د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
دمروا الإنسان قبل تدميرهم للأوطان

هذا الواقع المأساوي للأمة العربية الذي جعلها هدفا سهلا لكل أعدائها والطامعين بمقدراتها ، لا يمكن فصله عن السياسات الإجرامية التجهيلية للحكام العرب التي أوقفت نمو العقل والثقافة والمعرفة ، وانتجت جيوشا من الجهلة المحرومين من حقوقهم وانسانيتهم فاصبحوا أرقاما لا قيمة لها يوجههم طغاتهم من الحكام العرب نحو التهلكة المؤكدة ، ويبيعون أوطانهم ، وينهبون ثرواتهم ، ويحرمونهم من أبسط حقوقهم السياسية ، والإجتماعية، والتعليمية. سلسلة جرائم طغاة العرب لا حصر لها، فالمنطقة لم تنجز شيئا مهما في مجالات العلم والثقافة الإبداعية منذ القرون الوسطى. فبعد سقوط الأندلس، ثم الاحتلال الاستعماري التركي المزين بالطربوش الديني، دخلت المنطقة العربية في حلقة أخرى من الجهل والتجهيل ، وساد البطش ، والتخلف ، والاستبداد.

 انشغل الأتراك بجمع الضرائب وتجاهلوا إقامة مؤسسات المجتمع المدني ، والتعليم ، والثقافة واستعانوا بالعائلات المتنفذة ، والإقطاعيين ، ورجال الدين في مستعمراتهم العربيه لحفظ الأمن وجمع المكوس ، والمحافظة على الوضع الاستبدادي القائم. لم يكن هناك تعليم رسمي كل ما كان متوفرا للناس ولمدة خمسمائة عام ، هو تعليم الكتاتيب الذي عماده معلم جاهل ، ومنهج بدائي مقتصر على القرآن الكريم والحديث الشريف ، وأسس الكتابة الأولية. إستمرت عملية تجهيل الأمة هذه خمسمائة عام وانتهت بإنهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.

بعد ذلك مباشرة بدأ العهد الإستعماري البريطاني والفرنسي والإيطالي ، واستمر الاستبداد وزادت الأطماع في المنطقه ، خاصة بعد أكتشاف النفط وبسبب موقع المنطقة الجغرافي الذي يتوسط الشرق والغرب ويعتبر هام جدا لازدهار إقتصاد الدول المستعمره وسيطرتها على العالم. وكما فعلت تركيا ، جندت الدول الاستعمارية العائلات المتنفذة ، والأغنياء ، ورجال الدين لخدمة وجودها ومساعدتها على استتباب الأمن.

 ومن المدهش أن معظم العائلات التي زرعها الاستعمار وعملت معه للتحكم بشعوب المنطقة ما زالت تحكم حتى يومنا هذا. هؤلاء المستبدون ورثوا السلطة ، وحكموا شعوبهم بالحديد والنار. لكن الجريمة الأكبر التي أرتكبها الحكام العرب المستبدون هي اصرارهم على تجهيل الشعب من خلال تدمير التعليم وعدم توفره إلا على نطاق ضيق. بما أنه لم يكن هناك جامعات كافيه لاستيعاب إعداد الطلاب المتزايدة ، أعتمد التعليم الإبتدائي والثانوي على مدرسين ومدرسات ينقصهم التأهيل التربوي ، والثقافي لخلق أجيال جديدة مؤهلة لإكمال تعليمها الجامعي. كانت الأغلبية الساحقة من مدرسي المدارس الإبتدائية والثانوية من حملة الشهادة الثانويه وإن معظمهم لم يكن مؤهلا للتدريس بسبب عدم معرفتهم بوسائل ، وأساليب ، وفلسفة التعليم.

أما القله التي تمكنت من دخول الجامعات ليكونوا القوة الفاعلة في بناء الوطن الحديث ، فإن حظهم في التعلم والتثقف كان محدودا جدا. الجامعات العربيه كانت وما زالت عاجزة عن القيام بدور رائد في إعداد الإنسان علما ، وفكرا ، وثقافة. السبب في ذلك هو أن التعليم الجامعي في الوطن العربي تعليم إستبدادي يفتقر إلى الحرية الأكاديمية وهي الأساس في التعليم الجامعي ، والمختبرات الحديثه ، والمناهج الحديثة المبنية على اخر ما توصل اليه العلم ، وطرق التدريس ، والمكتبات الغنية بأحدث الكتب والدوريات العلميه والثقافية ، ومراكز الأبحاث الفاعلة ، والمؤتمرات العلميه ، وحرية التعبير ، وحرية الاعتقاد ، وحرية الانتماء السياسي والنشر ، وأعضاء هيئة تدريس مؤهلون وليس لهم ارتباطات مع مخابرات الدولة كما هو الحال في معظم جامعات الوطن العربي حتى يومنا هذا.

 وفق ذلك كله فإن معظم إدارات الجامعات العربيه مسيسة وليست أهلا لأحداث تغيير حقيقي يؤدي إلى بناء مؤسسات علمية بانيه للأجيال. أما السياسه ووسائل الإعلام المقروءة ، والمرئيه ، والمسموعة ، فحدث ولا حرج وقل إنها قائمة على الكذب ، والنفاق ، والمحسوبية ، والدسائس. إنها وسائل إعلان للحاكم وأسرته ومن حوله من منافقين ، ولصوص ، وانتهازيين. لقد علم الإعلاميون ووسائلهم الناس الخوف ، والكذب ، والنفاق ، والجبن. المؤسسة الدينية في الوطن العربي اشتراها الحاكم بالمال والوظيفه. ولهذا وظفت الدولة أعدادا كبيره من رجال الدين المنتفعين في المساجد ، والمحاكم ، ومؤسسات الدولة الأخرى. لقد اختلطت الأمور فاصبح رجال الدين في كل قطر يشرعون للحاكم ما يريده وجعلوا من الدين الإسلامي الحنيف أديانا إسلامية.

تسابق رجال الدين في خدمة السلطان الجائر وفصلوا له الدين كعباءه تستر عورته ، ونزواته ، وبطشه ، وسرقاته ، وتبارك له بيعه للأوطان وشعوبها بأثمان بخسة. حتى عندما يقتتل المسلمون في ما بينهم ، ويدمرون أنفسهم وأوطانهم ، يستمر رجال الدين في دعم سيدهم بإصدار الفتاوى التي تبرر أفعال الحاكم الإجرامية ويعتبرون أن قتلى المسلمين فئتين ، فئة سيدهم شهداء ، والفئة الأخرى كفارا مناحيس ، رغم أن الإسلام يقول بوضوح لا لبس فيه عندما يقتل المسلم أخاه المسلم فالقاتل والمقتول في النار. مئات الحركات الإسلامية ظهرت في الساحة خلال العقود الأربعة الماضية لا لتوحد الأمه ، ولكن لتزيدها فرقة واقتتالا.

 كل حركة تتهم الأخرى بالخروج عن الدين أو حتى تكفرها ، وتعتبر نفسها الوحيده على حق والممثلة الحقيقية للإسلام. هذا الجنون الذي لا علاقة له بالإسلام خلق وضعا فوضويا ، لا أخلاقيا لا يخدم لا الإسلام ولا المسلمين. سلطوا مخابراتهم ، وشرطتهم على الإنسان فأهانووه نهارا جهارا في الشارع ، وفي الدائرة الحكومية ، وفي كل مكان. جردوه من أحاسيسه النبيله ، فهيمن عليه الخوف ، واستسلم للذل والطغيان. شجعوا النعرات الطائفية ، والدينية ، والمذهبية ، والقبلية ، والعائلية واستغلوا هذه الممارسات لأحكام قبضتهم على الوطن والمواطن. باختصار دمر الحكام العرب الإنسان العربي بحرمانه من حقوقه السياسية والإجتماعية ، بحرمانه من التعليم الحديث ، بحرمانه من الأمن على نفسه وأسرته ، بحرمانه من فرص عمل تحفظ كرامته وتمكنه من إعالة أسرته ، بحرمانه من حرية التعبير والاعتقاد والتجمع ، بحرمانه من علاج يليق بالإنسان ، بحرمانه من أي ضمانات إجتماعيه ، وبحرمانه من مستقبل يضمن كرامته وإنسانيته.

بعد أن دمر الحكام العرب الإنسان ، أصبح تدمير الأوطان ممكنا. ما يحدث الآن شاهد على ان ما ارتكبه أولئك الحكام من جرائم ضد أوطاننا وضد إنساننا. إننا الآن ندمر أنفسنا بأنفسنا ، ونتسابق في دعوة أعدائنا للمشاركة في هذا التدمير الممنهج والذي يتعارض مع مصالح شعبنا ويرفضه الإسلام ، دين التسامح ، والمحبة ، والسلام. هل هناك أمل بأن الإنسان العربي سينهض يوما للأخذ بثأره ويدمر من أجرموا بحقه وبحق وطنه ويعيد ألحق إلى أصحابه؟ ذاكرة الشعب لا تموت وإرادتها لا تقهر ، وأنا لا أشك بعراقة شعبنا وقدرته على تصحيح المسار والانتصار على جلاديه ، وكما قال أحد الحكماء "إن الآلام العظيمه تصنع الأمم العظيمه."







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز