نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا بلا سوريين

يشدّك، ولا بد سيبهرك بأن هذا التركيز الإعلامي المتناغم، والأوركسترا الجنائزية، في مختلف الوسائل الإعلامية الغربية الفاعلة والمؤثرة والرئيسية، والنقل المباشر من محطات القطار، وعلى الحدود والتنقل بين المجر وفيينا والحدود الألمانية، والمخصص لـ”نقل” مأساة ومعاناة اللاجئين “السوريين” تحديداً، ليس فقط للتأثير على المواطن الأوروبي، وكسب رضاه في ما سيأتي من سياسات، في واحدة من أكبر عمليات الهجرة والترانسفير ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل من أجل إرسال رسائل إلى من تبقى الداخل السوري لإظهار الجانب “الإنساني الرهيف للغرب، وتبيان مدى اهتمام وتعاطف هذه الدول “الفجائي” والغريب باللاجئين السوريين واستيعابهم في المجتمعات الأوروبية، علماً أن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، كان قد دعا، قبل فترة قليلة فقط، بضرورة قصف مراكب اللجوء، وإغراقها في البحر، ومنعها من الاقتراب من الشواطئ الأوروبية، كونها تشكل خطراً على الاستقرار والتوزع الديمغرافي في الغرب الأوروبي.

 فما عدا مما بدا من موقف هولاند هذا؟ وبداية لا بد من توضيح نقطة غاية في الأهمية، وعلى عكس ما يريد أن يوحي به الإعلام والتعاطي الخارجي مع القضية، وكما أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوضوح لذلك، عندما قال في آخر تصريحاته بأن اللاجئين السوريين يفرون من تنظيم داعش.

وحقيقة، فقد شكـّلت المناطق التي يسيطر عليها الجيش الوطني السوري الباسل البطل، والتي تخضع لـ”النظام”، كما يطلقون عليه، حواضن وملاذات آمنة لكل السوريين الذين هربوا من جحيم “الثوار” المرتزقة و”ثورتهم” السلمية وباتت تعجز وتئن هي الأخرى-المناطق- من تضاعف أعداد سكانها عما كان عليه قبل الحرب. لكن اليوم، ومع الرغبة الجامحة للغرب بتقويض وزعزعة استقرار هذه المناطق ودفع سكانها للهرب والهجرة، فقد بدأ مسلسل استهداف هذه المناطق، وتفجيرات السويداء واللاذقية الأخيرة تأتي في هذا السياق، لدفع السوريين باتجاه مسار واحد ووحيد وهو الخارج.

فبعد فشل كل تلك المحاولات لإسقاط “النظام” وتمكين “الثورة” (الإرهاب الدولي متعدد الجنسيات) من عنق سوريا، وأن كل تلك السيناريوهات التي طرحت حتى الآن لم تفلح في تحقيق ذاك الهدف، فقد انتقل على ما يبدو مشروع ومخطط تدمير سوريا واستهدافها إلى مستوى جديد، ألا وهو إفراغ سوريا من سكانها الأصليين، وجعلها ببساطة بلا سوريين، وإحلال مجموعات بشرية من المرتزقة “الثوار” الأجانب الأغراب والوافدين الجدد ومن جنسيات وقوميات متعددة خضعت لعمليات برمجة وتثقيف طويلة ترسيخ ولاء مطلق لإيديولوجية وفكر وحيد، ومن لون يتيم يمكن التحكم به وقيادته وزرعه مكان السكان الأصليين ووضعه بتصرف وتحت قيادة الخليجيين الذين سيضعونه بدورهم بتصرف حلفائهم الإقليميين والدوليين، والزعم بأن هذا هو قرار “الثوار” السوريين، وهو أحد التصورات التي باتت مطروحة مع اشتداد وتيرة العمليات الإرهابية وارتكاب الفظائع والتفجيرات الإرهابية التي تستهدف الآمنين، والتي انتقلت إلى طور ومناطق كانت تصنف كآمنة يلجأ لها سوريو المناطق الملتهبة، وكي لا يقوموا بمجرد التفكير، بعد اليوم، باللجوء إليها. ولا بد من التساؤل، والحال، وفي الوقت الذي يشتد فيه الخناق الاقتصادي على منطقة اليورو الـ Euro-Zone، وعملية إنقاذ اليونان ال Bail Out الشهيرة ما تزال طرية، والتي أظهرت مدى هشاشة الوضع، والعجز الاقتصادي والصعوبات المريرة التي باتت تثقل كاهل الاقتصاد الأوروبي، وبات فيها دفع راتب المواطن الأوروبي يشكل كابوساً لحكوماته، نقول ما الذي يدفع هذه الحكومات لفتح جروح جديدة وتحمل أعباء مالية هائلة وهي التي كانت قد تمنعت كثيراً قبل أن تمد يدها للمواطن الأوروبي نفسه؟ بعض التسريبات تشير إلى أن إحدى الوكالات الدولية الشهيرة ستقوم بتمويل عمليات الهجرة هذه من الباب لمحراب لغاية في نفس “يعقوب”.

الأخطر والأهم هو ما يحصل على الجبهة الداخلية، ففي ظل هذه الأجواء الضاغطة، فقد يساهم بعض التضييق وتزايد أعداد الفقراء وانسداد الآفاق، والصعوبات المعيشية القاهرة، التي يعانيها مواطنو المناطق الآمنة، والتي تشارك فيها بعض الإجراءات الحكومية كالرفع الدائم للأسعار (أدوية-كهرباء-هاتف-خدمات)، وفرض المزيد من الضرائب المرهقة، في دفع بعض المواطنين للتفكير بالهجرة، وهذه أثمن هدية تقدمها الحكومة “العبقرية” لأصحاب سيناريو التهجير، وبات من الحكمة الالتفات لـ، ومعالجة، والتخلص من كل لتلك الرواسب وطرق التعاطي الرسمي التقليدية المعروفة مع المواطن والتي ساهمت بأجزاء منها في إنتاج أوجه من الأزمة ومن الحكمة عدم تجاهل ذلك.

كل تلك التحليلات التبسيطية التي تذهب باتجاه التهدئة لا تبدو حصيفة أو في مكانها تماماً، وسيناريوهات التصعيد، واستهداف سوريا، تطرح الواحد بعد الآخر وتوضع على طاولة التسعير والتأزيم وبالتوازي مع اشتداد وتصعيد وطأة الإرهاب، وهي بمنتهى الجدية والخطورة ولا يمكن التقليل منها بحال، ومشغول عليها بدقة وتناغم وتنسيق عال من أطراف دولية وإقليمية لا يبدو أنها في وارد التراجع في الأفق المنظور والمدى المرئي، فما الذي أعده المقاومون، وحلفهم، أو المحور القطبي الصاعد الجديد، لتلافي تداعيات وآثار هذا السيناريو الجهنمي الرهيب لإفشاله والقضاء عليه؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز