موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
بين ماريا - باولو كويهلو....وأمي الحنونة

نقلتُ بالأمس قراءة أدبية تحليلية - خطتها زميلة عزيزة لي قبل سنوات - حول رواية الأديب باولو كويهلو ( إحدى عشرة دقيقة). كثيرون استهجنوا جرأتي الأدبية في النقل والتعليق على رواية تتناول حياة واحدة من بنات الليل مع ما يشتمل ذلك على إيراد بعض التفاصيل الخادشة والألفاظ المحرجة.

في الواقع لقد فعلت ذلك عمدا وعن سابق تصور وتصميم لأني أردت أن يكون ما نشرته بالأمس توطئة أولى وأساسية لما سأقوله اليوم.

ليس كويهلو فريدا في خياراته الكتابية ولا في إختيار الفضاءات المحيطة بأحداث رواياته سواء في اسلوب السرد او في تحديد ملامح الأشخاص وحركاتهم وحتى آخر سطر في النهاية.

إن معظم الروايات اليوم يتم توزيع فصولها بدقة واحترافية... بل أن هناك خبراء مختصون في دور النشر الأوروبية يقرأون الرواية كمادة خام ثم يعيدونها الى الكاتب ليجري تعديلا ما على فصل من فصولها زيادة ونقصانا أو ليزيد جرعة الجنس فيها أو حتى ليغير مصير (البروتاغونيست) إذا اقتضت الضرورة (لأن الجمهور عايز كدة) ولأن هذه الصيغة - كما يراها الناشر- ستحرز رواجا باهرا وستدر مئات الملايين من الدولارات للكاتب والناشر وسائر دور النشر والترجمة.

لا أريد أن أحوّل الحديث الى مجال مفتوح للوعظ والارشاد ولا اريد أيضا أن أحيله الى وعاء للإحباط والكآبة. لذا فأنا لا أحمل مشاعر مسبقة ضد ماريا ولا ضد مخترع الشخصية أو مؤطرها كويهلو, وإنما أريد ان اطرح بعض الأسئلة المشروعة:

هل الكتابة الأدبية تستهدف تحقيق شيء من الإمتاع والمؤانسة فقط أم أنها لا بد أن تتضمن همّا إنسانيا ومعرفيا أيضا؟؟

هل تصلح ماريا أن تكون قدوة لماريات كثيرات ينتظرن دورهن مع الحظ والثروة حتى لو كان عبر درب الرذيلة و لو استوجب ذلك بيع الجسد والروح على مذبح الشيطان؟

إن ماريا في رواية (إحدى عشرة دقيقة) لم تكن غافية واستيقظت فجأة..إن ماريا وضعت لنفسها جدولا زمنيا مدته عام واحد مارست خلاله جميع أنواع الفحشاء الى أن تمكنت من جمع ما يكفيها لشراء مزرعة لوالديها الكبيرين....إننا هنا إزاء عملية تجميل وتسهيل وتيسير للزنى " الانساني ذو الأهداف النبيلة" وإغفال نتائجه الخطيرة وعواقبه الأليمة ...

بل أكثر من ذلك إننا هنا إزاء نوع خطير من الزنى الفكري حيث يزني باولو كويهلو بعقول القراء عبر كتابه الذي أراد - شئنا أم أبينا- أن يسقط على بطلته ماريا هالة من القداسة والتصوف والنور.

ثم ما هذا النور المنبعث من وجه ماريا ؟؟؟!!! والذي كان سببا في تحرير رالف من عقده النفسية وتراكمات طفولته المنتظرة هباء على أرصفة المحطات بانتظار ابيه الذي وعده بأن يصطحبه في رحلة قطار وسوف لن يفي بوعده ولن يأتي أبدا.

اشعر بالضعف والهمود... وأشعر بأني بائس وحزين...كويهلو أراد أن يحقق نصا رائجا وممتعا فأدرك ما أراد..ولكن نحن..أين نصنا الرائج والممتع؟؟

لم نحسن أن نتقن حرفة ولا ان ننتج آلة ...مسلّعون ومستهلكون ..نصفنا فقير يكابد حسرات الموت ونصفنا الآخر ثري ينفق ثروته في إبادة سوريا والعراق وتهشيم اليمن وإزالة آخر ملمح عراقة في تاريخنا البعيد.

ثم لماذا ألوم كويهلو؟؟ قد يكون التقى فعلا بماريا وسمع لها وتأثر بقصتها وتعاطف معها..
أما نحن فلا بواكي عندنا لماريات عفيفات سلبن شرفهن وضاعت حياتهن بفعل الشيطان الأعلى الذي يحكمنا من مكة المكرمة وينفق آلاف ملايين الدولارات لاستئصال صنعاء وبغداد عن بكرة أبيهما وتدمير تدمر وطمس دمشق وحلب وغيرها من كبريات حواضرنا الثقافية التليدة.

ماريّاتنا العفيفات اللائي لم يخرجن من بيوتهن إلا بسبب القصف والخوف ومُتنَ مُشرّدات شريفات أو صبرن على الجوع والحصار أحرى أن تروى حكاياتهن وأن تقطف الأجيال قبساً من بساتين نورهن ؟...أم ماريا تلك التي وضعت - دون أدنى حياء وبدم بارد - جدولا زمنيا للبغاء مدته عام واحد فقط تكون بعده التوبة والخلود في ضمائر المكتبات ومجلدات الروايات الفاخرة المذهّبة؟؟

أستاذ كويهلو...إسمحلي أن أخالفك الرأي.. ليس نورا ما يسطع في وجه ماريا ذاك وإنما طلاء مفتّح للبشرة أنتجته أفضل مختبرات التجميل الأوروبية...

النور يا سيد كويهلو هو ذلك المنبعث من وجه أمي.. أمي التي لم تعرف رجلا قبل أبي ولم تعرف الحب إلا معه ولم تتقلب بين أحضان الغرباء وشذاذ الآفاق لكي تصل الى القداسة المزعومة التي وصلت لها ماريا.

سينيور كويهلو..هنيئا لك بملهمتك ماريا..... وهنيئا لي بأمي الطاهرة الحنونة.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز