نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
جرة العسل في حلب .. وكمين السوخوي في غرناطة الشرق

لو سئل السم عن أفضل صديق له لقال بأنه العسل .. ليس الملح ولا الليمون ولا العلقم .. فلايوجد مكان يكمن فيه السم لضحيته أفضل من فم العسل ولسانه .. وليس هناك بيت للسم الزعاف يتخفى فيه عن العيون أكثر أمنا وطمأنينة من قلب العسل .. وماهو اكثر خداعا من حصان طروادة الذي اختبأ فيه الفرسان الأثينيون ليفتكوا بأسوار المدينة خلسة هو خابية يفيض العسل من شفاهها .. فالعسل حصان حلو يختبئ فيه فرسان السم ..

أتمنى من كل قلبي أن يؤمن خصومي - كسابق عهدهم - وهم يقرؤون هذا المقال ايمانا راسخا أنني أكتب بالأفيون وأن مقالاتي مزارع الخشخاش .. وسيسعدني أكثر أن يقول عني الثورجيون أن مقالاتي حانات توزع النبيذ لمن يريد أن يثمل ويسكر .. لأنني سأنقل لهم اليوم كلاما استمعت اليه في غرف ورشات بحث سياسي عريقة وسأنقل الكلام بأمانة كما قيل أمامي ولن يصدقوه .. وأتمنى أن يراه الخصوم أفيونا وحشيشا ومخدرات وخشخاشا .. لأنني سأقول اليوم أن أردوغان وحزب العدالة والتنمية والحركة الاسلامية يقتربون من كمين تاريخي غير مسبوق في حلب .. غرناطة الشرق .. وجرة العسل اللذيذ ..

اليوم تحوم دببة الشرق الأوسط حول جرة العسل التي دلقها ذلك الداهية فلاديمير بوتين على ناصية طريق الحرير في حلب .. وجلس ينتظر الدببة العثمانية ..
ماالذي فعله فلاديمير بوتين كي يستدرج الملك سلمان والسلطان أردوغان ومن خلفهما الناتو الذي يلبس قناعا من الديبلوماسية الرصينة بمحاولة اقتحام الشمال السوري؟؟ .. فالرجلان العثماني والوهابي يتصرفان وكأن معركة الشمال تنتظرهما كما تنتظر الأقدار المحتومة التي لاترد .. بل ان داود اوغلو بدأ في فتح دفاتر ديون السلطنة القديمة لأنه يريد أن يبدأ أول تسديد لديون في رقبته في حلب كما قال .. من كيس حلب وبيت مالها .. ولكن الكل يعرف أنه يقصد أن يثأر من خروج جدّه من "الأندلس" العثمانية بعد أن مكث فيها أربعة قرون .. أي بلاد الشام .. انه الثأر من حلب غرناطة الشرق .. آخر المدن التي طرد منها العثمانيون والتي كان خروج الحاكم العثماني منها مؤلما مثل خروج أبي عبدالله الصغير من غرناطة آخر مدينة اسبانية تحت الحكم العربي ..

فهنالك من يقنع أردوغان وعصابته الدموية أن الله والغرب ثبتاه كرئيس لأنهما يريدانه أن يتدخل في سورية وربما تصله رسائل من تحت الباب أو وحي من السماء تؤكد له ان عليه ان يثق في دعم الغرب له حتى تحقيق تسوية على حساب محور سورية وروسيا وايران ولو بشكل جزئي .. وهناك من يصور له معركة حلب أنها مرج دابق الثانية وأنه بخسارتها فانه سيضطر لخوض حرب للدفاع عن استانبول ذاتها .. لأن الشرق الاوسط القادم مع نصر سوري ايراني روسي سيعني حصارا لتركيا التي ستموت ببطء وقد صارت معزولة كعدو وشر مطلق عن كل الشرق الأوسط وهي غير مرحب بها في أوروبة وروسيا .. وهذه ظروف تشبه ظروف انهيار السلطنة العثمانية حيث اندلعت الاضطرابات ونزعات التحرر في داخلها وخسرت السلطنة أراضيها التي كانت تتمدد عليها في أوروبة ..

وهناك من أحضر محمد بن سلمان الى اجتماعات الناتو للايحاء أن النية الناتوية خالصة .. رغم أن محمد بن سلمان مجرد ديكور ودافع ضرائب وبيت مال للناتو .. وترافق هذا الاجتماع بسعي محموم لهدنة يريد البعض تسويقها لتكون فترة يحضر السلطان على عجل عدة الحرب بعد أن فاجأته ضربة الروس السريعة في حلب .. ولكن المقصود بهذه المسرحية هو اغواء تركيا واقناعها أن تنفرد بالحل العسكري علنا مع السعودية وتنتظر الدعم الغربي المطلق سرا ..

الاسرائيليون يلعبون هذا الدور المحرض لتركيا مع السعوديين .. فالاسرائيليون والسعوديون يريدون من تركيا دخول حلب لكي تصطدم مع ايران وروسيا نيابة عنهما ليعرضا على ايران وروسيا صفقة ضد تركيا لكن فيها "سورية من غير الاسد" .. لأن الاسرائليين والسعوديين والأميريكيين يعرفون أن سورية من غير الأسد تعني تفكيكها ومن ثم خروج ايران وروسيا من الفضاء الجيوبوليتيكي السوري وخروج سورية من فضاء روسيا وايران ..

غير أن الأميريكيين والفرنسيين والبريطانيين أيضا يريدون من تركيا أن تغامر انما لغاية أخرى ..فالاميريكون يريدون من اردوغان دخول معركة حلب لأنهم يعملون خفية بعقلية ايزنهاور ومبدئه القديم .. أي حل الصراعات التي يخوضونها مع الخصوم بقوى محلية دون أن ينخرطوا بأنفسهم .. أي أن تترك صديقك يتكفل بأعدائك نيابة عنك .. فالاميريكيون لايريدون مواجهة ايران أو روسيا بأنفسهم لأن ذلك مكلف جدا .. وخطير جدا .. ولكنهم لايمانعون أن يضربوا روسيا وايران برأس تركيا .. صحيح أن تركيا (شريكة الناتو) ستدفع ثمنا باهظا ولكن ايران وروسيا ستعرفان ثمن مغامرتهما وتمردهما على الغرب وخروجهما من حدودهما وستضطران الى قبول تدخل أميريكا كقوة تعيد الكلب التركي المسعور الى حظيرته بعد أن قفز خارج أسوار الحديقة ودخل المجال الحيوي للآخرين الذين ضربوه بعنف .. ولكنه عضهم وأوجعهم ..

والحقيقة أنني أتابع منذ فترة كل مايقال عن نية تركية سعودية بالتخلص من الحذر والخطوط الحمراء وانتزاع حلب من فم الأسد .. ولكن أكثر مايلفت النظر هو مقدار قصر النظر التركي الذي يخدعه البعير وغيره ليقاد كالدابة الى المذبح وكالمنوّم مغناطيسيا بحلم السلطنة ..

وفيما نحن نتأمل هذا الدب التركي وهو يحوم غاضبا حول جرة العسل في حلب نسأل: ألم يكن من الأفضل لهذا السلجوقي أن يختطف الجرة فيما الجيش السوري منشغل في معارك الجنوب والغرب منذ سنة أو سنتين ويضع العالم أمام أمر واقع .. فلم يكن هناك سوخوي ولا حميميم ولا اس 400 ؟؟ ألم يكن من الأفضل أن يهجم هذا الدب على شمال سورية ويأكل العسل والجرّة عندما لم يكن هناك مدن تركية تشتعل بثورة الأكراد .. ؟؟ أليس هذا التوقيت واختيار اللحظة خاطئا .. وخاطئا جدا؟ ومتأخرا جدا؟

ربما سيكون أكثر شخص يتحرق شوقا لانزلاق قدم أردوغان الى حلب هو فلاديمير بوتين .. رجل الكي جي بي الحاذق .. فلاديمير بوتين يرى تماما مايريده الغرب من دفع أردوغان الى الفخ .. فالغرب يريد ضرب الجميع بالجميع .. وهو يعرف أن الغرب غير مغرم بالأتراك ولايريد مساعدتهم لبناء السلطنة وهو لايزال يرفض حتى مبدأ قبولهم في النادي الأوروبي .. ووجودهم في الناتو سيصبح عبئا ثقيلا لأن تركيا المستقبل صارت حبلى بالصراعات والنزاعات التي سيدخل بها كل اللاعبين ولاقبل للناتو بتحمل أمراضها وآلامها وهي تستعد للوضع بعد سنوات قليلة .. فهناك مولود كردي ينزلق بيد القابلة الروسية .. وهناك القطب العلوي التركي الذي خرج من رحم الأزمة السورية التي طالت فوصلت الى تركيا ودخلت كل بيت فيها وكل حي .. وانقسمت تركيا الى مؤيد للأسد ومؤيد لأردوغان على أساس مذهبي صرف كما حاول أردوغان تقسيم سورية بين مؤيد للأسد ومؤيد لأردوغان من منطلق مذهبي صرف .. ولكن الفرق هو أن الأسد والحكم في سورية لم يلعبا اللعبة المذهبية بينما كانت الدولة التركية ورئيسها وحزبها يلعبون اللعبة المذهبية في تركيا وخارجها فوصلت العدوى مثل الفيروس الى المجتمع التركي .. وهنا الفارق الكبير .. فالأسد الذي ناور دون أن يقع في الفخ المذهبي للخطاب ترك أردوغان محملا بخطابه المذهبي و "السنية السياسية" الذي انتقل الى شوارع تركيا وبيوتها ولن يخرج منها بعد اليوم الا بانفصال البيوت عن البيوت بعد أن انفصلت النفوس عن النفوس ..

فلاديمير بوتين رجل لاتليق به كلمة سياسي شرس .. ولكن في الحقيقة سيكتشف الأتراك دهاءه وشراسته وضراوته في معركة حلب .. والرجل يريد الحاق أكبر اهانة بالجيش التركي والناتو في زمن أردوغان ثمنا لتجرؤه على هيبة روسيا ذات الأنياب النووية .. وسيضرب بحيث ترتجف دول كثيرة من غضب الروس ليكون درس تركيا رادعا للجميع وللناتو ومشاريع الدرع الصاروخية ..

و بوتين من الذكاء بحيث أنه لن يضرب أردوغان أولا .. الا أنه يستفزه الى أبعد الحدود وهو يقوم باطباق الخناق على حلب مع حليفه الأسد على مرأى من عين أردوغان .. وهو يتعمد أن يستعرض عضلاته العسكرية فيراه أردوغان من بين أسلاك الحدود فيثيره مثل هذا التحدي الى حد الجنون .. ويثيره أكثر مايسمعه من وعود اسرائيلية وسعودية وغربية .. ولكنه أيضا مخمور وثمل بمنظر العسل الذي يدلقه له بوتين في حلب ويتحداه أن يضع اصبعه فيه .. فبوتين يعلم أن لعاب السلطان يسيل لأنه يريد ان يكون السلطان الأول بعد عصر أتاتورك وهو يعود بجرة العسل الحلبي ويقدمها في عرض انكشاري في استانبول بعد معركة مرج دابق التي بدأت بها امبراطورية الأجداد .. أردوغان محاصر بين استفزاز بوتين وتحديه وبين الرغبة في تصديق الوعد الغربي الاسرائيلي .. والرغبة الطاغية في عسل حلب .. وحلم العودة الى غرناطة بني عثمان .. والواقع المر .. ولاندري الآن من يحاصر من .. هل الأسد يحاصر حلب أم أنه يحاصر أردوغان في حلب؟؟ .. أم أن حلب تحاصر أردوغان؟؟ ..
من ذا الذي يقدم وحده ويدخل الاراضي السورية دون قرار علني وتعهد من الناتو ليجد نفسه وجها لوجه مع الجيش الروسي والسوري والايراني .. الا شخص مجنون؟؟ .. فخطة الجيش السوري والحلفاء هي اطباق الخناق على حلب ومحاصرة المسلحين ومن ثم التهامهم على مهل وقضم أجسادهم وهم في القفص .. فهل يتحمل أردوغان أن يسكت على سقوط غرناطته وجرة العسل دون أن يندفع الى الكمبن الذي ينتظره عنده من يريد أن يسدد له دينا؟ .. وكل الدائنين ينتظرون على أحر من الجمر خلف أبواب حلب حيث السم في العسل .. أحدث الطائرات وافضل أنظمة الصواريخ وأفضل قوات النخب وأقوى سلاح مدرعات تعرفه المنطقة حتى الآن .. وايران وروسيا وسورية وكل من له دين قديم مع العثمانيين .. بل ان أحد الأصدقاء الروس قال لي وبيقين ان حزب العدالة والتنمية سيسقط من على قلعة حلب ومعه كل الاسلام السياسي وحلقاته الاخوانية .. سواء دخل معركة حلب أم منعه الجيش التركي عنها .. فالنتيجة واحدة وكارثية .. فعندما تتحرر حلب من عصابة تركيا الاخوانية ستتحرر استانبول من الخاسرين وستتخلص منهم ..

ليس فلاديمير بوتين وحده هو التواق الى لقاء هذا السلجوقي الحقير وتلقينه درسا .. بل جميعنا نتمناه أن يتابع الجنون والحلم وتشهّي لعق العسل الحلبي .. وحلم العودة الى غرناطة الشرق .. وأن تزل قدمه خلف خطوط الحدود لكي يكون عبدالله الصغير الذي سمعنا به كبيرا وعملاقا أمام ضآلة هذا السلجوقي الصغير الذي يتحدى العمالقة .. غرناطة الشرق لنا ولن تعود اليه .. واذا تذوق السطان باصبعه طعم العسل الحلبي فسيتذوق السم بكل مذاقاته .. مذاق السوخوي .. وت90 و اس 400 .. والحرس الثوري وحزب الله .. والجيش السوري ..

فهل يتجرأ ياترى؟؟ دعونا ننتظر خلف الباب ..


‎بقلم: نارام سرجون‎'s photo.






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز