عبد الحميد فجر سلوم
666
Blog Contributor since:
04 November 2011


 More articles 


Arab Times Blogs
متى ستعترف تركيا بمجازِر العثمانيين ضد الأرمن ؟

* تُصادِف في 24 نيسان من هذا العام ، الذكرى المائة وعَامْ على مجازر الأتراك العثمانيين ضد الأرمن بين عامي 1915 – 1917 ، والتي تُعرف أيضا باسم المحرقة الأرمنية والمذبحة الأرمنية أو الجريمة الكبرى، التي يندى لها جبين البشرية !! لقد زرتُ متحف المجزرة الأرمنية حينما كنتُ دبلوماسيا في السفارة السورية في يريفان واطّلعتُ على صورٍ لبيادر الجماجم المتبقية من مجازر العثمانيين الوحشية !!. وقرأتُ كيف كانوا يستأجرون القصّابين ، أي المتخصصين بِذبحِ الأبقار والأغنام ليقطعوا رؤوس مئات الآلاف الذين كانوا يصطفون في صفوفٍ طويلة خلف بعضهم البعض وحينما يأتي دور أحدهم يحني برأسهِ إلى الأسفل حسب الأوامر ، فيقوم " القصّاب" بضربِ عنقهِ حالا ليقطع رأسه عن جسده ، تماما كما تفعل داعش في هذا الزمن !!. ولَعلّ داعش قد خطَتْ على خطى العثمانيين بهذا الشكل من الإجرام والوحشية !!. وكانت النتيجة قتل وموت مليون ونصف مليون إنسان من الكبار والصغار والنساء والأطفال ، بقطع الرؤوس أو من الجوع والتشرُّد ، وكانوا أحيانا يحفرون لهم حُفَرا كبيرة ويدفنونهم بها وهُم أحياء !!. كما فعلوا مع الكثيرين من أبناء المذاهب الأخرى حينما دخلوا بلاد الشام في بداية القرن السادس عشر مُستعمرين ومُحتلين وغُزاة ، وجثموا على صدرها أربعة قرونٍ ناهبين لثرواتها ومحتقرين ومُهمِّشين لأبنائها من العرب ، وتسييد العنصر التركي عليهم !!.

  * لم تقتصر مجازر العثمانيين على الأرمن وحدهم ، بل طالت أبناء المذاهب الأخرى من عربٍ وآشوريين وسريان ، وغيرهم !! ولكنَّ الأرمن كانوا أكثر شطارة ووعيا فوّثقوا لكافة جرائم العثماني التركي بحقّهم ولكنَّ غيرهم لم يوثِّقوا تلك الجرائم الوحشية !!.

  * كُنا نقرأُ منذ بضع سنوات أن هناك أتباعا لِمذاهب وقوميات أخرى من غير الأرمن ارتكب العثماني مجازر بحقِّ أجدادهم ، ينشطون بشكلٍ واسعٍ في البرلمان الأوروبي ، ويُنسِّقون مع النشطاء الأرمن لِفضحِ مجازر العثماني والحصول على دعمٍ أوروبي لِدفع أتراك اليوم على الإعتراف بمجازر أجدادهم الذين لم يخفي قادة تركيا اليوم ، وعلى رأسهم أردوغان ، في أي وقت اعتزازه بهم وافتخاره بالانتماء إليهم ، ولم ينسى بأية لحظة عصبيته القومية ، بالانتماء للطورانية أو القومية التركية ،، على الرغم من أنه ينتمي إلى حزبٍ سياسي إسلاموي عابرٌ للعصبيات القومية ، ويُفترضُ به أن يكون بعيدا عن التعصُّب القومي ، ولكن أردوغان ليس كذلك ، بعكسِ الإسلامويين العرب فتراهم أعدى من العِدى لقوميتهم العربية ، ولِعروبتهم ، ولكنهم لا يتوانون في توظيف العروبة لخدمة مصالح الأنظمة والحكام والتحريض العروبي والقومي إن كان ذلك يخدم أجنداتهم ، وبهدف تحقيق المكاسب السياسية ، وهم أساسا من أكبر أعداء العروبة والقومية ،، ولكنهم للأسف يجدون شرائح اجتماعية واسعة تنساق خلفهم كما تنساق قطعان الأغنام خلف " المرياع " ، يعني الكِبش الكبير الذي يسير في مقدمة القطيع !!.

  * طبعا الاعتراف بمجازر الأرمن من قِبل أنقرة سوف يُرتِّب على تركيا لاحقا تعويضات يتوجّب عليها دفعها بموجب القانون الدولي ، عدا عن الضرر المعنوي والأخلاقي الذي سيصيب المرحلة العثمانية !!. وهذا تتجنّب تركيا الوقوع به بشتّى السُبُل والنُكران ..

*أردوغان يعتبر نفسهُ اليوم وصِيا على كافة الشعوب ذات الأصول الطورانية التركية ، أو التوركية ، سواء في بلاد الشام ، أم في جنوب وشمال القوقاز ، أم في أواسط آسيا ، أو حتى في جزيرة القرم الروسية ، أو منطقة البلقان ، أو سواها !!. إنه يعتبر نفسه " جمال عبد الناصر" التركي ، مع الفارق الكبير بالزعامة !!.

  *طبعا الأتراك ، وكما العادة ، لم ، ولن يعترفوا بتلك المجازر ، بل يُزوِّرون التاريخ ويلقون باللائمة على الضحية !!. فقد اغتصبوا لواء الإسكندرونة السوري وزوّروا التاريخ وادّعوا أن هذه أرضهم (تماما كما فعل اليهود بفلسطين) وحرموا العرب السوريين حتى من تعلُّم لغتهم العربية بشكلٍ علني ، حتى يوم أمس ، هذا على الرغم من أن الأتراك أساسا لا ينتمون لهذه المنطقة الجغرافية كلها التي يسكنونها اليوم بأية صلةٍ !! فهُم آساسا قبائل من مناطق شمال شرق آسيا الوسطى ووصلوا إلى آسيا الصغرى ، أو هضبة الأناضول، عن طريق الغزو والعدوان والاحتلال ثم تمدّدوا بكل الإتجهات على حساب دماء الشعوب الأخرى وقتل الملايين من أبنائها !!.

*يعني ببساطة يمكننا القول أن هناك جسمين غريبين عن هذه المنطقة كلية ، وهما الجسم التركي والجسم الإسرائيلي ، ونحنُ لا نتحدّثُ هنا سياسة ولا تحليلا ، وإنما نتحدّث تاريخا !!.

  *لقد أخطأ البعض كثيرا حينما كانوا يشيدون بالتاريخ التركي -- السوري المشترك في وقتٍ من الأوقات ، وهذا كان تحريف للتاريخ ، بل تكذيب للتاريخ الذي درَستهُ الأجيال عبر قرنٍ تقريبا من الزمن !! فلا يمكن أن يكون هناك تاريخ مُشترك بين ضحيةٍ وجلّاد ، وبين مُستعمِرٍ ومُستعمَر !!.تصوروا ، مثلا ، طبيعة التاريخ المشترك بين الإسرائيلي والفلسطيني ، هل هذا معقول!!. التاريخ المشترك لهُ معانٍ إيجابية وطيبة ، يُمكن البناء عليها ، أما علاقة القاتل بالمقتول فلا يمكن أن تكون علاقة مشتركة !!.

* إنها مشكلة كبيرة حينما يخلط السياسي بين علاقاته الشخصية وبين العلاقات الرسمية ، ويخلطها كلها في تاريخٍ واحدٍ يُطلِق عليه وصف " تاريخ مشترك " .. هذه هي المشكلة في البُلدان التي تغيبُ فيها مؤسسات الدولة ، وتتقرّر فيها السياسات والمصائر عبر أشخاص ، فيُصبِحُ الشأن الخاص شأنا عامّا ، ويختلط الحابل بالنابل !!.

  *الشعب الأرميني شعبٌ عريق في التاريخ ، وشعبٌ جبّارٌ ، وقد نهض من تحت رماد تلك المجازر العثمانية التركية ، كما ينهض طائر الفينيق من تحت الرماد ، ويعيش ضعفي الأرمن تقريبا اليوم خارج وطنهم الأم أرمينيا ، ومعروفين بكل الأوساط التي يعيشون بينها بِإتقانهم لِعملِهم ، ومثابرتهم ، وبينهم أثرياء كُثُر في شتى البُلدان ، ولكنهم جميعا مخلصون لشعبهم وأوفياء لبلدِهم الأم أرمينيا ، ولهم حضور سياسي وبرلماني في دولٍ عديدة حول العالم !!.

  *لا أعرف بالضبط كم هو عدد الدول أو البرلمانات التي اعترفت حتى اليوم بالمجزرة الأرمينية ، وأعتقد أنها تُقاربُ الثلاثين ، ولكن ليس بينها بلد عربي واحد سوى لبنان !!.

  *سورية ، الشاهد الأكبر على مجازر الأرمن ، لم تعترف رسميا حتى اليوم بالمجزرة الأرمينية ، ولكن في العام الماضي وبالذكرى المئوية فقد وقف أعضاء مجلس الشعب دقيقة صمت على ضحايا المجزرة الأرمينية .. ولكن هل هذا كافيا ؟؟.

  * من حق الأرمن ، ومن حق كل الشعوب التي تعرّضت لإبادة جماعية عبر التاريخ ، أن تُبقِي على قضيتها حيّةً في أذهان الأجيال والعالم، ليس بِهدفِ الانتقام ، وإنما بِهدفِ أخذ الدروس من عِبَر التاريخ والسعي لتَجَنُّب كل أشكال القتل والذبح والمجازر والصراعات والحروب !!.

  * للأسف الشديد هناك كثيرون يلقون باللوم على الأرمن على تلك المجازر وأنهم هُم من قاموا بِفعلِ هذا وهذا وهذا ... الخ ، ولكن حتى اليوم لم تُوجَد لجنة تاريخية مشتركة بين الطرفين تدرس الوثائق بشكلٍ دقيق وتتفق على خلاصة ونتيجة مشتركة مُتّفق عليها من الطرفين ، ولكن كل الوثائق تشير إلى ارتكاب العثماني فعليا لتلك المجازر ، وحتى لو تشكّلت لجنة مشتركة كما نصّ عليه اتفاق زيورخ فإن تركيا لن تعترف بمسؤولية العثمانيين ولن تقبل إلا بإلقاء اللوم على الطرفين ، ومساواة الضحية بالجلاد ، كما عادة كل جلاد !!.

  * المسلمون عموما ، وأولهم العرب ، ينحازون إلى تركيا من منطلق ديني ومذهبي ، وهذا لا يجوز لأنه يعطي المُبرِّر لكل الشعوب والأمم للانحياز في أي قضية عالمية ، أو صراعٍ دولي ، لهذا الجانب أو ذاك على أسس دينية ومذهبية ، وهكذا تضيع قضايا الشعوب وتسود العالم شريعة الغاب ، ويفلتُ المرتكبون من أي عقاب !!. الانحياز يجب أن يكون إلى جانب الحق فقط !!. والأرمن على حق في مطالبِهم والمجازِر ارتُكِبتْ بحقهم من طرف العثماني والنكران لا يحجب الحقيقة !!.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز