أ. د. بسيوني محمد الخولي
dr.elkholie30101955@gmail.com
Blog Contributor since:
10 December 2015

كاتب واكاديمي من مصر



Arab Times Blogs
بنو إسرائيل واليهود بين عقاب الله وكراهية الناس ـ لعنة أبدية وشعور متأصل ـ2

بنو إسرائيل واليهود بين عقاب الله وكراهية الناس لعنة أبدية وشعور متأصل ـ دراسة تاريخية تحليلية موثقة (2)

يعقوب [ إسرائيل] والأسباط [مجتمع البدو] نبي الله يعقوب هو بن نبي الله إسحاق بن أبي الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن ، وليس بن إبراهيم كما توهم البعض ، ويعقوب بن إسحاق هو الذي ورد ذكره في القرآن الكريم باسم "إسرائيل" التي تعني بالآرامية القديمة "عبد الله" . قال

 تعالى " كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِه" (آل عمران 93). وقال تعالى "أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا" (مريم 58) . وقد حفل القرآن الكريم بالعديد من الآيات التي تخاطب ذرية إسرائيل عليه السلام ، حيث ورد هذا الخطاب في نحو أربعين موضعاً في القرآن الكريم . نحو قوله تعالى "يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون" (البقرة 40) . والآيات التي ذكرها القرآن الكريم عن النبي يعقوب عليه السلام كلها تدل على أنه كان على ملة أبيه إبراهيم عليه السلام ، وقد أوصى بنيه من بعده باتباع ملة أبية إبراهيم حنيفاً ، وعدم الحيد عنها ، لأنها هي ملة الإسلام لله وحده. قال تعالى "ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين*إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين*ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بَني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون*أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلاهاً واحداً ونحن له مسلمون" (البقرة 130 : 133) . كما أخبرنا القرآن الكريم فى مواضع عديدة أن يعقوب عليه السلام كان من أهل العمل الصالح ، والعلم النافع ، والقوة في العبادة ، والبصيرة النافذة .

  عندما تزوج إسحاق عليه السلام رُزق بولدين ، أحدهما سماه عيصو، والثاني خرج وهو آخذ بعقب أخيه ، فسموه يعقوب ، وهو إسرائيل ، الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل وهم غير اليهود . فبنو إسرائيل هم الأسباط الإثنى عشر الذين أنجبهم يعقوب من زوجيه الشقيقتين ليا وراحيل بنتي خاله لابان ، ومن انحدر من نسل الأسباط الإثنى عشر حتى يومنا هذا هم من بني إسرائيل . قال تعالى "وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين*قولوا آمنا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون" (البقرة 135 و136) . وفال تعالى "أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون" (البقرة 140) . وقال تعالى "قل آمنا بالله وما أُنزل علينا وما أُنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون" (آل عمران 84) . وقال تعالى "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً" (النساء 163) .

وقال تعالى "وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطاً أمماً وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" (الأعراف 160) . ونستخلص مما تقدم أن كل من ينحدر من نسل أي سبط من الإثني عشر سبطاً هو من بني إسرائيل ، ويرجع إلى إسحاق وإبراهيم .

  وبدأت تسمية اليهود ، من الذين هادوا ، منذ واقعة عبادة بني إسرائيل للعجل والسبعين نقيباً الذين اختارهم موسى لميقات ربه ، فمن سوى السبعين نقيباً من السفهاء الذين عبدوا العجل هم من بني إسرائيل نسل الأسباط ، ولكنهم بعبادتهم العجل خرجوا من ملة الأسباط ويعقوب وإسحاق وإبراهيم ، ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ، فمن تاب منهم ظل على وضعه منتسباً إلى الأسباط بني إسرائيل ، أما السبعون نقيباً فهم أول من سموا بالذين هادوا وعُرف نسلهم باليهود ، وأصبح اليهود هم السبعون نقيباً ونسلهم وهم بالطبع من بني إسرائيل ، أما الذين تابو من بني إسرائيل عبدة العجل فهم ونسلهم من بني إسرائيل ولا يسمون يهوداً ، إلا تجاوزاً وجهلاً .

قال تعالى "واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً اتخذوه وكانوا ظالمين*ولما سُقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين*ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين*قال ربي اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين*إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين*والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم*ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون*واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال ربي لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي بها من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين*واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون" (الأعراف 148 : 156) . وقال تعالى "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة 62) .

  ثم إن يعقوب لما كبر قَدِمَ على خاله "لابان" في أرض حران ، وهو مجتمع بدوي رعوي ، وكانت له ابنتان : اسم الكبرى ليا، واسم الصغرى راحيل ، وكانت أحسنهما ، وأجملهما ، فطلب يعقوب من خاله الزواج بالصغرى ، فأجابه إلى ذلك بشرط أن يرعى له غنمه سبع سنين ، فلما مضت المدة على خاله "لابان" صنع طعاماً ، وجمع الناس عليه ، وزف إليه ليلاً ابنته الكبرى ليا.

  فلما أصبح يعقوب إذا هي ليا ، فقال لخاله : لم غدرت بي ؟! وأنا إنما خطبت إليك راحيل ، فقال : إنه ليس من سنتنا أن نزوج الصغرى قبل الكبرى ، فإن أحببت أختها فاعمل سبع سنين أخرى وازوجكها ، فعمل سبع سنين ، وادخلها عليه مع أختها ، وكان ذلك سائغاً في ملتهم ، ثم نُسخ في شريعة التوراة . وأوحى الله تعالى إلى يعقوب عليه السلام أن يرجع إلى بلاد أبيه إسحاق وقومه ، وهي قرية حبرون في أرض كنعان ، مستقر إبراهيم وذريته من سارة وقطورة ، ووعده بأن يكون معه ، فعرض ذلك على أهله ، فأجابوه مبادرين إلى طاعته ، فحمل أهله وماله ، وقفل قاصداً بلاده.

ومر يعقوب وهو في طريق عودته على قرية شخيم وهي "أورشليم" ، فنزل قبل القرية ، واشترى مزرعة "شخيم بن جمور" بمائة نعجة ، فضرب هنالك فسطاطه ، وابتنى ثَمَّ مذبحاً ، فسماه "إيل" إله إسرائيل . وكان الله قد أمره ببناء هذا المذبح ليستعلن له فيه ، وهو بيت المقدس اليوم ، الذي جدده بعد ذلك سليمان بن داود عليهما السلام .

ووصل يعقوب إلى أبيه إسحاق وأخيه عيصو ، فأقام عندهم بقرية (حبرون) التي في أرض كنعان أي فلسطين ، حيث كان يسكن إبراهيم عليه السلام ، ثم مرض إسحاق ومات عن مائة وثمانين سنة ، ودفنه ابناه عيصو ويعقوب مع أبيه إبراهيم الخليل. وكان أولاد يعقوب عليه السلام الذكور اثني عشر رجلاً ، فمن ليا أنجب (روبين ، شمعون ، لاوي ، يهوذا ، دان ، نفتالي ، جاد ، أشير ، يساكر ، زبولون) وإبنة واحدة تسمى "دينة" ، ومن راحيل) يوسف ، وبنيامين). وقد استدعى يوسف أباه يعقوب وأولاده للحضور إلى مصر ، فتركوا فلسطين ، ولبوا دعوته ، وحضروا إلى مصر .

  قال تعالى" فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين * ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم") يوسف 99 و100( . وكان عمر يعقوب عندما دخل مصر مائة وثلاثين سنة ، وأقام بمصر سبع عشرة سنة ، ثم لحق بربه ، وسنُّه مائة وسبعة وأربعون عاماً ، فاستأذن يوسف عليه السلام ملك مصر في الخروج مع أبيه يعقوب ليدفنه عند أهله بفلسطين ، فأذن له ، وتم دفن نبي الله يعقوب عليه السلام ببلدة (حبرون) المسماة بالخليل اليوم ، بجوار جده إبراهيم وأبيه إسحاق عليهما السلام.

  لقد نشر يعقوب تعاليم الإصلاح التي تلقاها من آبائه إسحاق وإسماعيل وإبراهيم في المجتمعات التي عاش فيها من أرض فلسطين ، وهي مجتمعات بدوية يسودها نمط البداوة الحضاري ، وقد حافظ على ملة إبراهيم في مجتمع حرّان عند خاله "لابان" ونشر تعاليم الإصلاح وعبادة الله ، وواصل دعواه عندما عاد إلى حبرون بلد أبيه وجده ، وظل متمسكاً بتعاليم ملة إبراهيم الحنيفية السمحاء ودعاوى الإصلاح ، بالرغم مما ابتُلي به من افتقاد ابنه يوسف ثم بنيامين ثم أكبر أبنائه ، إلى أن منّ الله عليه وجمع شمله بأبنائه في مصر .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز