من جحيم الاستبداد والديكتاتوريات وأنظمة القهر والعهر والتمييز والعنصرية الشمولية المطلقة وحيث لا يتمتع فيه بأية حقوق بسيطة في وطنه الأصلي.

 من هذا المنظور تمكن قراءة فوز السيد صادق خان، وهو المهاجر الباكستاني الأصل، المسلم بمنصب عمدة لندن. ومهما قيل في شأن فوز صادق خان بمنصب عمدة لندن وما أثاره من لغط ومعارك جانبية، و”داخلية” فسيبقى، بالمقام الأول نصراً لمصداقية دولة المواطنة البريطانية والخط العلماني الذي اختطه دول الغرب، عامة، منذ صلح ويستفاليا وانبثاق فكرة الدولة الوطنية الحديثة، وأكملته الثورة الفرنسية ببذر البذور الأولى للميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي تبلور بالإعلان الأممي في العاشر من ديسمبر كانون أول العام 1948، حين رفعت شعار عدالة أخوة، مساواة.

وحقيقة، فقد كانت هناك سابقة و”خبطة” أممية كونية في سياق مشابه، وعلى مستوى العالم، ككل، تجلـّت في انتخاب السيد “بركة حسين أبو عمامة”، المعروف باسم باراك أوباما، “الملوّن” ابن المهاجر الكيني الفقير البسيط القادم من قرية كوجيلو غرب كينيا، للمنصب رقم واحد في العالم، والوظيفة الأهم على مستوى الكون في عاصمة الـWASP كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية.

ومهما قيل من رطانة وبذل من تحليلات ومعطيات، وبغض النظر عن كل تلك المعارك السجالية والمماحكات الجانبية التي رافقت عملية انتخاب السيد صادق خان كعمدة لمدينة لندن، فلا يمكن قراءة الأمر من مناظيره “الغيبية” والأسطورية والإيديولوجية التي حاول البعض إسباغها على هذا التطور، ولا تسجيل أية نقطة لصالح هذا القراءة السطحية الواهية، قدر ما هو تسجيل لعشرات النقاط لصالح تكريس منظومة القيم العلمانية والديمقراطية الغربية، ودساتيرها العلمانية التي تعامل المواطنين وتنظر لهم على قدم المساواة، ومن زاوية المواطنة البحتة وبغض النظر عن انتمائهم، وديانتهم، وأصولهم، وأعراقهم، ومنبتهم الطبقي والقبلي والديني والمذهبي. وإذا كان ثمة من فضل ومكرمة في الموضوع فهو لهذا النظام العادل الإنساني الراقي والعادل وحسب.

وفي المقابل، لا يمكن تجاوز رسائل التسامح الهامة التي تضمنتها عملية الانتخاب واعتبارها فرصة نادرة وثمينة ومعبرة وفي وقتها لكل المهاجرين من ذوي الثقافات المختلفة، و”الإقصائية” منها على وجه التحديد، وحيث تجتاح جحافل هؤلاء أوروبا، اليوم، بضرورة التفكير ببناء مجتمعات جديدة علمانية متعددة وإثبات جدارتهم في هذا الشأن والاندماج وتقبل القيم الغربية التي قبلتهم، ورفعتهم أعلى الدرجات من أوباما إلى صادق خان، ونسيان ثقافاتهم الإشكالية والعدوانية والأحادية الشمولية، فهل يقبلون ويتقبـّلون هذه الثقافة وهذا الإنجاز؟

وكم هيأ أخيراً، من رسالة قوية لأولئك الغوغائيين الذين يتاجرون بالقيم والمبادئ والشعارات الفارغة والعنتريات الجوفاء ويستعرضون عضلاتهم المنفوخة بهرمونات الرياء بأن يتـّعظوا ويأخذوا العبرة والعـِبر ويتعلموا، ولو قسطاً بسيطاً ليجعلوا من أوطانهم فراديس جامعة لمواطنيهم وشعوبهم التي هربت من جحيمهم وتفرّقت وتشظـّت وتشتت في أرجاء المعمورة، وأمـّا من تبقى منهم فهو يكابد الفقر والبطالة والتجويع والمهانة والإذلال والتمييز والإقصاء.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز