احمد الادريسي
elmouaden@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 March 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
دراسة نقدية لظاهرة التكفير عند السلفية الوهابية 23

القسم الثاني: نقد نظرية 'مذهب السلف الصالح' السلفية الوهابية هل معلومات الوهابية صحيحة؟ إن عرض السلفية الوهابية للسلف الصالح يفهم منه أن أهل القرون الإسلامية الثلاثة الأولى كانوا على رأي واحد، وقلب واحد، وكانوا جميعا مظنة الخيرية؛ وأن السلفية اليوم يفهمون الإسلام بفهم السلف الصالح حتى جوزوا الحديث في كتبهم ودروسهم عن مذهب للسلف. وهذا يفهم من فتوى الجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء بالمملكة السعودية المتقدمة والتي جاء فيها: " السلفية نسبة إلى السلف والسلف هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة الهدى من أهل القرون الثلاثة الأولى {رضي الله عنهم} الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير في قوله: {خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجئ أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته}. رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم، والسلفيون جمع سلفي نسبة إلى السلف (أيضا)".

  ومن قول ابن عبد الوهاب : "نحن مقلدون للكتاب والسنة وصالح سلف الأمة". فهل الأمر كذلك؟ الفصل الأول: هل وجد مذهب للسلف بالمعنى السلفي الوهابي: لم ينل من العلم شيئا اللهم ركما لمعلومات نمطية مترهلة من يزعم أن سلف هذه الأمة في القرون الثلاثة الأولى كانوا على مذهب واحد سواء بالمعنى العقائدي أو الفقهي. بل لقد كانت تلك الفترة هي الحضن الذي ترعرعت فيه الخلافات المذهبية والسياسية بين المسلمين. فبدء من خلاف السقيفة وانقسام مجتمع الصحابة بعد وفاة النبي( ) على الأقل إلى فئتين: واحدة تناصر أهل البيت(ع) وهم من عرفوا بـ'الشيعة' قبل موقعة صفين بزمان، وأخرى على الأقل لا تعترف بفضلهم عليهم وهم رموز 'أهل السنة' اليوم.

 وفي أتون هذا الخلاف وقعت تجاوزات وفظائع معروفة ليس المجال للتفصيل فيها الآن، ولكنها شكلت قطعا الحطب المعرفي لنار التفرقة التي لا زالت تعاني منها الأمة إلى يوم الناس هذا. ومع الإغماض عن الخلافات السياسية تلك فقد ظهرت إلى السطح في مجتمع الصحابة خلافات عقائدية كانت فرقة الخوارج أبرز من مثلها، ثم بعدهم وداخل إطار تلك القرون ظهرت المرجئة والجبرية والقدرية والمشبهة والمجسمة وغيرها، وظهرت أيضا المذاهب الفقهية المختلفة. فكيف يقال بمذهب واحد للسلف رغم وجود ذاك الخلاف الكبير؟ وكيف يجعلونهم كتلة واحدة في مقام المرجعية والاقتداء وهم قد كفروا أنفسهم بتكفير إخوتهم، وقاتل بعضهم بعضا، وقتلوا أئمتهم وذرية نبيهم( )، وأحرقت الكعبة في زمنهم، واغتصبت نساء المدينة كما في الحرة من بعضهم، وقتل برابرتهم الناس تحت كل حجر ومدر على الشبهة والظنة؟ ثم كيف يدعى وجود مثل هذا المذهب مع الخلاف المعروف بين المذاهب الأربعة السنية وغيرها: "فالإمام أبو حنيفة -كما يلخص محمد الكثيري في كتابه - في نظر الإمام أحمد بن حنبل مرجئي، والمرجئي ضال منحرف. وقد كفرته باقي الفرق، وهو يقول بخلق القرآن، وعليه فقد لزمه الكفر لأن كل من قال بخلق القرآن فهو جهمي وكل جهمي في نظر الحنابلة وإمامهم كافر.

 وهذه مسألة متعلقة بالعقائد وأصول الدين و ليست من الفروع حتى يقال لا يضر الاختلاف فيها. وكان أبو حنيفة على بيعة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.. ومن جملة شيعته، حتى رفع الأمر إلى المنصور فحبسه حبس الأبد حتى مات في السجن. ومحمد بن عبد الله هذا كان أحد رجالات الشيعة الأوائل. ومناصرة أبي حنيفة له تعني خروجه على طاعة إمام زمانه، وإمام السلفية أحمد بن حنبل يؤمن بخلافة بني العباس ولا يجوز الخروج عليهم ولا على غيرهم، وهو موقف أصحاب الحديث بشكل عام. وهذا العمل لا شك أنه أخرج أبا حنيفة من مفهوم السلف المتشبثين بالجماعة الخاضعين لطاعة السلاطين وإن فجروا وظلموا". ولم يكن الأمر على أفضل حال في ما يخص علم الحديث.

 يستأنف السيد الكثيري : "وأما أصحاب الحديث وجامعي السنن فحدث ولا حرج، فمذاهبهم الأصولية والاعتقادية بعدد الأحاديث التي رووها ودونوها في كتبهم. ففيهم المنزهة، وفيهم المشبهة المعتدلين، والمشبهة الغلاة، وفيهم المجسمة المعتدلين والغلاة، وفيهم الجبرية والقدرية، والمرجئة بكل فرقهم والخوارج والشيعة كذلك. وانتشر بينهم التكفير والطعن على بعضهم البعض، يقول ابن قتيبة وهو محدث يصف حالهم : " وكان آخر ما وقع من الاختلاف أمرا خص بأصحاب الحديث الذين لم يزالوا بالسنة ظاهرين وبالأتباع قاهرين يداجون بكل بلد ولا يداجون ويستتر منهم بالنعل ولا يستترون، ويصدعون بحقهم الناس ولا يستغشون، لا يرتفع بالعلم إلا من رفعوا ولا يتضع فيه إلا من وضعوا ولا تسير الركبان إلا بذكر من ذكروا إلى أن كادهم الشيطان بمسألة لم يجعلها الله تعالى أصلا في الدين ولا فرعا.

 في جهلها سعة وفي العلم بها فضيلة، فنمى شرها وعظم شأنها. حتى فرقت جماعتهم وشتتت كلمتهم ووهنت أمرهم وأشمتت حاسديهم، وكفت عدوهم مؤنتهم بألسنتهم وعلى أيديهم فهو دائب يضحك منهم ويستهزئ بهم حين رأى بعضهم يكفر بعضا وبعضهم يلعن بعضا. ورآهم مختلفين وهم كالمتفقين ومتباينين وهم كالمجتمعين". ثم يضيف: "قد يتأول بعضهم هذا الاسترسال في الإكفار بأنه من قبيل كفر دون كفر، لا الكفر الناقل من الملة، وفاته أن الوارد في الأثر من كفر دون كفر هو ما يكون من قبيل كفران العشير ونكران الجميل وظاهر عدم تمشي ذلك في أمثال هذه المواضع، على أن بعضهم يصرح بأن مراده بالكفر الكفر الناقل. فهذا يقطع قول كل خطيب، وإن كان الكفر الناقل متفاوت الدركات" .

  ثم نقل السيد الكثيري نصا آخر أورده عبد الله بن حنبل في كتابه " السنة " يلقي الضوء على عقائد أهل الحديث المتهافتة، يقول: " حدثني يحيى بن أيوب أملاه سنة 235 ه‍، حدثنا أبو حفص الأبار حدثني شيخ من قريش عن الشعبي قال: إرجئ الأمور إلى الله ولا تكن مرجئا. وأمر بالمعروف وإنه عن المنكر ولا تكن حروريا، وأعلم أن الخير والشر من الله ولا تكن قدريا. قال يحيى بن أيوب وحدثني رجل كان إلى جنب الأبار أن الشعبي قال: مع هذا وأثبت صلاح بني هاشم ولا تكن شيعيا".

  وبعد، دعونا نتساءل مع السيد الكثيري : " إذا كان مذهب السلف ما كان عليه الإمام مالك فلماذا يرفض المذهب المالكي وينهى السلفيون المعاصرون عن تقليده ؟ ! ولماذا كفر أسلافهم من " الحنابلة " فيما مضى أتباع المذهب الشافعي، وسبوا صاحبه وطعنوا في إمامته ؟ ووقفوا للشوافع في الطرقات وترصدوا لهم وقتلوهم. ولماذا نهى إمام الحنابلة كما يدعون عن تقليد الشافعي وأبو حنيفة ومالك ؟ !

وإذا لم يقلد هؤلاء الأئمة فيما اجتهدوا فيه ورأوه فماذا يبقى منهم يا ترى ؟. وكيف سنتخذهم قدوة وسلفا لنا، إن لم نأخذ بأقوالهم وأفعالهم كما نأخذ أقوال وأفعال غيرهم عند الاقتداء والتقليد ؟". غير أن هناك من السلفية من لا يوافق على اعتبار كل أهل القرون الثلاثة ممثلين لمذهب السلف ويستثني منه من: "رمي ببدعة أو شهر بلقب غير مرضي مثل الخوارج والروافض والمرجئة والجهمية والمعتزلة، وسائر الفرق الضالة ". وقد رد عليه السيدالكثيري ردا حسنا فقال: " وهذا التحديد بدوره عام ومبهم وغير مفصل. وعند التحليل سينقض عروة عروة. أولا لأن القرون الثلاث الموسومة بالخيرية تشمل كل هذه الفرق التي ذكرها وأخرجها من مذهب السلف.

 فإذا كان يقصد بالروافض من رفض خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فعدد من الصحابة والتابعين ومن تبعهم رفض هذه الخلافة، منهم علي بن أبي طالب والحسن والحسين وسلمان الفارسي والمقداد وأبو ذر الغفاري، وغيرهم كثير يتجاوز المائة صحابي، ومئات التابعين منهم: زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق أستاذ الأئمة وشيخ السلف بالإجماع.

 وهؤلاء وغيرهم من كبار التابعين والسلف باتفاق جل المؤرخين المسلمين. أما المرجئة فقد عرف لفيف من الصحابة والتابعين بالإرجاء ويكفي ما ذكرناه سابقا من أن أبا حنيفة عرف بالإرجاء هو وتلامذته. وقد انتشر الإرجاء في العهد الأموي الأول، حتى قيل ليس هناك كور في الإسلام إلا وغلب عليه الإرجاء. أما الجبر فقد فشا في أهل الحديث.

واعتبر العقيدة الرسمية للدولة الأموية. ولا نظن أن سلفيا قديما أو معاصرا، يشك في سلفية معاوية ابن أبي سفيان والبيت الأموي الحاكم من بعده. وللسلفيين اعتقادات خاصة في معاوية وابنه يزيد وقد ألفوا الكتب في فضائلهما وتنزيههما وجاؤوا بالغرائب في ذلك، كما يقول ابن كثير المؤرخ. أما قوله " الجهمية والمعتزلة " فالآراء التي أخرج بها الدكتور السلفي هاتين الفرقتين من مذهب السلف، قد اعتنقها بعض الأئمة الأربعة وكثير من الفقهاء وأصحاب الحديث، وقد كان أبو الوفاء ابن عقيل وهو أحد كبار المحدثين والفقهاء الحنابلة السلفيين يعظم المعتزلة ويترحم على الحلاج وقد درس علم الكلام سرا على يد بعض شيوخ الاعتزال، فاكتشفه الحنابلة فطلبوا أذاه فاختفى في دار السلطان. ولم يغفر الحنابلة له ذلك حتى كتب بخطه كتابا يقر على نفسه بالخطأ ويبرأ منه ويعطي إمام المسلمين الحق في التنكيل به إذا ظهر منه فيما بعد شئ مماثل لما كان عليه" .

" نعتقد إن هذا الالتزام الخطي الذي كتبه هذا المحدث السلفي الكبير على نفسه تحت الإكراه والخوف من بطش أصحابه الحنابلة لم يكن ليغير في معتقداته بهذه السهولة ولا أدل على ذلك من أنه هو الذي تكفل بتغسيل الفقيه الأشعري الشافعي أبو إسحاق الشيرازي لما توفي وصلى عليه بباب الفردوس" ثم يتابع السيد الكثيري فيقول: " والحنابلة كما هو معلوم يكفرون الأشاعرة والشوافع، وعمل ابن عقيل هذا هو خلاف لما عليه أصحابه. وهذا دليل على أنه يختلف عنهم في المعتقد ولو حسب منهم. والأمثلة على ما ذكرنا كثيرة، وإيرادنا لهذا المثال هو فقط للتدليل على عدم صحة التعميم لأنه خلاف الحق. وقد سئل الحسن البصري وهو تابعي ومن أقطاب السلف لدى " السلفيين " عن عمرو بن عبيد رأس المعتزلة فأجاب سائله قائلا: " لقد سألت عن رجل كأن الملائكة أدبته وكأن الأنبياء ربته، إن قام بأمر قعد به، وإن قعد بأمر قام به وإن أمر بشئ كان ألزم الناس له، وإن نهى عن شئ كان أترك الناس له، ما رأيت ظاهرا أشبه بباطن منه، ولا باطنا أشبه بظاهر منه. إن عالما جليلا - كما يقول الدكتور الشكعة - مثل الحسن البصري لا يمكنه أن يصف عمرو بن عبيد بهذه الأوصاف لو كان فيه قيد شعرة من انحراف في مذهبه واعتقاده" .

 " بالإضافة إلى أن عددا من خلفاء بني العباس كانوا على مذهب الاعتزال ولم يقل أحد من أئمة الفقه أو الحديث بأنهم كفار. بل كانوا يصلون وراءهم ويحجون معهم ويغزون. وقد كان الإمام أحمد ابن حنبل عباسي الميل السياسي، ولعله الوحيد بين الأئمة الأربعة الذي يرى هذا الرأي .

 فكيف بزعيم السلفية - كما سيدعي أصحابه فيما بعد - يوالي المنحرفين والكفرة إن كان المعتزلة فعلا كذلك." وعلى هذا، وهو نزر يسير واكتفينا بالنقل من مصدر واحد لشهرة ذاك الأمر، وتعدد مراجع نفس هذا المصدر، يظهر أن السلف بما هم لم يكن لهم مذهب واحد، بل كانوا مختلفين من أخمص قدمهم إلى أعلى قمتهم. أما عن مآل تلك النصوص المذكورة في المقام والتي يفهم منها إطراء للسلف فقد قدمنا أنها يمكن أن تفهم على نحو خاص .

الفصل الثاني: والسلف لم يكونوا سلفيين: ظاهر أن مصطلح السلفية أمر مبتدع حتى لو سوغناه من باب 'بدعتهم الحسنة' أو عنوانا للمعنون الذي توصلنا إليه، فما كان يعرف الناس في تلك القرون الأولى به حتى أحدثته الحنابلة أو الحشوية بتعبير غيرهم. ولذلك اعتبر كثير من المعاصرين كالد. الشهيد البوطي التسمي بالسلفية بدعة وأفرد لذلك بابا في كتابه عن السلفية تحت عنوان( التمذهب بالسلفية بدعة لا يقرها اتباع السلف)، ومما قال هناك: " إنا لا نعدو الحقيقة إن قلنا: إن اختراع هذا المصطلح بمضامينه الجديدة التي أشرنا إليها، بدعة طارئة في الدين، لم يعرفها السلف الصالح لهذه الأمة ولا الخلف الملتزم بنهجه. فإن السلف رضوان الله عليهم، لم يتخذوا من هذه الكلمة بحد ذاتها مظهرا لأي شخصية متميزة، أو أي وجود فكري أو اجتماعي خاص بهم يميزهم عمن سواهم من المسلمين.

 ولم يضعوا شيئا من يقينهم الاعتقادي أو التزاماتهم السلوكية والأخلاقية في إطار جماعة إسلامية ذات فلسفة وشخصية فكرية مستقلة. بل كان بينهم وبين من نسميهم اليوم بالخلف منتهى التفاعل وتبادل الفهم والأخذ والعطاء تحت سلطان ذلك المنهج الذي تم الاتفاق عليه والاحتكام إليه. ولم يكن يخطر في بال السابقين منهم ولا اللاحقين بهم أن حاجزا سيختلق، ليرتفع ما بينهما، بصنع طائفة من السلمين فيما بعد، وليقسم سلسلة الأجيال الإسلامية إلى فريقين، يصبغ كلا منهما بلون مستقل من الأفكار والتصورات والاتجاهات. بل كانت كلمتا السلف والخلف في تصوراتهم لا تعني – من رواء الانضباط بالمنهج الذي ألمحنا إليه – أكثر من ترتيب زماني كالذي تدل عليه كلمتا: ( قبل وبعد).." وهذا ما أكده أبو زهرة في نصه المتقدم الذي نعيده هنا للحاجة إليه هنا، قال : " نقصد بالسلفيين أولئك الذين نحلوا أنفسهم ذلك الوصف، وإن كنا سنناقش بعض آرائهم من حيث كونها مذهب السلف، وأولئك ظهروا في القرن الرابع الهجري، وكانوا من الحنابلة، وزعموا أن جملة آرائهم تنتهي إلى الإمام أحمد بن حنبل الذي أحيى عقيدة السلف، وحارب دونها، ثم تجدد ظهورهم في القرن السابع الهجري، أحياه شيخ الإسلام ابن تيمية وشدد في الدعوة إليه، وأضاف إليه أمورا أخرى قد بعثت إلى التفكير فيها أحوال عصره، ثم ظهرت تلك الآراء في الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر الهجري، أحياها " محمد بن عبد الوهاب " - في الجزيرة العربية - وما زال الوهابيون ينادون بها ويتحمس بعض العلماء من المسلمين لها".

والحق معهما وكل من رأى ذلك إذ لم يسمع بهذا المصطلح في القرون الثلاثة الأولى التي هي ظرف السلف الصالح المدعى ودون إثبات ذلك خرط القتاد. وعليه فلم يكن أولئك سلفيين إسما ولا مسمى. ولم يكن منهجهم منهجا واحدا حتى يدعى لهم إمكان ذلك من حيث المضمون كما مر في النقطة السابقة، اللهم إلا على مبنى الشهيد البوطي أي بما هم مؤسسي المنهج الأصولي الإسلامي والذي هو بنفسه يسمح بالاختلاف، أو على مبنانا الخاص الذي قدمناه من أن مصداق السلف الصالح هم أهل البيت(ع).

الفصل الثالث: صالح السلف لا السلف الصالح: وكما تحققنا من عدم وجود منهج سلفي في زمان السلف بالمعنى الذي تذهب إليه السلفية الوهابية، فكذلك لم يكن سلف هذه الأمة على قلب رجل واحد، لا في زمن الصحابة ولا زمن التابعين وتابعيهم. وقد قدمنا أن الصحابة قتل بعضهم بعضا واستحلوا الحرمات وظهر النفاق والردة والنكث والبغي والخوارج في زمنهم، واستفحل ذلك في زمن التابعين وتابعيهم كما تشكلت الفرق الإسلامية العقائدية والفقهية في هذا الزمن. فمنذ زمن الصحابة سل السيف على الإمامة، وفي سبيلها وقعت رزية الخميس فعن ابن عباس أنه قال: ( يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال اشتد برسول الله وجعه يوم الخميس فقال ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا هجر رسول الله قال دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه وأوصى عند موته بثلاث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة ) ، وقد كنت علقت على هذا الحديث في كتابي ( نظرات في النظرات) بهذا الكلام: "وفي الروايات الأخرى لف ودوران عجيب، فحين لا يعلن عن اسم زعيم هذه الحركة الاحتجاجية يفرج عن عباراته الخطيرة المواجهة للحضرة النبوية المعصومة من قبيل: يهجر..

 وحينما يصرح باسمه وهو عمر بن الخطاب الصحابي الشهير يخفف الشيخ البخاري -ومن لف لفه- ويهذب من ألفاظ الرواية ويثبت له قولا لينا من قبيل: فقال عمر: إن النبي قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. والإنصاف أن القولتين -المغلظة والمخففة- انقلاب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورد على الله عز وجل الآمر بإطاعة النبي وتكذيب له وهوسبحانه المخبر في كتابه العزيز عن أن نبيه المعصوم لا ينطق عن الهوى وإن هو إلا وحي يوحى سواء كان في صحة أو مرض، وأن الدين لا يمثله القرآن وحده بل الحاجة فيه إلى السنة أكبر كما يعرف القاصي والداني "،

وفي هذا العهد وقعت حروب مانعي الزكاة وهي غير حروب الردة، ووقعت تجاوزات كبيرة أدت إلى مقتل عمر وعثمان، ولما ولي أمير المؤمنين(ع) حاربه الصحابة في ثلاث معارك هي الجمل وصفين والنهراوان حتى قتل عليه السلام، وفي هذا العهد تغلب الطلقاء على الأمة وحكمها معاوية بن أبي سفيان ملكا عاضا شاب من جرائمه الولدان ومن أظهر ما قام به معاوية هذا القضاء على السنة النبوية من خلال تشريعه الكذب على رسول الله (ص) بعدما ضيعها الذين من قبله من خلال المنع من تدوينها، فقد روى المدائني الثقة في كتاب الأحداث قال: " كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: «أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته»، فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر، يلعنون علياً ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة علي(ع)، فاستعمل عليهم زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة، وهو بهم عارف، لأنه كان منهم أيام علي(ع)، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبقَ بها معروف منهم، وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: «ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة».

 وكتب إليهم: « أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته» ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملاً من عمال معاوية، فيروي في عثمان أو منقبة إلاّ كتب اسمه وقربه وشفعه، فلبثوا بذلك حيناً. ثم كتب إلى عمّاله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية « فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة الخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحبّ إليّ وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله».

 فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشدوا بذكر ذلك على المنابر، وألقى إلى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله. ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: « انظروا من قامت عليه البينة إنه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكلوا به، واهدموا داره».

 فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة، حتى أنّ الرجل من شيعة علي(ع) ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته، فيلقي إليه سره، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الإيمان الغليظة، ليتمكن عليه، فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاء والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون والمستضعفون، الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقربوا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها، وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تديّنوا بها. فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسين بن علي(ع)، فازداد البلاء والفتنة فلم يبقَ أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه، أو طريد في الأرض " وهكذا انطلق مسلسل تشظي التاريخ الإسلامي وانصب القتل والتطريد والتشريد على الذرية الطاهرة للنبي صلى الله عليه وآله بعد مقتل علي(ع) والحسن(ع) والحسين(ع)، وتكرست محاولة استئصال الشجرة النبوية والعلوية الزكية وفي ظلها طحن جماهير المستضعفين الذين غزوا بلدانهم بعنوان الإسلام وكان المقصد المال والرزق والنسوان ولا حول لهم ولا قوة إلا بالله، وهكذا صدق فيهم وعد النبي(ص) فاتخذوا عباد الله خولا ومال الناس دولا، أموالهم للحكام ينوء بها المركوب ونساؤهم جواري حسان تملأ القصور وتباع هي وأولادها في أسواق النخاسة، حتى سلط الله على هذه الأمة بعد ذلك من دونها فساءها سوء العذاب، ثم تداعت عليها كل الأمم كمت تتداعى الأكلة إلى قصعتها فأضحت أضحوكة الزمان وألعوبة بيد الصبيان.

  وفي ذلك الزمان بعدما أقصي أهل البيت(ع) ومنع من تدوين السنة وأشيع الوضع على رسول الله(ص) فتلوعب بالقرآن إضافة إلى بعض العوامل الأخرى ظهرت البدع والفرق المختلفة العقائدية والفقهية فكان تشتت الأمة العقائدي طريقا لذلك التشتت السياسي والجغرافي والتاريخي الذي ما زلنا نعاني منه إلى اليوم. نعم لا يجب رمي الجنين مع ماء الغسيل، فقد بقي البعض تقيا نقيا، وفيا صالحا، وأظهر مثال لذلك هم أئمة أهل البيت(ع) وشيعتهم، وهذا لا يشك فيه إلا متعصب ناصبي أو عدو عنيد. وعلى هذا فيحسن الحديث عن صالح السلف بدلا من السلف الصالح وتمييزهم من غيرهم سهل على من سهل الله عليه إذا جعل الميزان هو موالاة آل محمد(ص). وهو ما قد يظهر من كلام ابن عبد الوهاب نفسه وإن كان هو على نقيض مبناه، قال : "نحن مقلدون للكتاب والسنة وصالح سلف الأمة". هذا والوصف قيد.

هوامش:

1. الملل والنحل للشهرستاني، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت، ج 1 ص 158. عن السلفية بين أهل السنة والإمامية لمحمد الكثيري. ص33 نسخة إلكترونية. 2. نفسه. 3. الإختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 12 عن السلفية بين أهل السنة والإمامية لمحمد الكثيري. ص33 نسخة إلكترونية. 4. نفسه عن نفس المصدر. الهامش ص 12 5. السنة، عبد الله بن أحمد بن حنبل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 1985 م، ص 227 – 228 عن السلفية بين أهل السنة والإمامية لمحمد الكثيري. ص33 نسخة إلكترونية. 6. نفسه. 7. كالسلفي أحمد بن حجر آل بوطامي. عن السلفية بين أهل السنة والإمامية لمحمد الكثيري. ص36 نسخة إلكترونية. 8. النهج الأحمد في تراجم أصحاب أحمد، مجير الدين عبد الرحمن بن محمد العليمي، عالم الكتب، ط 2 ص 1984 م، بيروت، ص 37. عن السلفية ص37 9. طبقات الفقهاء، أبو إسحاق الشيرازي الشافعي، دار الرائد العربي، بيروت، 1970 م، ص 15. عن السلفية ص37 10. السلفية ص38 11. إسلام بلا مذاهب، الدار المصرية للطباعة والنشر، بيروت، ص 497. عن السلفية ص38 12. المرجع نفسه، ص 434، " كان أحمد يقول: الأئمة من قريش، ويعين على إمامة ولد العباس ويقول العباس أبو الخلفاء "، وقد كان أبوه محمد والي سرخس، وكان من أبناء الدعوة العباسية. أنظر مختصر طبقات الحنابلة لابن الشطي، ص 8. عن السلفية ص38 13. انظر علاقتي الضرورة والإمكان من هذا البحث. 14. السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي. د. محمد سعيد رمضان البوطي. ص: 220 15. تاريخ المذاهب الإسلامية. محمد أبو زهرة. تحت عنوان: السلفيون ورقم:237 ص177 نسخة مصورة pdf 16. صحيح البخاري: 2825 17. ابن أبي الحديد،شرح النهج:3/15،16- أحمد أمين، فجر الإسلام:275 18. الرسائل الشخصية. مؤلفات الشيخ "القسم الخامس ص: 96.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز