عبد الحميد فجر سلوم
666
Blog Contributor since:
04 November 2011


 More articles 


Arab Times Blogs
ماذا يعني قرار بوتين المفاجئ بسحب القوات الروسية من روسيا

*بوتين الذي وصفهُ وزير الخارجية السوري ، في وقتٍ ما ، بأنه رجُل المعجزات ، إنما أثبتَ دوما أنه رجُل المفاجآت !! فقراره بنشر قواته في سورية في أواخر أيلول الماضي كان مُفاجئاً ، وقرارهِ بسحب هذه القوات يوم 14/آذار كان مفاجئا أيضا !!.

*الروسي أعلن بداية أن مهمته قد تستغرق ثلاثة أشهر وبعدها أعلن أنها ستستمر حتى القضاء على التنظيمات الإرهابية (المُختلف عالميا حول تصنيفها)، ومن ثمَّ أصبحت المهمة بلا حدود زمنية، واليوم نرى قرارا مفاجئا بسحبها !

*ماذا تغيَرَ وما هي الأسباب الحقيقية والدوافع ؟؟. التحليلات كانت كثيرة جدا ، وسريعة ، وذلك بعد وقتٍ قصيرٍ من إعلان بوتين !! فمنها من عزا ذلك إلى التكلفة العسكرية الكبيرة وظهور بوادر مُعارضَة من الشعب الروسي ، ومنها من إدّعى أن بوتين (أخفق) في مكافحة داعش ، ومنها من مضى إلى أن بوتين ممتعض من الجانب السوري !!.. ومنها من استنتج أن لافروف قد يكون قد حصل على تفاهمات ما مع الأمريكي بشأن أوكرانيا وسورية سوية !!.

*نشرُ القوات الروسية في أواخر أيلول بشكلٍ مفاجئٍ كان مفهوم وأما سحبها بشكلٍ مفاجئٍ فليس مفهوم !! هذا القرار جاء في نفس اليوم الذي تم به استئناف المباحثات في جنيف بين وفدي الحكومة والمعارضَة والتي استهلّهاَ رئيس الوفد السوري بتصريحٍ من تصريحاته النارِية قال فيه بأنه لا يوجد شيئا اسمهُ مرحلة انتقالية !! وجاء بعد يومين فقط على تصريحات وزير الخارجية السوري التي رسمَ فيها خطوطٌ حُمرٌ للمفاوضات ، وقولهِ أن المرحلة الانتقالية تعني الانتقال من حكومة إلى حكومة أخرى جديدة !!.

  * كنتُ أعتقدُ أن تصريحات الوزير السوري لا تنسجم متوجهات الروسي للحل السياسي في سورية ، وقد طرحتُ ذلك في مقالٍ سابقٍ  !! وقد تساءلتُ في المقال إن كانت تصريحات الوزير السوري هي بضوء أخضر روسي أم لا ؟؟. أعتقدُ أن إعلان بوتين المفاجئ بسحبِ قواتهِ من سورية يُعطي جوابا على ذلك !!.

*فلا يمكن النظر للقرار الروسي المفاجئ بعد يومين من تصريحات الوزير السوري ، بمعزلٍ عن تلك التصريحات ، التي أثارت حفيظة كافة وزراء الخارجية الذين اجتمعوا يوم الأحد 12/آذار في باريس ، وقد تكنُ سبّبتْ حرجاً للحليف الروسيٍ !! لاسيما قوله : (لن نوافق على شروط الأمم المتحدة ولا على شروط الدول ولا حتى الجماعات )... والسؤال : هل أن السُلطة السورية حقّا في وضعٍ يسمحُ لها فعليا أن لا توافق على شروط الأمم المتحدة ولا الدول ولا ...الخ ؟؟... ربما هذا كان أحد الأسباب التي أثارت حفيظة الروسي الذي قالها مرارا أن هدفهُ في سورية هو تحقيق حل سياسي ، ولم ترُق له في أي وقت لهجة التحدِّي التي تتحدّث بها السلطات السورية ، وخاصّة أن موسكو تعرف (البير وغطاه ) في سورية ، وتُدرِك أن ما تتمناهُ السلطات السورية شيء وواقعها الفعلي شيء آخرٌ !!.

  *كما لا يمكن النظر لهذا القرار البوتيني بمعزلٍ عن التفاهُم الذي حصل في الاجتماع المُشار إليه في باريس بين وزيري خارجية روسيا والولايات المتحدة حول التسوية السياسية في سورية والتي أكّدا من خلالها على خريطة الطريق المرسومة في القرار 2254 والمُقرّرُ بموجبها إجراء انتخابات رئاسية يشارك فيها كل السوريين في الداخل والخارج ، بعد سنة ونصف من يوم 14 آذار الجاري، تحت إشراف الأمم المتحدة ، وذلك بعد صياغة دستور جديد للبلاد !. الأمر الذي رفض وزير الخارجية السوري الخوض في أي نقاشٍ حوله مُستقبلا كونه من الخطوط الحُمر وليس من حق أحد أن يتحدّث عن انتخابات رئاسية !.

*أشرتُ بمقالٍ سابقٍ في الماضي ، أن روسيا دولة عظمى ولا ترهنُ مصالحها بمصالح أنظمة وحكومات وأشخاص !! وقد تابعنا في 18/ شباط الماضي تصريحات المندوب الروسي في الأمم المتحدة تشوركين الغاضبة من تصريحات للسلطات السورية ، كانت أقلُّ من تصريحات وزير الخارجية يوم السبت الماضي في 12/ آذار، وقال تشوركين وقتها :(إن التصريحات السورية الأخيرة لا تنسجم مع جهود روسيا الدبلوماسية ، وإنّ روسيا بذلت الكثير من الجهود في الأزمة السورية سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا ، ويأمل من السلطات السورية أخذ ذلك بعين الاعتبار .. وأضاف : إذا ماْ حذت السلطات السورية حذو روسيا ، برغمِ التصنيفات السياسية الداخلية وخط الدعاية السياسية التي يجب عليهم العمل بها ، فسيكون لديهم الفرصة للخروج من الأزمة "بكرامة" ، لكن إذا ما ابتعدت عن هذا الطريق على نحوٍ ما فسيكون الوضع صعبا للغاية ...!!.. ) ..

  *وتابعنا كيف تلتْ تلكَ التصريحات في اليوم التالي تصريحات أخرى لنائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف ، قال فيها : إنه على أطراف الصراع السوري الاستماع لنصائح موسكو !!... ثم جاء تعليق من الكرملين أن لا بديل عن التسوية السياسية بسورية !. وبعدها لحِقَ بِهِم الإعلام الروسي وعزفَ على ذات الأوتار !. ووصلَ الأمرُ بنائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الاتحادي الروسي إلى درجة الهجوم على مستشاري الرئاسة السورية (ووزير الخارجية هو أحدهم بالطبع)!!.

*كل ذلك كان رسالة قوية من موسكو مفادها أن نصائحنا يجبُ الإصغاء إليها واحترامها والعملُ بموجبها ، ونحنُ محتاجون في روسيا للنفقات التي ننفقها على قواتنا في سورية لدعمِكم، ومن غير المقبول أن نُنفِق كل تلك التكاليف بهدف إنجاز الحل السياسي أخيرا ، ثم نسمع بين الفينة والأخرى تصريحات رسمية سورية تتناقض مع كل توجهاتنا !.

  *أعتقد الطريق باتَ واضحا ولم تعُد هناك أية فائدة من المُكابرَة من طرف أحدٍ ، فخطة الطريق التي وُضِعت في فيينا وتمَّ إقرارها في قرار مجلس الأمن 2254 ، وأكدتْ تفاهمات لافروف وكيري عليها من جديد يوم 12/ آذار في باريس ، ودعمَهَا الاتحاد الأوروبي ، هذه الخطة لم يعُد ممكنا لأحدٍ أن يُغرِّد خارجها ، وإلا سيجدُ نفسهُ في موقع المُحاسبَة من الدولة العظمى التي تساندهُ ويتّكلُ عليها !. وتهديدات ديميستورا بنقل الملف السوري إلى مجلس الأمن في حال فشلت المفاوضات ليس مُجرّد تخويفٍ ، بل يعكس إرادة القِوى العُظمى التي يتحدّث ديميستورا باسمها وبالنيابة عنها ، وحينما يعتبر أن بيان جنيف مُقدّسا ، وأن التركيز سيكون حول المرحلة الانتقالية فهو يتحدّثُ هذه المرّة عن فاتحةِ إنجيل القِوى العظمى الذي لا رجعة عنهُ هذه المرّة على ما يبدو ، وأن فاتحة الإنجيل وفاتحة القرآن يجب أن تتوافقا ...... وإلّا ..؟!.. من يعرقِل سيدفع الثمن !!. ليس صبرُ السوريين لِوحدِهم قد نفذَ ، بل صبرُ المجتمع الدولي قد نفذ أيضا ، ولن يتركوا مأساة السوريين أكثر منذ ذلك للتسلية واللعب !.

*حينما يتحدّثُ المبعوث الدولي ديميستورا عن أي مسألة في الشأن السوري فهو لا يتحدّثُ من فراغ !! وهذا ما ثبتَ مع الزمن !! وحديثه عن الرغبة في أن يرى إمرأة رئيسة لسورية ، ليس كلاما من فراغ ، فالسيد ديميستورا ليس سِوى مِرآة تعكس ما تراهُ من رؤى روسية وأمريكية مشتركة !.

  *الامتعاض الروسي من تصريحات السُلطات السورية في النصف الثاني من شهر شباط الماضي جاء على شكلِ ردودِ فعلٍ علنية ومباشرةٍ ، سياسية ودبلوماسية وإعلامية ، فهل يمكنُ القول أنهم ضاقوا ذرعا من ردود الفعل العلنية ، فلجئوا لطريق’ أخرى !!.

*أيٍّ تكُن التحليلات فإن القرار الروسي المفاجئ ليس قرارا عاديا وطبيعيا ، بل يُخفي خلفهُ أسرارا ، لا بُدّ وأن تنكشف مع الزمن !!. والسؤال : إن كانت التصريحات الصادرة عن الخارجية السورية يوم 12/ آذار ، هي الزوبعة التي طَيَّرتْ الطائرات الروسية من مطار حميميم باتجاه روسيا هذه المرّة ، فهل سيطيرُ بعدها صاحب التصريحات ؟!. أم أن أصحاب الأوزان الثقيلة لا يطيرون ، مثلنا نحنُ أصحاب وزن الريشة !!..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز