نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
ما بين عادل الجبير والمطربة أحلام؟

في الوقت الذي لا ينفك فيه عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، عن إطلاق التصريحات الاستفزازية التي يريد من خلالها تحديد شكل ولون ومستقبل ومصير سوريا ونظام حكمها ومن يحكمها، نيابة عن الشعب السوري بأسره، دون معرفة من فوّضه وكلـّفه وأعطاه الحق بذلك، في واحدة من أحط أشكال التدخل السافر في شؤون الدول الأخرى المعروفة في التاريخ الدبلوماسي والعلاقات بين الدول، وبكل ما فيها من انتقاص لكرامة وسيادة شعب وبلد عضو في الأمم المتحدة،

 نقول في هذا الوقت تقوم المطربة الإماراتية المدعوّة “أحلام”، أيضاً، وعلى خط موازٍ آخر، بإطلاق سلسلة من “التغريدات” على صفحتها على “Twitter” قالت في إحداها: “اللي بحب الفلافل يسوي ريتويت”، وهو نوع من “الاستهزاء” بـ , والحط من شأن لبنان الذي يعرف بهذه الأكلة الشعبية، والغمز حتى من طريقة ونوعية أكل الشعب اللبناني “البسيطة” والدرويشة، كما يـُعتقد من قراءة “التويتة”.

 وتتمادى الفنانة الإماراتية في توجيه سلسلة من الإهانات بـ”الجملة” للشعب اللبناني قائلة: “” أنا بقول للشحادين بدل ما تتكلموا على الملكة، خليهن يلموا الزبالة يلي ملت الشوارع كنوع من الوطنية.. وين نقابة الفنانين المحترفين لما الزبالة اللي في لبنان تسيء لبنت الإمارات نايمين والا انتوا على راسكم ريشة”.

وحقيقة، فهذا غيض ضئيل من فيض جارف من نهج دخل حيز المقدّس على مدى 1450 عام تقريباً، واليوم قد يأتيك أي جاهل وأمّي من ذات المكان ليفتي لك ويحدد ويدلي بدلوه ويتفذلك في أعقد القضايا والاستراتيجيات.

ومع الفارق والحيـّز الذي يبدو شاسعاً بين تصريحات الجبير، و”تويتات” المطربة أحلام، وبواعث ذلك كله، وأهدافه، وبغض النظر عن مضامينه مجتمعة، فثمة أمر واحد جامع بينهما، ألا وهو “الثقافة” التي هيمنت على المنطقة طيلة أربعة عشر قرناً منصرماً، والتي أعطت أمثال هؤلاء حقوقاً في “التنظير” وإعطاء الدروس لشعوب المنطقة، وإهانتها والحط من قدرها، عبر ثقافة “الهيمنة”، والتدخل بشؤونهم، وإعلان الوصاية العقائدية والإيديولوجية عليهم، واعتبار هذه الشعوب والبلدان مناطق نفوذ أيديولوجي وسياسي وملكاً حصرياً لساكني بلاد القحط والرمال، يحق لأي شخص ساكن في تلك الصحراء من التدخل بموجبها بشؤون هذه الدول وفرض أرائه ورؤاه عليها وتحديد مصيرها، وإصدار “الحلول” و”الفتاوى” اللازمة لها، واعتبار شعوب المنطقة قاصرة ثقافة وفكرياً وعقائدياً وعقلياً وسلوكياً لدرجة أنها لا تعرف وتتعثر، حتى، في الدخول لـ”الحمـّام”، وأن ساكن الصحراء ذاك آتٍ لتطويرهم وفرض الإملاءات عليهم، و”نقلهم” من الظلمات للنور، وتمدينهم وتطويرهم وتخليصهم من معاناتهم بحلول سحرية نازلة من السماء.

وحقيقة، ومع ذلك، وبالرغم من كل تلك الفظاظة والفجاجة في تصريحات الجبير، فإنها لم تصل حتى اللحظة حد ما فعله “السلف الصالح” من تدخل سافر بشؤون شعوب المنطقة، تحت ذرائع إيديولوجية وغيبية، وهو تحديد “الولاة” والحكام، وإرسالهم من الصحراء لتولي مقاليد الحكم في البلدان المجاورة “المحتلة” الخاضعة لسلطانهم، كما كان يحصل خلال الأربعة عشر قرناً الماضية، حيث كان جميع الحكام الذي تناوبوا مثلاً على حكم سوريا، هم من أصول غير سورية، وما يحاول الجبير، وغيره كأردوغان، فعله اليوم، تحت ذات المبررات، فحقيقة الأمر بالنهاية هو إعادة إحياء تلك “السنة” والبدعة وإعادة استنساخ ذاك النمط من “الاستعمار” الثقافي والسياسي والسلطوي لسوريا، بعدما وصل هذا البلد، في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد*، حداً من الاستقلال الذاتي، والقوة الإقليمية الكبرى، المستقلة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، جعلها تتحكم وتلعب بملفات إقليمية رئيسية، وبكل ما يعنيه ذلك من تهميش وإلغاء وتحييد للدور “السعودي” التاريخي (كوريث لدور أسلافه الصحراويين التسلطي)، وإنهاء للهيمنة “الثقافية” تلك بالمحصلة النهائية، فكان لا بد من “تحجيم” القوة السورية المتنامية والصاعدة، وضربها في مقتل، وإعادتها إلى حظيرة الوصاية والتبعية الثقافية والإيديولوجية ومنطقة النفوذ السياسي لـ”الصحراء”. وهذه هي إحدى أهم استراتيجيات وأهداف ما عـُرف بـ”الثورة السورية” التي تقودها وترعاها السعودية من بابها لمحرابها.

يتشعب ويمتد ويطول الجدل جداً والعـَدْوُ في هذا المضمار اللا متناهي، والخوض في هذه الإشكالية التي لا تنتهي، لكن نجمل القول بإن ما يحصل اليوم هو امتداد، وجزء من إرث تاريخي ثقافي وسلطوي ثقيل الظل والوطأة، ومعضلة ستتجدد بين فينة وأخرى، ما لم يكن هناك سبيل “ثقافي”، تحديداً، للتحرر والانعتاق. *تنويهاً: الرئيس الراحل حافظ الأسد هو أول سوري، من أصول سورية، ومن عامة الشعب السوري البسيط، يتولى حكم سوريا في العام 1970م.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز