احمد الادريسي
elmouaden@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 March 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
السلفية ليست سلفية. دراسة نقدية لظاهرة التكفير عند السلفية الوهابية (24)

الفصل الرابع: السلفية ليست سلفية لنفترض أن مبنى الوهابية صحيح مائة في المائة، وهو أنهم يأخذون الإسلام عن السلف الصالح ويفهمونه بفهمهم، كما قال مؤسسهم ابن عبد الوهاب في النص السابق. بل عدوا طريقتهم هذه " ليست من تأسيس بشر، فهي ليست كغيرها من المذاهب والتيارات الإسلامية المؤسسة من قبل أحد العلماء أوالمفكرين، إنما هى الإسلام نفسه كتابا وسنة كما أنزله الله عزوجل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم." هب أن ذلك كله صحيح، فهل التزمت الوهابية حقا بهذا المنهج؟ لا.

 ولا يمكن للوهابية أن تلتزم بهكذا منهج، لأنه ببساطة لا وجود له في الواقع كما رأينا. ولذلك كانت السلفية القديمة والسلفية الحديثة الوهابية تنهج الانتقائية غير العلمية عند استحضار الشواهد والأدلة على مبانيها معرضة عن الشواهد والأدلة الأخرى الصحيحة الصريحة التي لا تتفق مع مبانيها، أو تلجأ ببساطة شديدة إلى مناقضة مبانيها بجرأة غير عادية إن لم تستطع هدم المباني المخالفة لها بالطرق العلمية.

 وهذه نماذج من ذلك:

المبحث الأول: السلفية تطعن في السلف: رغم رؤيتهم التعميمية لصلاح السلف إلا أنهم - كغيرهم- يطعنون في بعضهم، ويصرون على إبراز ذلك الضعف خصوصا إذا وقع هؤلاء في سند بعض الروايات التي لا يتحملها الوهابية كعطية العوفي الواقع في سند (حديث الثقلين)، رغم أن تضعيفه إن سلم به لا أثر له على ثبوت هذا الحديث العظيم لتواتره كما مرت الإشارة إلى ذلك في مظنته وقدمنا هناك أن التواتر ليس من مباحث الإسناد، ولو تنزلنا فإن الحديث ثابت بالنظر إلى الشواهد والمتابعات كما ذهب إليه الألباني وقد مر.

 وكذلك يضعفون آخرين لأسباب أخرى ليس المجال للتفصيل فيها هنا كالكلبي والحارث الأعور وعاصم بن ضمرة والمختار الثقفي وأبي هارون العبدي وغيرهم. قال الذهبي : " نعم فيهم -التابعين- عدة من رؤوس البدع، من الخوارج، والشيعة، والقدرية، نسال الله العافية، كعبد الرحمن بن ملجم، والمختار بن أبي عبيد الكذاب، وعبد الجهني. ثم كان في المائة الثانية في أوائلها جماعة من الضعفاء، من أوساط التابعين وصغارهم، ممن تكلم فيهم من قبل حفظهم، أو لبدعة فيهم كعطية العوفي، وفرقد السبخي، وجابر الجعفي، وأبي هارون العبدي. ". أقول: إذا كان رؤوس أهل البدع ظهروا في التابعين -مع غض النظر عن مناقشة المصاديق- فكبف يطلق السلف الصالح على أهل ذلك الزمان دون تمييز؟ فهذا كاف في تهافت 'السلفية الوهابية' في هذه النقطة.

بل لو خالف الصحابة العقيدة السلفية الوهابية فإنهم يضللون، فهذا الألباني يطعن في ابن عباس وهو حبر الأمة عندهم، عندما روى حديث ( ياعباد الله دلونا على الطرق) الظاهر في الاستغاثة، فبعد أن نقل تقوية أحمد للحديث وعمله به لم يرق له ذلك، فأبى إلا ألا يقبل الحديث ولو بالطعن في ابن عباس، قال: " ولكن الحديث عندي معلول بالمخالفة، والأرجح أنه موقوف، وليس هو من الأحاديث التي يمكن القطع بأنها في حكم المرفوع، لاحتمال أن يكون ابن عباس تلقاها من مسلمة أهل الكتاب. والله أعلم" .

 أقول: وهذا مثال واحد من أمثلة متعددة، وعليه يتأكد تلاعب الوهابية في منهجهم وعدم احترامهم لما قرروه هم، ولو قام مخالف لهم بمثل هذا في تفصيل آخر لاتهم بالرفض ومعاداة الصحابة، وويل للمطففيين! وهذا الجفاء منهم لابن عباس صار مشهورا لأنه يروي ما لا يروق لهم خصوصا ما جاء في تأويل بعض الآيات القرآنية وهو الذي دعا له النبي(ص) بقوله: ( اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب) كما رواه ابن ماجة وصح كذلك قوله عنه: ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ، من ذلك: تأويله الكرسي بالعلم، ففي تفسير ابن كثير: " وقوله: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس عن مطرف بن طريف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } قال: علمه، وكذا رواه ابن جرير من حديث عبد الله بن إدريس وهشيم، كلاهما عن مطرف بن طريف به، قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله " . وقد حاول البعض إثبات غير ذلك عن ابن عباس إلا أنه لا يصح . ومع ذلك تصر السلفية الوهابية خلافا للسلف الصالح بزعمهم على ما يلزم منه تجسيم الله تعالى، قال العثيمين: "الكرسي موضع قدمي الله" .

ومن ذلك تأويله النسيان الوارد في قوله تعالى : {فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} بالترك، كما في تفسير الطبري حيث قال ابن جرير : " أي ففي هذا اليوم ، وذلك يوم القيامة ننساهم ، يقول نتركهم في العذاب . . . " وقد نقل ذلك ورواه بأسانيده عن ابن عباس ومجاهد . . . وغيرهم .

ومن ذلك تأويله اليد بالقدرة في قوله تعالى : {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} الذاريات : 47 ، " قال : "بقوة " ، وقد نقل ابن جرير تأويل لفظة (أيد) الواردة في قوله تعالى : ( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون) بالقوة أيضا عن جماعة من أئمة السلف منهم: مجاهد وقتادة ومنصور وابن زيد وسفيان .

ومن ذلك تأويله قوله تعالى: { والتفت الساق بالساق } بالحرب . بينما ذهبت السلفية الوهابية في ذلك خلافا للسلف الصالح إلى أخذ كل تلك الأمور على المراد الحقيقي منها وإن راوغت بأن ذلك بدون تشبيه وما إليه. ومخالفتهم هذه لابن عباس ليس لشخصه بل لأنه ذهب إلى خلاف هواهم من تنزيهه الله سبحانه ولذلك خالفوا كل ما ثبت عن السلف الصالح منه وذهبوا إلى نقيضه مما في تجسيم الله تعالى وتشبيهه بخلقه، ومما يؤكد ذلك نفي السلف الصالح للحد عن الله تعالى بينما أثبته السلفيون الوهابيون، قال الإمام زين العابدين (ع) مما رواه 'السنة': (أنت الله الذي لا يحويك مكان ) وقال أيضا عن الله تعالى: ( أنت الذي لا تحدّ فتكونَ محدودًا ) ، وقال الإمام جعفر الصادق (ع) مما رواه 'السنة': "من زعم أن الله في شىء، أو من شىء، أو على شىء فقد أشرك. إذ لو كان على شىء لكان محمولا، ولو كان في شىء لكان محصورا، ولو كان من شىء لكان محدثا- أي مخلوقا"، بينما قال ابن باز زعيم الوهابية المعاصر، الذين يزعمون اتباع السلف الصالح، بأن الله له حدّ لا يعلمه إلا هو سبحانه .

 وهذا أمر معروف عندهم حتى ألف أحدهم وهو أبو محمد محمود بن أبي القاسم الدشتي كتابا في إثبات الحد لله وبأنه قاعد وجالس على العرش، والكتاب متوفر على الانترنت. وحتى البخاري الذي يزعمون صحة كل ما ورد في صحيحه كان على خلاف عقيدتهم فقد نقل الحافظ البيهقي في (الاسماء والصفات) ص: (470) عن البخاري أنه قال : " معنى الضحك الرحمة "، وقال: " روى الفربري عن محمد بن اسماعيل البخاري رحمه الله تعالى أنه قال : معنى الضحك فيه - أي الحديث - الرحمة " . وعندما يجادَل الوهابية ويُفحَمون في بعض المسائل اعتمادا على فهم وعمل الصحابة، فإنهم لا يتورعون أن ينسبوا بعض الشنائع لهم من أجل الحفاظ على عقائدهم الباطلة، فقد حوججوا بتبرك ابن عمر برمانة منبر النبي(ص) في معرض الاستدلال على جوازه، فما كان منهم إلا أن رموا ابن عمر بالتهور ، و كان ابن عمر يقرأ بعد دفن الميت أول سورة البقرة وخاتمتها كما رواه البيهقي، بينما الوهابية يقولون: إن ذلك حرام يعذّب فاعله في الآخرة ، وكان ابن عمرو يكتب : ( أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون) في صك ثم يعلقها في عنق من لم يبلغ من أولاده كما رواه الترمذي، بينما قال ابن باز زعيم الوهابية المعاصر بأنه يحرم تعليق آيات من القرآن أو الأدعية على الصدر .

 وكان ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف كما رواه أبو داود، بينما السلفية الوهابية يحرّمون أخذ أي شيء من اللحية في جميع الأوقات كما قال زعيمهم ابن باز . ولا يرعوون أن يسموا عمل الصحابة بدعة، فقد مر النبي (ص) على إحدى الصحابيات وهي تسبح بالحصى فلم ينكر عليها، كما رواه الترمذي والطبراني وابن حبان؛ وأما السلفية الوهابية فيقولون: السبحة من البدع المذمومة التي لا يجوز استعمالها وينهون عن إظهارها . وهكذا... وعلى هذا فليس السلف الصالح الواجبو الاتباع هم الصحابة ولا هم التابعون ولا هم تابعو التابعين بل هم السلفية الوهابية !!! الهوامش: 1

. http://mawdoo3.com/من_هم_السلفيون 2. أربع رسائل في علوم الحديث. للذهبي. مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب. ط:5 1990 بيروت. ص: 174. أقول: لابد من إعادة دراسة أحوال هؤلاء المضعفين لتخليص المظلومين منهم كعطية والمختار وغيرهما. 3. نظم الفرائد مما في سلسلتي الأباني من فوائد. عبد اللطيف بن محمد. م:1. مكتبة التعارف. الرياض. ص: 76 4. هذا حديث صحيح ولم يخرجه الشيخان، وإنما اتفق الشيخان على ما روى ابن عباس:أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الخلاء فوضعت له وضوءا، قال من وضع هذا؟ فأخبر، فقال: اللهم فقهه. وفي رواية البخاري: اللهم فقهه في الدين. وقال البخاري: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: ضمني النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: اللهم علمه الحكمة ـ حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث وقال: علمه الكتاب. اهـ. وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة فوضعت له وضوءا فقالت له ميمونة: وضع لك عبدالله بن العباس وضوءا، فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. وقد صححهالحاكم ووافقه الذهبي والعراقي والبوصيري والألباني. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: وعنه ـ يعني ابن عباس ـ قال: كنت في بيت ميمونة بنت الحارث فوضعت لرسول الله صلى الله عليهه وسلم طهورا، فقال: من وضع هذا؟ فقالت ميمونة: عبدالله، قال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.رواه الحارث بن أبي أسامة وأحمد بن حنبل بسند صحيح وهو في الصحيح دون قوله: وعلمه التأويل. اهـ. وقال الحميدي في الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم: عن عبيد الله بن أبي يزيد المكي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الخلاء فوضعت له وضوءا فلما خرج قال: من وضع هذا؟ فأخبر ـ في كتاب مسلم ـ قال: اللهم فقهه ـ وفي كتاب البخاري قال: اللهم فقهه في الدين ـ وحكى أبو مسعود قال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ـ ولم أجده في الكتابين، وروى البخاري من حديث الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: ضمني النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: اللهم علمه الحكمة ـ وفي رواية وهيب: علمه الكتاب. اهـ. وقال الهيثمي في غاية المقصد في زوائد المسند: عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على كتفي, أو على منكبي ـ شك سعيد ـ ثم قال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ـ قلت: هو في الصحيح خلا قوله: وعلمه التأويل. اهـ. وقال الحافظ العراقي في تخرج أحاديث إحياء علوم الدين: حديث: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ـ قاله لابن عباس، رواه البخاري من حديث ابن عباس دون قوله: وعلمه التأويل ـ وهو بهذه الزيادة عن أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد. انظر: http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=146975 5. تفسير ان كثير في ذيل تفسير الآية الكريمة. 6. قال ابن كثير نفسه: " ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: الكرسي موضع القدمين، ثم رواه عن أبي موسى والسدي والضحاك ومسلم البطين. وقال شجاع بن مخلد في تفسيره: أخبرنا أبو عاصم، عن سفيان، عن عمار الذهبي، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }؟ قال: " كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل " كذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاس، فذكره، وهو غلط، وقد رواه وكيع في تفسيره: حدثنا سفيان عن عمار الذهبي، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره. وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن محمد بن معاذ، عن أبي عاصم، عن سفيان، وهو الثوري، بإسناده عن ابن عباس موقوفاً مثله، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقد رواه ابن مردويه من طريق الحاكم بن ظهير الفزاري الكوفي، وهو متروك، عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعاً، ولا يصح أيضاً " نفسه. 7. كتابه "تفسير آية الكرسي" ص:19 مكتبة ابن الجوزي. 8. تفسير الطبري. مجلد: 5 / جزء 8 / ص 201 9. تفسير الطبري (7 / 27) 10. نفسه: 7/27 11. المعجم الكبير للطبراني. ط:2 دار إحياء التراث العربي. ص: 249 12. إتحاف السادة المتقين (4/ 380 13. في تعليق ابن باز على "العقيدة الطحاوية" ص12، طبعة الرياض. 14. الأسماء والصفات. البيهقي. ص: (470) 15. ص (298) 16. رواه زين العابدين الجفري في شريطه عن الوهابية والفيديو متوفر على الانترنت. 17. توجيهات إسلامية. ص137، طبع وزارة الشئون الإسلامية، الرياض. 18. فتاوى مهمة" ص110ـ111 دار العاصمة، الرياض. 19. "التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة" ص16. 20. الهدية السنية" لعبد الله بن محمد ابن عبد الوهاب ص47، مطبعة المنار، مصر.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز