نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
السعودية: الإمبريالية الثقافية

ربما، أو بالأحرى بالقطع، لم ولن تستطيع المملكة السعودية تحقيق أية انتصارات عسكرية حاسمة وقاصمة في الإقليم الهائج المائج المضطرب ، وحيث تخوض أكثر من حرب على أكثر من جبهة في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها، وحيث يراودها حلم إمبراطورية جيو- سياسية تابعة لها وتحت سلطانها المباشر، تضم جناحي ما كان يـُعرف أيام المد القومي الناصري البعثي بـ”الوطن العربي”، بشقيه الشمال إفريقي والمشرقي الشامي العراقي وحيث تعتبر أن لها حقوقاً تاريخية روحية مقدسة في تلك البلدان ويجب أن تتبع لها حكماً، وقانوناً،

 لكن الانتصار السعودي الكاسح والأقوى قائم وموجود منذ عقود ويتجلى في ذاك الخضوع والتبعية والعبودية الثقافية المقدّسة والكاملة لشعوب المنطقة وأنظمتها، والتحاقها بفكر وعقيدة آل سعود الروحية وبدو ودواعش الخليج الفارسي، وما مظاهر التدين والدروشة والرثاثة والعبودية والحياة اليومية الطقوسية واستلهام العقيدة البدوية وتقمصها لهذه الشعوب فكراً وسلوكاً، وانتشار الحجاب والنقاب والأمية والجهل المتفشي والإيمان واليقين المطلق بأساطير الصحراء وغلبة “الأزياء” والـLife Style ، البدوي كالدشاديش والجلاليب والعمائم بألوانها ودلالتها المختلفة وطبع “الزبيبة” على الجبين والتباهي بها، وإطلاق اللحى وحف الشوارب، وهيمنة الخطاب الرسمي السعودي على مناحي الحياة، وتبنيه من الإعلام الدعوي الديني الرسمي المتدروش للأنظمة المتهالكة والعاجزة، التي تبث أساطير داعش وخطابها على مدار الساعة وتحشو بها أدمغة الشعوب وتعمل بكل ما أوتيت من جهد على تجهيلها وقطعنتها وتنعيجها وتسذيجها، واعتماد توقيت “مكة المكرمة” كبوصلة، واستسلام كل دول المنطقة ووزارات تربيتها وثقافتها وأوقافها وداخليتها وجنرالاتها الأشاوس أمام ثقافة الصحراء ورفعهم الراية البيضاء لفكر بدو الصحراء السلفي واعتماده رسمياً كمرشد ودليل وخريطة عمل وعصب للمناهج والمقررات الدراسية ووصفة علمية وتعليمية وأكاديمية في عموم المدارس والجامعات والمعاهد في المنطقة،

 إضافة إلى التحالف الوثيق بين ما تسمى بالأنظمة العربية والتيارات السلفية والعروبية والداعشية المتخلفة والعلاقة الوثقى بينهما ومحاولة هذه الأنظمة التودد والتذلل والتوسل لآل سعود، فهذه كلها مؤشرات لا تدحض Irrefutable Signs على وجود نصر سعودي ثقافي كاسح وهيمنة روحية مطلقة على شعوب الإقليم.

ولو كنت مكان السعوديين لما أرسلت “جهادياً” ولا انتحارياً أو مقاتلاً واحداً لتحقيق أي نصر عسكري، واكتفيت بهذا المجد وهذا النصر والسيادة والهيمنة والزعامة الثقافية المطلقة على المنطقة التابعة والخانعة أوتوماتيكياً، وأنظمة الغباء الشامل.

وإذا كانت دولة مثل إيران، دخلت النادي النووي الدولي، والقوة الصاروخية الضاربة والمرعبة في الإقليم من دون النظر لقوتها البشرية والعلمية والاقتصادية الخارقة، وتعتبر المنافس الأقوى للسعودية، تتودد للسعوديين وتغازلهم آناء الليل وأطراف النهار، وتصمت عن الإهانات السعودية المتكررة لها، وتنكـّرت لدماء المئات من نخبها السياسية والعسكرية والدبلوماسية والأكاديمية، الذين تم “اغتيالهم”، كما أشيع في حينه، بشكل جماعي، غدراً وغيلة في موسم الحج الماضي، وتنسى وتتناسى دماءهم والثأر لهم، وإذا كان هناك حزب مقاوم كـ”حزب الله” يشكـّل هو الآخر قوة صاروخية وعسكرية وبشرية مرعبة في المنطقة، وخاض لوحده حرب الـ33 يوماً ضد إسرائيل، 2006، ويعتبر كابوساً مرعباً للجنرالات الإسرائيليين وعقبة استراتيجية وعسكرية كأداء لا يعلم كبار القادة العسكريون الإسرائيليون كيف سيفككونها، ناهيكم عن تلك الدول الصغيرة والضعيفة والأنظمة المفككة والمهترئة التي فقدت صلاحيتها العصرية وصارت خارج الجغرافيا وخارج التاريخ، بما فيها مصر، ما غيرها، “ام الدنيا”، التي انتزع منها الملك سلمان جزيرتين في زيارة و”غزوة” مباركة، ومن دون إطلاق رصاصة واحدة وكله بفعل القوة المعنوية والروحية والهيمنة الناعمة لمملكة “الحرمين”، تطلب، هي الأخرى، رضا وبركات ومغفرة وصفح حكام السعودية،

 نقول إذا كانت كل هذه المنظومات بمستوياتها المتباينة عسكرياً، واقتصادياً، وسياسياً، تتبع إيديولوجياً وثقافياً، غريزياً وطبيعياً لنظام الحكم السياسي في المملكة السعودية، ويخطب الجميع ودّها، مع “الرجاء” والأمل بقبول التبعية لها والانضواء تحت عباءتها الروحية، سندرك على الفور بأن السعودية قوة ثقافية وروحية عظمى Cultural & Spiritual Super Power، تشكل حقيقة “إمبريالية” ثقافية، لا يوازيها ربما عالمياً سوى الفاتيكان، الذي يتحكم بالعالم الكاثوليكي في أطراف الكرة الأرضية الأربع، وتتبع له كل شعوب الكثلكة أوتوماتيكياً وروحياً ويعتبر مرجعيتها الوحيدة، تماماً كما هو الحال بالنسبة لوضع المملكة السعودية.

  وتظهر الزيارات الأربع المثيرة لباراك أوباما، وقد ضرب رقماً قياسياً بزيارات رئيس أمريكي لها في فترة ولايته، بأننا أمام إمبريالية ثقافية توازي الإمبريالية الرأسمالية الأمريكية ذاتها. وحين يريد زعماء وقادة المنطقة الكبار أداء فروضهم الروحية والجلوس بين يدي الله، في آخرة النهار، وبعد مناكفة السعوديين طوال اليوم، لا يجدون سوى “الجغرافيا” السعودية ليمموا وجوههم شطرها، ويخرّوا ساجدين ركـّع عابدين نحوها معبـّرين عن فروض الطاعة الروحية، على الأقل، لأرضها، بمن فيهم مرشد الثورة الإيرانية وزعيم حزب الله(1)، وحوثيو اليمن السعيد، المصنفين كألد أعداء آل سعود، بكل ما في ذلك من رمزيات الخضوع والتبعية وفروض العبودية الثقافية؟

 ولو كنت مكان السعوديين لما أرسلت جندياً واحداً خارج الحدود، ولا جهادياً، ولا دفعت بنساً للتدخل في شؤون أية دولة أخرى فـ"ملائكة" الله وجنوده السريون وخلفاء الإسلام يتغلغلون في، وحكمون أكبر "امبراطورية ثقافية" في التاريخ. ومن هنا، فإن قصر النظر السعودي الكبير، وحده، هو الذي يفسر إطلاق “عواصف حزم” سعودية عسكرية هوجاء يائسة وبائسة، وغير مجدية، ولن تحقق غايتها البتة، ولدى آل سعود عواصف حزم ثقافية أقوى وأمضى وأكثر زلزلة وجلجلة وفعالية، وتحقق أغراضها في التحكم والسيطرة والسلطنة والسيادة، وبما لا يقاس ولا يقارن.

(1)- هناك تقارير متداولة تتحدث عن طلب تقدم به حزب الله من أجل موافقة السعوديين على حج لأعضائه هذا العام.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز