نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
ربّ النار ينتظر ولايسقي خيله الماء .. ادارة الحرب بين حلب والرقة..

نار الانتظار في حلب تأكل القلب .. حتى لو كان ابراهيم نبي الله نفسه في صدرك وفي مكان قلبك لاحترق كما الحطب وتوجع من نار الانتظار .. نار الانتظار هي وحدها التي لاتستجيب ولاتكترث لأي أمر يقول لها: يانار كوني بردا وسلاما

 حلب التي انتظرتنا طويلا ستغفر لنا قريبا أننا تأخرنا عنها لأنها ستعلم كم نحن نحبها وكم أعددنا لهذه المعركة التي أعد لها العالم كله .. وكيف سننتصر ..

 في خضم الحرب أحب الخرائط والأسرار المشفرة أكثر مما أحب القصائد .. ولذلك فانني لاأحب بيانات وزارات الخارجية الملفوفة بعبارات منمقة تصنعها لها وزارات الثقافة وقواميس الديبلوماسية لأنها تشبه قصائد المدح والهجاء التي لاتختبي تحتها الأسرار .. وأنا أعشق الأسرار التي تتسلل اليّ في “غيهب الغسق” كامرأة “لاتخشى الحراس في الطرق” وتدق بابي .. فيدق قلبي بعنف ويسبقني الى الباب .. ولذلك عندما كنت أسمع التحليلات عن معركة حلب كنت أعرف أنني لاأنتظر هذه التخمينات والمواعيد ولم أكن أنتظر أي تصريح للغاضبين بل كان قلبي في الفجر على موعد ينتظر عند الباب أن تدق الأسرار وتحمل لي الخرائط والأسرار والأخبار ..

 ربما يسأل المتابع عن سبب حفلة الجنون التي تقيمها التنظيمات المسلحة في حلب وهي التي من المفترض أنها كانت منذ أسابيع قليلة تستجدي وقف الحرب وتتوسل الروس أن يوقفوا عاصفة السوخوي عليهم .. واليوم ليس من صالحها استفزاز الخصم واحراج الروس .. ولكن لماذا تغامر المجموعات المسلحة بهذه العملية الدموية وتقيم هذه الحفلة العنيفة التي لاشك لا يراد بها خفق الأوراق التفاوضية بل غايتها عسكرية واضحة .. ولماذا تسرب صور السلاح النوعي ومضادات الطيران ويتم الاستعراض بها .. والسلاح النوعي سر عميق وقرش أبيض لليوم الأسود يجب ألا يكشف عنه.. ؟؟

منذ بداية الحرب على سورية والطرف الآخر يفرض علينا أجندة الحوار والحرب والحديث والبكاء بسطوته الاعلامية .. يأخذوننا يوما الى الدفاع عن أنفسنا وعن براءتنا من دم المتظاهرين السلميين رغم أن المتظاهرين السلميين قتلونا وقتلوا بعضهم .. وفي يوم آخر يدفعوننا لمواجهة عاصفة التشكيك بالحلفاء وبيعنا في الأسواق السرية .. ثم في يوم ثان يأخذوننا الى مواعيد السقوط والنهاية والأيام المعدودة .. ومنذ عام ونصف اطلقت معارك داعشية عندما تبين وجود نية هجوم على حلب .. ومنذ أيام قليلة أخذوا العالم الى هرطقة اسمها “جياع مضايا” وكانت صورها مسروقة من مشافي العالم وليس من سورية .. واليوم يستدرج الجميع الى معركة حلب .. ولكن ماذا وراء التهييج والاستدراج الى معركة حلب وماهي المعركة الخفية هنا.. هل هي حقا معركة حلب ؟؟

كما تعاملنا مع منحنيات الأزمة وتعرجاتها وكمائنها بالتحدي العقلي دون اللجوء الى العرافين والعرافات أو الاعتماد على جيمس بوندات التحليل السياسي في الجزيرة والعربية .. علينا أن نضع السؤال ثم نعرض عليه الفرضيات المقبولة وندرسها .. والسؤال الكبير الآن هو” لماذا تصر المعارضة الآن على اشعال معركة حلب وتبدو أنها مستعجلة عليها أكثر من الدولة السورية؟؟ في الاجابة احتمالات كثيرة وفرضيات ولكن دعونا نقترب من أكثرها عقلانية ..

الاحتمال الاول: هو أن المعارضة استثمرت الهدنة لاعادة تموضعها العسكري وخططها الدفاعية والهجومية كما أنها وضعت يدها على أسلحة نوعية ستكسر التوازن الذي فرضه السلاح الروسي .. ولذلك تبدو أنها اكثر ثقة بنفسها وهي توجه اهانات للجيش وحلفائه عبر قتل المدنيين الذين يحميهم وتتحداه أن يبادر بمهاجمتها .. وهذا يبدو مثل الكمين الذي تعده المعارضة لاستدراج الجيش الى رد انفعالي يبعده عن الخطط الصارمة التي وضعها القادة الميدانيون ..مما يلحق به هزيمة تكسر انجازه المعنوي الذي حققه منذ أشهر مع الحليف الروسي ..

الاحتمال الثاني: هو أن المعارضة تريد استعراض القوة للايحاء بأن أي دخول الى معاقلها في حلب سيكون مكلفا جدا وهي بذلك ترسل اشارات تحذيرية نارية الى الجيش والقيادة السورية بأن لاتتقدم في حلب لأن المعارضة جاهزة للرد العنيف المكلف ولاتكترث بالاثمان ولا بالرأي العام .. ويبدو القصف على المدنيين هو أحد وسائل الضغط لأن العجز العسكري ينعكس في عمليات في المناطق الرخوة .. والمدنيون دوما هم أكثر المناطق رخاوة ..

الاحتمال الثالث: هو أن المعسكر الغربي وحلفاءه يريدون منع معركة كبيرة في مكان آخر فيكثرون من قعقعة السلاح أو التصريحات السياسية والتهديدات في مكان آخر .. كما حدث عند هجوم الجيش على الغوطة عام 2013 فجاءت مسرحية المجزرة الكيماوية في الغوطة التي عرقلت عملية اقتحام الغوطة التي كانت على شفا الانهيار التام مع زخم العملية العسكرية .. واضطر الجيش لايقاف هجومه الكاسح بسبب ضجيج العالم على صور الأطفال التي اتهم فيها الجيش السوري بالجريمة خلال ساعات دون أي تحقيق أو دليل .. وكان على الجيش أن ينتظر هدوء العاصفة الكيماوية التي بلغت حدا بالتهديد بالغزو .. وكان من نتيجة ذلك أن جيش الاسلام نجا من المحرقة .. واليوم المعسكر ذاته يتحرك بنفس الغاية ويطلق الدخان بشكل مغاير وعسكري وبالنار لمنع معركة حاسمة مقبلة للجيش في احدى الجبهات ..

وهذه المعركة المؤجلة هي معركة مع داعش في الشرق حيث تؤكد المعطيات العسكرية الغربية أن الجيش السوري وحلفاءه سيكتسحون الرقة ودير الزور بسرعة ملموسة لأن داعش بدأ يتخلخل فعلا ويتآكل في الرقة ومحيطها .. كما أن حجم الذخائر التي توجهت الى المنطقة الشرقية يوحي أن داعش مقبلة على معركتها الاخيرة .. والسقوط المدوّي .. وهذا سيتسبب في انهيار سمعة التحالف الغربي ضد الارهاب وسيزيد من ثقة العالم بالسياسة الروسية الجادة بالحرب على الارهاب ويجعل أميريكا وحروبها على كرتونات الارهاب سخرية ومصدرا للنكتة والتفكه ..

وبسقوط الرقة والمنطقة الشرقية ستكون معركة جسر الشغور وادلب من أسهل المعارك والتي تم تكليف قوات ضخمة بحسمها بمجرد انهاء ظاهرة داعش في المنطقة الشرقية حيث سيتم نقل التركيز العسكري والجوي الى ادلب بعد الرقة .. وعندها تكون حلب هي الثمرة الناضجة التي ستسقط قبل نهاية ولاية أوباما من تلقاء نفسها بعد تدمير عمق المعارضة في ادلب وتدمير عمقها الآخر في داعش التي تتخادم معها وتتقاسم العمل والعبء العسكري .. وتحتشد كل القوات التي تلتقي بين الرقة وادلب لاقتحام حلب حتى الحدود التركية ..

لذلك فان المنطق يقول ان الجيش السوري الذي يعد العدة لمعركة الرقة لن يكون المبادر لاطلاق النار في حلب ولاالى كسر الهدنة لأنه المستفيد الأول من الهدنة فهو سيتفرغ لانهاء حزمة من المجموعات الارهابية الخطرة في المنطقة الشرقية وهذا يقودنا الى استنتاج أن من يكسر الهدنة في حلب الآن هو المعارضة بقرار أميريكي .. ويدرك العسكريون أن ترميم وتذخير المجموعات المسلحة كان سيتم أثناء الهدنة ولو تحت الأرض عبر الحدود مع تركيا .. الا أن الرأي كان يميل الى أن التفوق الجوي وتقنيات العمليات الفضائية التي يؤمنها الروس هي العامل الذي لايمكن كسره مهما اشتدت قوة المسلحين على الأرض .. فطالما أن عمليات الرصد الالكتروني والفضائي والقصف الذكي والموجه متاح فان القوات الأرضية المدربة جيدا والتي اكتسبت الخبرة القتالية لن تواجه صعوبة مع أي خصم مهما تزود بالسلاح .. فهذه حرب تحسمها الضربات الجوية اذا كانت هناك قوات قوية شرسة ومعبأة ايديولوجيا على الأرض .. وهذا ثبت جدا في معارك اللاذقية الطاحنة حيث الجبال والغابات والادغال .. وثبت في معارك ريف حلب التي كانت فيها كميات السلاح والذخائر فيها تراكمت على مدى 4 سنوات ولكن القصف الجوي حيّدها تماما ..

الرقة وحلب في عيون أميريكا وتركيا:

في منظار السياسة الأميريكية والاستراتيجية تبدو الرقة مقابل حلب أكثر الحاحا وخطرا .. فرغم ان حلب أهم كثيرا للسوريين من الرقة من نواح عديدة صارت معروفة للجميع الا أن تبريد حلب لما بعد الرقة كان ضمن الخطة السورية الروسية لأن نقطة ارتكاز المشروع الغربي للتقسيم في الرقة والموصل .. وكان الخيار العسكري للحلفاء هو تحطيم القوة الهجومية للمعارضة “التركية السعودية” شمالا عبر قوس عمليات من ريف حلب الى اللاذقية لمنعها من تهديد عملية تحرير الرقة والمنطقة الشرقية .. وعند شلّ القوة العسكرية للمعارضة شمالا يتم توجيه القوات نحو تدمر والرقة والشرق قبل أن يصل المشروع الأميركي ..

حلب مهمة لتركيا وليس لأميريكا .. ومن يمسك حلب بأسنانه هو أردوغان وليس أوباما .. لأن الحقيقة هي أن الرقة أهم من حلب استراتيجيا بالنسبة للأميركيين ويعلمون أن حلب رئة ديمغرافية للدولة السورية بملايينها وتحريرها مسألة حيوية جدا ..

والاميريكيون يبالغون في وضع خطوط حمر وضجيج سياسي كثير حول حلب للابتزاز .. لكن من البديهي هي انهم يفضلون خسارة حلب على خسارة الرقة والمنطقة الشرقية التي تحمل عبء مشروع التقسيم الذي يحلمون به .. فوصولهم الى الرقة عبر التحالف الغربي او تحالف القوات الكردية او الديمقراطية هو مايعولون عليه .. لأن الاستقرار في الرقة وجنوبها نحو دير الزور هو الغاية من خلق داعش .. التي ستنتهي مهمتها الوحشية في تبرير وصول قوات موالية للغرب او بقيادته للبقاء هناك وخلق الحاجز الجغرافي الفاصل بين سورية والعراق واقامة دولة سنية بين مثلث الموصل ودير الزور والرقة ..وهذا هو لب التقسيم الذي عملت عليه الولايات المتحدة واسرائيل منذ لحظة سقوط بغداد عام 2003 .. حيث القوة السنية التي ترعاها تركيا السنية مقابل القوة الشيعية التي ترعاها ايران .. حيث تعود المنطقة الى ثنائية “مناذرة وغساسنة” .. عرب يقتلون عربا .. أو مسلمين يقتلون مسلمين ..

ومما يدعم هذا الرأي بعض المعلومات التي تسربت في الأسبوعين الأخيرين للحملة السورية الروسية والتي قالت نقلا عن تسريبات سرية للغاية أن الاميركيين والسعوديين من خلف ظهر الأتراك عرضوا صفقة مراوغة على الروس والسوريين وهي تسليم حلب في مسرحية عسكرية ترافق مفاوضات جنيف أي دون قتال حقيقي لأن اندحار المجموعات المسلحة في عاصفة السوخوي بهذه الطريقة السريعة المهينة كان يعني أن اهتزاز معاقلها في حلب وسيكون تأثيره عالميا لصالح روسيا وسياستها وسلاحها ويعني تداعي دعائم داعش عبر الحدود التركية .. وطرح الاميريكيون تسليم حلب بالمفاوضات سرا في جنيف عبر كتلة الرياض التي ستوافق على الأمر الملكي السعودي وتشكل غطاء سياسيا لقرار اميريكي بانسحاب المسلحين في مقابل ان يقبل السوريون وحلفاؤهم بشيئين لانعرف قدر الدقة في نقل الطرح المسرب عنهما .. وهما:

1- تفويض تحرير الرقة للأميركيين والتحالف بقرار من مجلس الأمن

2- والقبول بسعد الحريري رئيسا لوزراء لبنان مع تعديلات دستورية تقلل من قوة حزب الله السياسية على أن يكون سليمان فرنجية – وليس ميشيل عون – رئيسا لبنانيا كضمانة سياسية موازنة ..

 وكانت معادلة الاميركيين المخادعة: أعطونا لبنان ومشروع تحرير الرقة المغطاة بقرار مجس الأمن وخذوا حلب !! .. وفي حال رفض الروس والسوريون ذلك فستدعم واشنطن تركيا في ردود فعلها العسكرية في حلب التي لاتزال منضبطة بأمر الناتو ..

من يتمسك بحلب ليس الأمريكان بل أردوغان أساسا والسعوديون بدرجة ما ولكن الأتراك ليسوا صناع سياسة بل منفذون على العموم وهم مثل كلاب الصيد عندما يأمر الصياد بترك الطريدة فسيلقيها الكلب أرضا ..

كان هناك تقدير روسي سوري ايراني أن الاميركي يراوغ ويريد شيئا آخر .. وأن الغرض كان ابقاء المنطقة الشرقية تحت حكم داعش او بدائلها الموالية للغرب وكذلك اعادة الوصاية السعودية على لبنان وشق تحالف المقاومة والتيار الوطني الحر في لبنان وخلق فجوة وخلخلة في العلاقة بين مكونات تحالف المقاومة وهذا يعني مرحلة تفكيك حزب الله سياسيا وعسكريا أو اضعافه في لبنان ووضع لبنان رسميا تحت وصاية سعودية التي ستضيق على حزب الله داخل لبنان وتحاربه نيابة عن اسرائيل من غير حلفاء سوريين أو مسيحيين .. وتكون السعودية قد تهيأت لتسليم مضائق وجزر تيران المصرية لاسرائيل مباشرة عبر عقود واتفاقات تأجير دولية .. وهو أمر لم تتجرأ الدولة المصرية على الموافقة عليه فتركت للسعودية أن تتولاه.. وبذلك يتم تأمين حدود اسرائيل .. وهذه كلها اجراءات وضمانات لأمن اسرائيل ..

مما سبق يطرح المنطق تساؤلا ان كان توقيت تحريك الجبهات في حلب بريئا يراد منه مراوغة سياسية أو زيادة الضغط لتخفيف اندفاع الجيش في جهة أخرى أو لاستدراجه الى معركة متعجلة في مكان ما .. فالضرب بقسوة على حلب سيجبر الدولة السورية على تأجيل التعامل مع عملية الرقة لأن الضغط الشعبي لن يرحب بمعارك الرقة فيما حلب تحترق .. والرأي العام السوري يتم استفزازه باستعراض السلاح النوعي ومضادات الطيران في حلب وكأنه تحدّ وتهديد من أن المعارضة هي من سيجتاح حلب ان انشغلت الدولة في الرقة ..

خيارات الجيش السوري وحلفائه تكاد تسير نحو خيار واحد وهو ادارة الحرب بمنطق الحروب العالمية لانها حرب عالمية لوجود قوى عالمية على الأرض .. ومنطق الحرب العالمية هو نار كثيرة وجبهات عديدة .. اي استفد من تفوق ما في القوة النارية أو العددية او التقنية وأطلق الهجوم في اتجاهين أو ثلاثة اتجاهات كي لايملك العدو خيار الاختيار وخيار أين يركز دفاعاته وقواته .. فأي جبهة تنكسر ستكسر الجبهة الثانية ..

في هذه الحرب الوطنية العظمى كلما سمعت أنين المدن وهدير الدم وحاولت أن تكتب بهدوء عن نار الانتظار في حلب أو الرقة تلسعك الكلمات كالأفاعي مهما حاولت تحاشيها .. تنسل أجسادها الناعمة من فوهة القلم وتفح ولاتنزل بل تلتف حول القلم وتتسلق وتلتف حول أصابعك كالثعابين .. وكلما تحركت لتكتب لسعتك .. فكيف تكتب بالحبر .. والحبر بارد كدم الأفاعي في زمن يجب أن يكون الحبر فيه سلالة زرقاء من سلالات النار؟؟ فماأتفه الحبر وهو يحدثك عن طعم النار ولون النار وانفعال النار وعظمة النار ..

فهل تكتب بالثلج حكاية عن النار .. أم يكتب عن النار رب النار؟؟ .. ورب النار في الحرب اسمه الجيش العربي السوري .. فيارب النار لاتسق خيلك الماء وأنت تتهيأ لعبور نهر الحمم .. وقل لحلب: ياحبيبتي من يركب البحر .. لايخشى من الغرق .. ومن يكتب بالنار لايخشى من الحمم ..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز