عبد الحميد فجر سلوم
666
Blog Contributor since:
04 November 2011


 More articles 


Arab Times Blogs
ماذا يعني تصريح نائب وزير الخارجية الروسي عن الفيدرالية في سورية

* في مقالي السابق شكرتُ من صنعوا الهدنة في بلادي ، وأثنيتُ على حرصهم في وقفِ هدرِ مزيدٍ من الدماء ، بعد أن باتَ الدّمُ السوري لا يعني السوريين المتحاربين بشيء وشعارهم : المُضي بالحرب حتى النهاية وإما قاتل أو مقتول!.

  *تصريح نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في 29/ شباط بأن " بلاده تأمل أن يتوصّل المشاركون في المفاوضات السورية إلى فكرة إنشاء "جمهورية فيدرالية " كان بالنسبة لي تصريحا مفاجئا وصادِما جدا ،ويخفي وراءه ما يخفيه !. وإن كان هذا ما يخطِّط له كيري ولافروف لِسورية ، فهذا يعني أنهما يقومان بِدورِ سايكس وبيكو هذا الزمن بعد مرورِ قرنٍ على التقسيم السابق !. وهذا التصريح يخالفُ كل ما سمعناه في السابق عن الحرص على وحدة الأراضي السورية والشعب السوري ! . فهل اختلفَ الموقف ، وهل حصلَ اتفاقٌ جديد بين موسكو وواشنطن !. وهل هي رؤية إسرائيلية لتفتيت سورية ، لاسيما أن قادة إسرائيل صرّحوا أكثر من مرّة عن ضرورة أن يكون لهم دورا في رسمِ مُستقبل سورية والمنطقة !.

  *كان واضحٌ من خلال الدعم الأمريكي الروسي المُشترك للتنظيمات الكُردية المتعددة في الشمال السوري تحت عنوان محاربة داعش ، أنّ هناك أمرا ماْ يُخطّط لهُ ، وتصريح ريابكوف قد كشفَ بعضا من ذاك المخطّط !. فواشنطن أصرّت على دعم التنظيمات الكردية بقوّة ، مُتحدِّية ، لأوّل مرّة، كل مخاوف واعتراضات حليفتها الأطلسية تركيا ، التي كانت على الدوام رأس الحربة المتقدمة للأطلسي في المنطقة خلال زمن الحرب الباردة ، وحتى لاحقا!.

  *لقد كتبتُ بالماضي وطلبتُ من بعض من يهرعون للتصفيق بسرعة هائلة بلا وعيٍ ولا تفكير، فهرعوا للتصفيق للرئيس بوتين، وروسيا " الشقيقة والصديقة " ، ولم ينقصهُم سوى القول : روسيا الأختُ الأكبر ، طلبتُ أن يتريّثوا قليلا ، فـــ بوتين ليس رسولا ولا نبيا ، وليس رئيسا للصليب الأحمر الدولي ! وهو يرأس دولة عظمى ، وكما أي دولة عظمى ، لا ينظر من خلال عيون هذا وذاك وإنما من عيون روسيا ومصالحها !.

*تحدثتُ في الماضي عن تقسيم كوريا وكيف اتفق السوفييت والأمريكان في نهاية الحرب العالمية الثانية (ستالين وروزفلت) بعد انهزام اليابان في شرق آسيا ، على أن لا تتجاوز القوات السوفييتية المُتقدِّمة، خط العرض 38 الذي ما زال يفصل حتى اليوم شطري كوريا !. وقبِلَ السوفييت هذا التقسيم الذي استثمروهُ لاحقا للحصول على مكاسب وتنازلات في التفاوُض بشأن أوروبا !. وهذا ما كنتُ أخشاهُ منذ زمنٍ أن يتكرر بشكلٍ أو بآخر في سورية ، سيناريو تقسيمي ، بهذه الصورة أو تلك ، من طرفِ القوتان العظمتان ، لاسيما أن كيري سبقَ وصرّح بصعوبة بقاء سورية موحّدة إن طالتْ الحرب !. وكتابتي تلك لم تعجب الكثيرون في وقتها!.

  *الفدرالية في بلدٍ كما سورية ، هي وصفة لمزيدٍ من التفتيت ، ولِحروبٍ قد تدومُ عقودا من الزمن !. فكيف ستكون الفيدرالية؟ هل على أساس مناطق جغرافية أم على أساس تقسيمات مذهبية ودينية وعُرقية ؟!. فإن كانت على أسسِ جغرافية فسيبقى هناك أكثرية وأقلية في كل منطقة ، فكيف سيتمُّ التعاملُ والعلاقةُ في هذه الحالة !. وإن كانت على أسسٍ دينية ومذهبية وعُرقية ، سيبقى هناك أيضا أقلية وأكثرية ضمن كل منطقة !. فلا يوجد في سورية لا في المنطقة الجنوبية ، ولا المنطقة الوسطى ، ولا المنطقة الشمالية ولا المنطقة الساحلية ، لا يوجد منطقة واحدة خالصة وكلها من دين أو مذهب أو عِرقٍ واحدٍ ،، وهذا يعني أن حروب التطهير العُرقي والمذهبي سوف تستمرُّ عقودا من الزمن حتى يرسِم الأقوى في كل منطقة حدودهُ التي ستتطوّرُ مع الزمن لِتصبِح حدودا مُستقلّة ، ودويلات أو كيانات غير مترابطة ، بل متعادية ومتخاصمة ومتحاربة، ومستقلّة عن بعضها من حيث الجوهر ، بينما يُطلَقُ عليها كيانات فيدرالية من حيث الشكل !!.

  *تفتيت المنطقة إلى كيانات مُتحاربة ، كان على مدى الزمن هو حلُم الإسرائيلي الذي قالَ منذ امتلاك إسرائيل للقنبلة النووية ، أن ضمان أمن إسرائيل الدائم لا يكون بالقنبلة النووية وإنما بتفتيت المنطقة إلى دويلات متصارعة متحاربة فيما بينها تتسارعُ كلٍّ منها لكسبِ الدعم الإسرائيلي والاستقواء به على الأخرى !. فهل آنَ للإسرائيلي جنيَ الثمار ، من خلال استهتار أبناء سورية أوّلا ، بوطنهم وببعضهم والانخراط في حربٍ مجنونة فيما بينهم مهّدتْ الطريق لكل القوى الدولية والإقليمية بالتدخُّل ، وثانيا استهتار موسكو وواشنطن بعدها ، بهم وبوطنهم أيضا ؟.

   *نعرفُ أن للأكراد ومنذُ زمنٍ ، طموحاتهم العرقية بكيانٍ من نوعٍ ما ، في شمال سورية ، كأكراد ينتمون إلى قومية مختلفة!! ولكن منْ قالَ أن أبناء العرب والعروبة يرغبون بكيانات شبيهة ، من جنوب سورية إلى وسطها إلى ساحلها وإلى شرقها وشمالها !؟. أرفضُ أي كيانٍ يمسُّ بوحدة سورية أرضا وشعبا !.

*للأسف أننا لم نسمع بأي ردِّ فعلٍ عن وزارة الخارجية السورية ، في أمرٍ بالغِ الأهمية كما هذا الأمر ،، مع أننا كنا نرى ردود فعلٍ سريعة وتافهة إزاء كلمةٍ أو جملَةٍ يسمعونها عن لسان موظّف

وما يحِزُّ بالنفسِ أكثرْ أن هذا التقسيم ، إن حصلَ ، فإنما يحصل في ظلِّ حزبٍ ما برِح يرفع شعار وحدة الأمة العربية ، ويافطة الوحدة القومية منذ تأسيسه بعد الاستقلال في القرن الماضي ، وإذ به بعد ما يزيد عن سبعين عاما لا يستطيعُ أن يحافظ على وحدة بلدهِ !.

  *إن الطرح الروسي في هذا الوقت بالذات ، وتمنياتهِ على المتفاوضين السوريين في جنيف الإتفاق عليه ، إنما يبدو وكأن القرار الدولي مُتّخذٌ ، ويريدون من السوريين الموافقة على ذلك ، حتى لا يُقال أن القوى الأجنبية هي من فرضَت تقسيم الجغرافية السورية ، وإنما هذه كانت إرادة ومشيئة أبنائها !.

*المطلوب من روسيا وأمريكا هو تنفيذ خارطة الطريق التي وضعوها في فيينا وتضمّنها قرار مجلس الأمن 2254 ، ومن ثمّ فالسوريون هم من يُتابعون باقي المهمة بمساعدة روسيا وأمريكا ومتابعتها وإشرافها ، ويتّفقون على نظام الحُكم الجديد ، برلماني أم رئاسي ، أم خليط من الإثنين ، أم غير ذلك !. ولكن ليس على التقسيم ، فهذا لا يرضى به سوري واحد ممن ينتمون للعرق العربي ويحملون الدّم العربي ، أما الأكراد وسواهم من العُرقيات الأخرى ، كما التركمان ، فهم مسألة مختلفة !.

  * ربّما قد تُعطى صلاحيات أكثر للمحافظات السورية ، ولمجالس المحافظات ، أو مكاتبها التنفيذية في إدارة شؤون كل محافظة ، والتخفيف من المركزية والروتين والتباطؤ ، ورّبما قد يتمُّ انتخاب المُحافِظ من طرف أعضاء مجلس المحافظة المُنتخَبين بشكل ديمقراطي وحرٍّ ،، ولكن لا يُمكِن أن تذهب الأمور إلى كيانات فيدرالية ،، فهذا يعني لاحقا التقسيم وما سينجمُ عنها من نتائج وتبِعات خطيرة !.

*قد يقولُ قائلٌ ، ولماذا التخوُّف ، فها هي ألمانيا جمهورية فيدرالية برلمانية ، وها هي سويسرا جمهورية فيدرالية ذات ديمقراطية مباشرة ، مكونة من 26 كانتون ، وفيها تنوع ديني ولغوي ، وها هي روسيا جمهورية فيدرالية تضمُّ 83 كيانا ، بكل تنوعهم العرقي واللغوي والثقافي ... وها هي الولايات المتحدة الأمريكية جمهورية دستورية فيدرالية تضمُّ خمسين ولاية !! وها هي البرازيل جمهورية فيدرالية مكونة من 26 ولاية ، وهناك دولٌ متعدِّدة في أفريقيا وآسيا تنهجُ النهج الفيدرالي في الحُكم وووو الخ !. وكل هذا صحيح ، ولكن الوضع السوري مُختلِف كلية لأسباب عديدة ، منها موقع سورية الجيو سياسي ، ووجود دولة إسرائيل بجوارها ، والصراع الإقليمي والدولي لوضع اليد على الأرض السورية ، والفوز بالحصّة الأكبر من الكعكة السورية ، وانقسام السوريين بين القِوى الإقليمية والدولية التي بات كلٍّ منها صاحبُ قرارٍ على أنصارهِ أو حلفائهِ (كما الحالُ في لبنان)، فضلا عن عوامل أخرى كثيرة لن تجعل من الفيدرالية سوى مقدِّمة للتقسيم ، ومن ثمّ إلى مزيدٍ من الصراعات والحروب ،، بعد أن أصبحت سورية في مهبِّ كل العواصف والذاريات الدولية !.

  *أتمنى أن يكون تصريح نائب وزير الخارجية الروسية مُجرّد اجتهاد شخصي وليس تعبيرا عن موقف روسي رسمي ، ومن ثم ينطبق عليه المثَل : جاء الأقرع ْحتى يشجِّعنا فكشف عن رأسه وخوّفنا !. * ليس من حقِّ أحدٍ أن يرسُمَ لسورية حُبُكُهَا للمستقبل من دون إرادة أبنائها ، أليسَ هذا ما كانوا يرددونهُ ؟؟ فماذا تغيرَ اليوم حتى نسمع بهذه التصريحات ؟!.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز