نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
الحروب الذكية (١)

بعد سقوط وانهيار الاتحاد السوفييتي وتفرد الولايات المتحدة وحلفائها بالحلبة الدولية، شرعت في حملة شاملة من البلقان لشرق أوروبا للشرق الأوسط حتى إفريقيا بغية رسم خرائط جيوسياسية جديدة تعكس التفرد والهيمنة المطلقة لإدارة العالم، عبر تغيير الأنظمة من الداخل وإشعال فتيل الحروب الداخلية والمواجهات المجتمعية (يـُطلقون عليها اسم الحرب الأهلية)، بحيث تبدو القوة العظمى المدبـّرة لذلك كله خارج اللعبة وبريئة تماماً، ولا علاقة لها “أبداً” بما يحصل، وستقدم نفسها لاحقاً كوسيط وقوّة ورجل “طيـّب” يعمل للحل ولوجه الله، ويسعى لـ”الخير” وطرد القوى الشريرة (الأنظمة المستهدفة)، وإحلال القوى الخيـّرة و”الطيبة” مكانها، وهي ذات القوى والشخصيات التي تمثل وتعمل لمصلحة تلك الدول التي تدير هذه الصراعات وتدبـّرها، وتم فبركتها وطبخها واختيارها وبرمجتها عبر عمل و”Process” مجهد وطويل، هذا ما يمكن أن نطلق عليه اسم الحروب الذكية.

ففي كل مرة، مثلاً، كان لافروف يسأل كيري عن تدخل بلاده في الشأن السوري، فكان الأخير يجيبه بأن لا علاقة لنا بما يجري وهي “ثورة” ضد “النظام” والرئيس ونحن ندعم “الثوار” المطالبين بالحرية والكرامة والديمقراطية، وهي ولا شك كلمات حق يراد بها باطل، فيـُسقط في يدي لافروف الذي سيعجز عن الرد وينزوي كاتماً غيظه وحيرته وهذا نمط مبسط عن كيفية تقديم وطرح ما يحصل والقدرة على التلاعب بـ، وتوظيف المعطيات القائمة.

ومهما قيل في شأن ما يجري في المنطقة من حروب وغزوات وربيع وخريف، ومهما اختلفت وتباينت الآراء والمواقف منها، وسواءً كانت حروباً طيـّبة وخيـّرة ولدوافع محض إنسانية كما يحاول أهلها و”أصحابها” تقديمها للرأي العام، أو شريرة وخبيثة وتدميرية كما أسفرت عن وجهها البشع القبيح، وانقشع غمامها عن رعب فظيع، وبغض النظر عن كل نتائجها التي تبدو في الغالب كارثية ولم تجلب سوى الدم والشؤم والخراب، فإنه، وإنصافاً، لا يمكن إغفال “المهنية” العالية لهذا النوع الجديد من الحروب ودرجة الذكاء العالية في برمجتها والتخطيط لها وإدارتها وإنجاحها والقدرة العالية لإقناع بعض الناس بشرعيتها ونبل أهدافها وإنجاحها وتقديمها بشكل “نبيل” و”إنساني” ولغايات أخلاقية بعيدة جداً، وكل من يخوضها هو طاهر وطيب ونقي، وكل من تـُشن ضده هو ملوث وشرير ولعين. ومع التوظيف والإدراك الدقيق والعميق لسلاح الإعلام، والقبض المحكم على كل مداخله ومخارجه، وتوظيف شخصيات ووجوه عامة ذات ثقل روحي وإبداعي وأكاديمي وأدبي وثقافي فيه لإعطاء حملاتها الدعائية تلك المصداقية والبعد الطهراني والإنساني، فالتغطية الإعلامية الشاملة والمنسقة والمهنية لهذا النمط من الحروب يكاد يطغى على كل شيء، بحيث يظهر أي صوت أو رأي آخر بأنه مجرد نشاز وعيب وصادم و”معيب” ولا يجوز، ووقوف ضد منظومة أخلاقية ومواجهتها، غير أن الوجه الأهم لهذه الحروب هو الاستعداد الكبير والقديم لها، والقدرة العالية على تحشيد “الأصدقاء” والحلفاء والفرقاء، بحيث تبدو القوى المستهدفة مجرد قوى وحيدة شاذة ومنفردة و”متمردة” على “كل” قوى الخير والديمقراطية والمحبة والسلام وإلى ما هنالك من بلاغات لفظية تقدم بها نفسها للجمهور.

كانت الآلات الإعلامية، وماكيناتها الجبارة، وإمبراطورياتها الأخطبوطية تعمل قبل عقود استعداداً وتهيئة لهذه الحروب، وتنسج الأساطير عن هذا وذاك، وتشيطن هذا وذاك، وصولاً لساعة الصفر، و”الأجل” المحدّد والمرسوم لكل دولة وزعيم ونظام، وما كان يـُدفع بسخاء ويضخ بلا هوادة وسؤال في شرايين الإعلام خدمة لإيديولوجيا وتيار ما، وتلميعاً لفلان، مع محاولات حثيثة لضم واجتذاب أعداد هائلة من نشطاء ووجوه المجتمعات كان يثير الريبة لجهة الغاية والهدف من كل ذاك. وأصبح لذلك كلها مرجعيات وأيقونات إعلامية مقدسة لا يمسها الشك ولا يأتيها الباطل لا من خلف ولا من أمام. وسيصاب بالدهشة والخيبة والخذلان إذا ما أخذنا بالاعتبار أن ما يسمى بـ”حلف المقاومة” قد تدارك مؤخراً لأهمية هذا السلاح وقامت روسيا “العظمى” بإنشاء قناة “روسيا اليوم” بلغات متعددة، فيما تمت مؤخراً، وعلى مضض وبولادة شبه قيصرية قناة الميادين والعالم وسواها من قنوات مقاومة، حيث تشكو الترهل والنمطية وغلبة الإيديولوجيا والتزمت عليها وعلى سياساتها، وكل تلك الولادات السريعة والأداء المريب والمبهم لها، يظهر مدى التخبط والقصور الاستراتيجي وشبه العجز والارتجالية في إدارة والتصدي لهذه المواجهات. لقد أثبتت البدايات الأولى لحروب “الربيع العربي” الذكية، سرعة وسهولة إزاحة وإسقاط الدول المستهدفة بالحروب الذكية، فلم يستغرق إسقاط نظام حكم “الديكتاتور” البوليسي زين العابدين بن علي، سوى أيام قليلة رغم ما كان يقدّم به من قوة وديكتاتورية مفرطة وسواه، فيما تهاوى نظام “الفرعون” مبارك خلال أسابيع، واستطاع نظام القذافي الصمود لأشهر معدودات تداعى بعدها كعلبة كرتون وانتهى رموزه على نحو لم يكن يتوقعه له أشد المتشائمين والمعادين لنظام حكمه الديكتاتوري المرعب المخيف.

 

للبحث صلة







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز