د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
مشايخ الخليج : تاريخ حافل بالسرقات والمؤامرات والظلم

كانت حدود الوطن العربي مفتحوحة امام كل مواطن عربي حتى خمسينات وستينات القرن العشرين. كان المواطنون يسافرون ، أو يتنقلون من قطر عربي الى آخر بقصد العمل أو الاقامة بحرية وبدون جوازات سفر، أو تصاريح تنقل ، أو حتى هويات شخصية.كان المسافر من نابلس بفلسطين على سبيل المثال ، وكما كنت أشاهد في طفولتي ، يذهب الى موقف الباصات ، أو التاكسيات ويسافر الى الشام ، أو بيروت ، أو بغداد بحرية وباحساس انه يتنقل داخل وطنه الواحد على الرغم من الحدود المصطنعة التي أوجدها التقسيم الاستعماري للوطن .في ذلك الوقت ، كان المواطن العربي ينظر الى المواطن العربي الآخر كشريك له في هذا الوطن الممتد من الفرات الى النيل ، وكان الكل يحلم بوحدة عربية ومستقبل عربي افضل. كان اكتشاف النفط بكميات هائلة في دول الخليج كارثة على الأمة العربية.هذه الثروة التي هبطت فجأة من السماء على مشايخ دول القبائل خلطت جميع الأوراق في المنطقة.

 لقد زادت أهمية تلك الدول استراتيجيا ، واقتصاديا ، وسياسيا واضحت الهيمنة عليها ، وحمايتها باي شكل او وسيلة ، سياسة غربية معلنة. الغرب الذي اصبحت صناعاته ، واقتصاده ، ورفاهية شعوبه معتمدة اعتمادا مباشرا على استمرار تدفق النفط أعلن استعدادة لحمايته حتى لو أدى ذالك الى حرب عالمية ثالثة كما قال الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في السبعينات. ومن أجل حماية مصادر النفط ، بدأ هناك تحالفا مقدسا بين حكام الخليج والدول الغربية لحمايتهم ، وحماية مشيخاتهم ، وللعمل معا لافشال أي حركات سياسية ، أو وحدوية ، أو تنويرية قد تؤدي الى توحيد المنطقة ، وتهدد المصالح الغربية أو تهدد وجود اسرائيل ، الدولة اللقيطة التي زرعها الغرب ظلما وبهتانا في موطن الأنبياء فلسطين لتكون قاعدته للانقضاض على الوطن العربي عندما يتطلب الأمر ذلك.ولحماية هذا الثلاثي ، الغرب ومصالحه ، واسرائيل ، ومشايخ الخليج ومشيخاتهم ، وبايعاز من الدول الغربية ، تبنت مشيخات الخليج اجرآآت جديدة ، وقوانين عنصرية ضد كل من يدخلها بقصد العمل ، وعززت حواجز الحدود بينها وبين الدول العربية الأخرى لحماية حدودها ومصالح شيوخها .

  ونتيجة لذلك ، وحتى يتمكن العربي من دخول هذه الدول التي كانت بحاجة ماسة اليه كعامل ، أو كطبيب ، أو كمهندس ،أو كفني أصبح ملزما وبطلب من هذه المشيخات ، أن يحصل على جواز سفر ، وتأشيرة دخول ، واقامة ، وكفيل. كانت هذه الاجرآآت المجحفة بحق العربي اختراع خليجي بامتياز .لم تكتفي المشيخات بذلك، ولكنها أمعنت في تبني قوانين عنصرية متعددة تفرق بين مواطني دول مجلس التعاون والعرب المقيمين في تلك المشيخات.

 من هذه الاجرآآت العنصرية على سبيل المثال لا الحصر أن راتب الخليجي اصبح ضعف راتب العربي المتعاقد ، وأنه من الممكن ابعاد المتعاقد عن البلاد في أي وقت دون انذار مسبق ، وكذلك حرمت هذه القوانين الغير انسانية أطفال المتعاقد من التعليم في مدارس الدولة ، ومن دخول الجامعات ، وحرمت المتعاقد وأسرته من العلاج في مستشفيات الدولة ، ونتيجة لذلك ألزم المتعاقد على دفع ثمن باهظ لتوفير هذه الخدمات لأسرته في المدارس ، والجامعات ، والمستشفيات الخاصة. لم يكتف شيوخ قبائل دول الخليج بذلك ، ولكنهم استثمروا أموالهم في التآمرلافشال الوحدة المصرية السورية ، وفي اشعال الحرب الأهلية في لبنان ، والحرب العراقية الايرانية المدمرة ، والتآمر على اليمن في الستينات والتسعينات من القرن الماضي .

 أما الآن فانهم بحروبهم التي يمولونها يدمرون سوريا ، واليمن ، وليبيا وعيونهم على مصر وغيرها من الأقطار العربية. حقيقة أن التاريخ الانساني عرف حكاما سرقوا وبذخوا ، لكنه لم يحدث في هذا التاريخ أن مجموعة من العائلات يقدر عددها ببضع آلاف قد سرقت ثروات أمة بكاملها كما فعل شيوخ الخليج. لقد نهبوا عشرات تريليونات الدولارات من عائدات النفط واضاعوها على المؤامرات ضد الأمة العربية ، وعلى القصور الفارهة ، وموائد القمار، والمجوهرات ، والسياحة الجنسية ، ولهاذا مازالت مجتمعاتهم مجتمعات مستهلكة ، بلا صناعة ، وبلا زراعة ، وبلا بنية تحتية .

انهم لم يعطوا شعوبهم من هذه الثروة الا البخشيش وأن شريحة كبيرة من مواطنيهم ما زالت تعيش تحت خط الفقر وفي بيوت من الصفيح. ببساطة في مشيخات الخليج البشر، والأرض ، والبترول ، والدولة ملك لشيخ القبيلة الحاكم المعظم الذي أعطى نفسه الحق المطلق ليتصرف بها كما يشاء دون رقيب أو حسيب ، ويتكرم على الشعب بالفتات التي لا حاجة له بها هو وأسرته ، ويقيم الدنيا ويقعدها وهو يطبل ويزمر لمستشفى أو مدرسة بناها ، أو طريق عبدها ، أو مساعدة تافهة قدمها لدولة عربية ، أو دولة فقيرة ضربها اعصار، أو هزة ارضية.

 هذه الانجازات والمساعدات التافهة ، والبخشيش الذي يعطيه للمواطنين كميزانية لدولته ، والرشاوي التي يتكرم بها على ضباط جيشه وكبار موظفيه ويستخدمها لشراء سكوت الشعب ، لا تساوي شيئا مقارنة بسرقاته وسرقات اسرته.

الاحصائيات تقول ما يلي: في عام 2011 كانت ثروة الملك عبداللة بن عبدالعزيز تقدر ب 23 بليون دولار (23 الف مليون دولار) وثروة خليفة بن زايد 21 بليون دولار ، وثروة محمد بن راشد آل مكتوم 18 بليون دولار ، وثروة حمد بن خليفة 6 بليون دولار ، اما ثروة آل سعود المكونة من 2000 أمير فتقدر 1,4 تريليون (1400 بليون دولار ، أي أن ثروة عائلة آل سعود تزيد عن الميزانيات السنوية لكل الدول العربية بما في ذلك دول الخليج) من اين جاء شيوخ الخليج بهذه المبالغ الهائلة؟؟؟؟

 الجواب واضح وصريح : انها سرقت من أموال المواطنين .واذا اضفنا الى المبالغ المذكورة آنفا تكاليف قصورهم ، ومقامراتهم في نوادي القمار العالمية ، وعبيدهم ، وخدمهم وتكاليف حروبهم التي اشعلوها في الوطن العربي والتي تدفع تكاليفها جميعها من اموال الشعب ، فان المبالغ التي اضاعوها بغباء كافية لانقاذ العالم العربي بأكمله من الحاجة لعشرات السنين القادمة. بالمقارنة مع ما فعله مشايخ الخليج بثروات بلادهم ، فان دولة صغيرة ديمقراطية كالنرويج التي لا يزيد عدد سكانها عن الخمسة ملايين والتي تحترم المواطن ، وتخطط ، وتعمل من اجل مستقبله ، وتنتج مليوني برميل من النفط يوميا قد حققت المعجزات .

فطبقا لمعلومات ويكيبيديا الموسوعة الحرة ، فان النفط الدانمركي اكتشف عام 1969 ولم يوفر دخلا الا في أوائل الثمانينات من القرن الماضي ، أي انة قد مضى على بدء تصديره خمسة وثلاثين عاما فقط بالمقارنة مع سبعين عاما من تصدير النفط من دول الخليج كالسعودية والكويت وغيرها. في عام 1995 أنشات الدنمارك صندوق معاشات التقاعد الحكومي والذي يمول من عائدات النفط وقد اصبحت أصوله الآن 606 مليار دولار أي أن كل دنماركي مرصود له الآن 120000 ألف دولار وسيستمر هذا الاحتياطي التقاعدي في الزيادة. لقد استثمرت أموال النفط لبناء احتياطي مستقبلي يوفر الأمن الاقتصادي لكل مواطن ، وفي بناء صناعة متطورة ، ولهذا فان الدنمارك تعتبر الآن الاولى عالميا في التنمية البشرية ، ومواطنيها ينعمون بأعلى مستوى معيشة في العالم ، وانهم من أسعد الشعوب واكثرها حرية ورفاهية .

منذ أوائل الخمسينات وحتى عام 1990 من القرن الماضي ، أي لمدة زمنية تزيد عن أربعين عاما ، ساهم المواطنون العرب مساهمة اساسية في بناء دول الخليج. كان المصريون ، والفلسطينيون ، والسوريون ، والعراقيون ، واللبنانيون هم الأطباء ، والمهندسون ، واساتذة الجامعات ، والمدرسون ، والصيادلة ، والمهنيون ، والاداريون وهذا يعني أن الصحة ، والتعليم ، والبناء ، ومؤسسات الدولة ،وصناعة النفط ، والاقتصاد كانت قائمة على أكتافهم وأنهم بذلوا كل جهد ممكن وأفنوا شبابهم وهم يبنون ، ويخدمون ، ويعمرون في تلك المشيخات.السؤال هنا هو ما الذي حصل عليه هؤلاء الناس الطيبون مقابل خدماتهم الجليلة في تعمير تلك الصحاري؟ لقد حصلوا على تفرقة عنصرية ضدهم ، واكلت حقوقهم ، ولم يحصل أحد منهم على جنسية البلد الذي ساهم في بنائه واقام فيه نصف قرن. حتى أولادهم الذين ولدوا في تلك الدول ، حرموا من التعليم المجاني في المدارس وهذا لم يطبق في أي مكان في العالم الا في مشيخات الخليج.

ألآباء والأبناء حرموا من العلاج والعناية الصحيه المجانية التي كانت متوفرة للمواطنين والزموا على الذهاب الى المستشفيات الخاصة، وكانوا تحت رحمة كفيل أمي يستغلهم كما يشاء ، ويهددهم بالابعاد عن البلاد اذا طالبوا بحقوقهم.

 لقد عومل العرب الذين بنوا تلك البلاد كأجانب من الدرجة الرابعة : الدرجة الأولى كانت وما زالت للأمريكيين ، والثانية للأوروبيين ، والثالثة للايرانيين والهنود وحملة الجنسيات الاخرى. والمضحك المبكي أن حكام الخليج منحوا الجنسية التي لم يعطوها لاخوانهم العرب الى مئات آلاف الايرانيين الذين ما زال ولائهم لايران ، ويرفضون الاندماج الثقافي في المجتمعات الخليجيه ، ويحافظون على لغتهم وثقافتهم الفارسيه. هؤلاء الذين يشكلون نسبة كبيرة من مواطني الكويت ، والامارات ، وقطر قد تستخدمهم ايران للتدخل عسكريا في هذه الدول لحمايتهم اذا دعت الحاجه. لهذا فان المشايخ يرتعدون خوفا من أطماع ايران المعلنة في دولهم وثرواتهم وهم محقون بخوفهم هذا خاصة وأن قوتهم العسكرية محدودة ولا تمكنهم من مواجهة دولة قوية كايران.

ما حدث في الكويت ضد الفلسطينيين الذين بنوا تلك البلد بعرقهم وتضحياتهم يعتبر دليلا قاطعا على ظلم تلك الدول وعدم اعترافها بالجميل. نصف مليون فلسطيني عوقبوا عقابا جماعيا ، وأهينوا ، وأذلوا ، وقتل بعضهم ، واتهموا بابشع التهم لأن مجموعة صغيرة جدا منهم أيدت احتلال العراق للكويت. الحقيقة التي يعرفها الجميع هي أن الفلسطينين لم يغادروا الكويت بعد الاحتلال ، وان قسما منهم انضم الى المقاومه الكويتيه ، واستشهد بعضهم دفاعا عن الكويت ، بينما هرب آل الصباح حكام البلد جماعيا من قصورهم قبل بزوغ فجر اليوم الأول من الاحتلال العراقي ، وتخندقوا في فنادق الخمس نجوم في دول العالم ، وأبلوا بلاء حسنا في السكر والعربدة كما هو معروف عنهم حتى حررت امريكا لهم الكويت وعادوا ليظلموا ، ويقتلوا ، ويطردوا ، ويقطعوا الأيادي الفلسطينية التي بنت بلدهم ، وعلمتهم وعاشت معهم اكثر من نصف قرن. وما حدث لليمنيين في السعودية بعد احتلال العراق للكويت مثال اخر على وفاء مشايخ الخليج . لقد طلب من اليمنيين الذين بنوا السعودية أن يغادروها خلال شهر واحد لأن علي عبدالله صالح لم ينضم الى تحالف أمريكا لتدمير العراق .

  اليمنيون أعطتهم السعودية بعض الامتيازات خلال حربها مع مصر لافشال الثورة اليمنية في الستينات ، وسمحت لهم بدخول البلد والعمل بدون تصاريح او اقامة (فيزا). والنتيجة كانت أن مليون يمني طلب منهم مغادرة البلاد خلال شهر دون رحمة أو تقدير لظروفهم الصعبة وان معظمهم باع ممتلكاته ، أو تجارته بثمن بخس وغادر البلد ولم يحصل على حقوقه. هذا هو جزاء الاحسان عند شيوخ قبائل دول الخليج. لو أن الأموال التي نهبت ، وسرقت ، وضيعت في بذخ غبي ، وحروب كان يجب أن لا تحدث ، استثمرت في الصناعة والزراعة في دول الخليج وفي الدول العربية الاخرى ، وفتح حكام الخليج حدودهم للتبادل التجاري الحر مع العالم العربي ، وسمحوا للعرب أن يدخلوا بلادهم للعمل والاقامة بلا تعقيدات ، وعاملوهم بانصاف لكان الوضع الآن مختلفا تماما. كانت دولهم ستكتفي ذاتيا صناعيا وزراعيا وتوفر الأمن الغذائي لمواطنيهم بدلا من الاعتماد على الغير واستيراد كل شيء من الخارج.

 اضافة الى خدمة دولهم ، كان بامكانهم لو استثمروا في الدول العربية أن يساهوا في تقدم العالم العربي وازدهاره ، واستقراره ، وكسر الحواجز بين شعوبه. وكان ممكنا أن يقف العرب المقيمين مع دول الخليج في الأزمات أو حتى يحاربوا دفاعا عنها اذا اعتدت عليها ايران أو اية دولة اخرى . شعوب الخليج مغلوب على أمرها ولا يمكن الشك في أصالتها ، وانتمائها العروبي ، وتعاطفها مع قضايا الامة.هذه الشعوب تستحق الشكر على ما قدمت من دعم سخي للقضايا العربية وخاصة فلسطين والجزائر.العنصرية التي تمارس ضد العرب في الخليج ، والحروب الطاحنة التي تدمر سوريا ، والعراق ، واليمن ، وليبا الان ، والمؤامرات التي تحاك ضد مصر وغيرها من الدول العربية ، هي من صنع مشايخ الدول الخليجية. هم الذين خططوا لها ، وزودوها بالمال والسلاح والمرتزقة. لقد ظلم شيوخ القبائل هؤلاء شعوبهم وشعوب الأمة العربية الأخرى. لكن التاريخ لا يرحم وان يوم الخلاص من هؤلاء اللصوص والقتلة آت لا ريب فيه وأن المسالة هي مسالة وقت لا أكثر ولا أقل.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز