نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
هجرة سمك السلمون العربي إلى الغرب.. رحلة الانتحار والوصية

كلما أطلّت علينا صورة مأساة تعوذت من الشيطان الرجيم الذي سيرافق التماسيح.. وتعوذت من دموع التماسيح.. لأن من يتصدر مشاهد البكاء والنحيب والتفجع هم أولئك المنافقون والممثلون في أرجاء العالم الذين يبكون على الضحايا فيما لا تزال أشلاء الضحايا معلقة بأسنانهم ودمها على ياقاتهم البيضاء..

كل من اعتلى منصة العالم اليوم ليدلي بدلوه الباكي على المسرح حزنا على صورة الطفل السوري الغريق إنما كان يمعن في إغراقه وإهانتنا.. وكل السياسيين الذين تبرعوا بالدموع والكلمات الملوعة إنما كانوا كالكلاب الضالة الجائعة التي تتجاذب جثة الطفل الغريق.. كل يريد قطعة لحم يعود بها إلى الرأي العام ليقنعه أنه حنون ورقيق وشفاف القلب.. وكانوا جميعا أشبه بكتلة من المنافقين حول ملك ميت يتدافعون حول الجثمان ليظهروا لولي عهده كم هم حزانى على الفقيد ولكن عيونهم تجوس بين الكراسي بحثا عن أقرب مكان من العرش..

الطفل الغريق مات ولكن شيعه حشد كبير جدا من المنافقين والمجرمين واللصوص والتماسيح فيما غاب المشيعون الحقيقيون في غبار الأخبار.. وإن كنا نريد أن نتوخى الدقة فإن من شيعه اليوم ونعاه هم أنفسهم الذين دفعوه إلى الغرق دفعا بأيديهم بل وأبقوا رأسه تحت الماء حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.. وأنا لا أصدق دمعة واحدة من كل الدموع التي تنهمر من عيون التماسيح والتي ستنهمر.. ولا أصدق كلمة عطف وكلمة غضب لأن الغضب العالمي صار صناعة وبضاعة في سوق النذالة السياسية.. فكيف لي أن أصدق من أرسل السكاكين وسقى الكراهية بالكؤوس أنه يمكن أن يكون له قلب وضمير ودموع؟؟

الكل يمسك بالجثة ويدور بها يستغلها في برنامج سياسي حقير خاص به وفي مرافعة استعراضية مضمخة بالكذب والنفاق.. والكل يمسك جثة الطفل ويضرب بها عدوه وخصومه.. ويسدد بها على هدف سياسي حقير..

أردوغان الوغد الذي دمر بلاد الطفل ومدينة أبيه (عين العرب) وأرسل عليهم الدواعش وجبهة النصرة والانتحاريين ومجاهدي النكاح.. أمسك جثة الطفل كما لو كانت حجرا أو مقذوف منجنيق عثماني وضرب بها كل أوروبة التي قال بأنها (حولت البحر المتوسط إلى مقبرة للمهاجرين).. عند أردوغان كل شيء يمكن أن يتحول إلى سلاح حتى الأطفال يمكن أن تفيد جثثهم في التراشق السياسي مع خصومه.. تخيلوا أن اللاجئين السوريين الذين وعدهم أردوغان بأن يكونوا في تركيا مثلما كان المهاجرون أيام النبي بين الأنصار في يثرب يعاملون كالحيوانات المريضة..

يثرب التركية أذلت السوريين اللاجئين إذلالا لم يذله إنسان من قبل.. وسمعت من لاجئين كثيرين كيف يبصق الناس عليهم في الطرقات وكيف لا يمنحونهم سكنا حتى بالإيجار ويطردونهم كالدواب الجرباء.. ورغم أنهم نظريا حواضن الثورة السورية فإن الحكومة التركية تتفنن في تقليص تحركاتهم ومنعهم من العمل إلا في الأعمال الوضيعة جدا ومن الدراسة.. مع أن أردوغان يرسل مهاجرين من شتى أنحاء العالم ليسرقوا كل ما في حلب وادلب من مصانع وآثار وتحف ومياه ومزارع.. وتحولت يثرب أردوغان إلى جحيم لا يطاق لا يستطيع العابرون المهاجرون فيها إلا أن يحلموا بالغرق خارجها.. كخلاص منها..

والزعماء الأوروبيون تراكضوا وتسابقوا لإبداء الأسف الشديد على مشهد الطفل والكارثة الإنسانية رغم أنهم جميعا ضالعون في الكارثة وهم يشددون الحصار على الشعب السوري ويستقبلون الإرهابيين على أنهم أحرار ويتغزلون بالقاعدة على أنها اعتدال.. وإن كنا نتوخى الدقة فإن علينا أن نقول بأن الزعماء الأوربيين هم المساهمون الحصريون في ملكية مصنع الكارثة.. وكل ما يقولونه لا يعدو ثرثرة متخمة بالأخلاقيات القذرة ومحاضرات القتلة في القتل الرحيم.. ولو تمكن الطفل من النهوض لنظر في وجوههم وتقيأ عليها قبل أن يعود إلى موته في تلك الوضعية الأبدية على الشاطئ..

ولم يتأخر العرب ومشايخهم في الهرولة إلى جثة الطفل وجرجرتها بينهم كالضباع التي فاتها بعض اللحم الباقي على العظام وانبروا يحاضرون في الوعظ ويمارسون التكسب من دروس الوعظ الأخلاقي للعالم وتحقيره على صمته.. وهؤلاء تحديدا هم الذين تمتلئ رقابهم وبطونهم بدماء السوريين وأطفالهم.. وهؤلاء جميعا يستحقون الإعدام شنقا بسبب نفاقهم ولأنهم هم الذين كانوا يرون لنا الملائكة تقاتل إلى جانب الثوار ولكن تلك الملائكة لا تملك زوارق مطاط لأخذ المهاجرين إلى شواطئ آمنة.. ولو نهض الطفل لحظات من ميتته لنظر إلى هؤلاء الشيوخ مليا وبصق على لحاهم واحدا واحدا قبل أن يعود إلى مكانه وينام على بطنه كما وجد ميتا..

وأما المعارضة السورية فإنها كالعادة عندما تقتل الناس تمسح السكاكين بثياب الحكومة السورية.. ورغم أنها تسببت بكل الكوارث إلا أن عقلها العفن لا يستطيع أن يقرأ الكارثة إلا على أنها سبب مباشر لسياسات الحكومة السورية ولاشي آخر.. وبذلك أمسكت المعارضة جثة الطفل ورشقت بها الحكومة السورية بقوة كما لو كانت الجثة كيسا رمليا.. علها تصيب من الحكومة السورية مقتلا أو نقطة حرجة رغم أن المعارضة تكبر لحرمان الناس وأطفالهم من الماء والكهرباء والغاز وكل وسائل العيش وترميهم بالقذائف في الشوارع وتهلل لارتفاع الأسعار والدولار وأسعار الشقاء.. علّ في شقاء الناس وهجرتهم طريقا للنصر الثوري.. هؤلاء يذكرونني بقول الله "بأنهم يأكلون في بطونهم نارا"..

ولكن أيضا نحن جميعا نساهم في صناعة ثقافة الهجرة لأننا لا نقول للناس شيئا عن مآسي الهجرة ولا عن الذل الذي يعيشه المهاجر اللاشرعي..

فهناك دوما من يروج قصصا خرافية.. حتى يكاد الشرق تأكله الأساطير.. لأنه يقتات على الأساطير ويشرب عصير الحكايا في المقاهي.. ولأن المقاهي هي التي تقرر لنا حياتنا فإننا لانزال نعيش على أسطورة العالم الغربي المتحضر الراقي المتفوق أخلاقيا وإنسانيا وحضاريا لأنه متفوق علميا.. ولكن لا يوجد مقهى واحد في الشرق ولا حكواتي واحد يقول لنا إن الأخلاق جزء لا يتجزأ.. وبأن الغرب الذي يحرق الشرق لا يمكن أن يكون ودودا تجاه المهاجرين الشرقيين.. في المقاهي الشرقية يتساوى المثقفون والكتاب ورواة سيرة الزير سالم أبو ليلى المهلهل..

الحكواتيون يروون لك الأساطير عن نعمة اللجوء إلى الغرب حتى جعلوا الناس يتركون كل الخيارات أمام خيار الهجرة نحو الغرب حتى ولو عبر شاحنات يموتون فيها مع أطفالهم أو عبر بحار لا ضفاف لها ولا شواطئ.. ولكن من ذا الذي يروج عند هؤلاء أن الغرب جمعية خيرية وأن من يصل فإنه سيصبح شجرة مثمرة هناك؟؟ فينتحر الناس وهم يتدافعون إلى الموت.. لماذا لا يقول الناس الحقيقة للناس بأن من بين ألف مهاجر فإن من يصبح شجرة مثمرة هو واحد فقط أما الباقون فإنهم يخسرون حياتهم وأولادهم وبناتهم.. وأحيانا دينهم.. ويموتون وهم أحياء..

كيف تصور الدراما العربية في مشاهد كثيرة المغتربين على أنهم يعيشون في كوكب النعيم؟؟.. وكيف تصور المواقع الالكترونية العربية جميعها كل من يهاجر إلى الغرب بأنه يعيش عيشة الملوك وأنه يعود فاتحا إلى بلاده؟؟.. وكيف يباهي الإعلام العربي بأبنائه المهاجرين الذين أبدعوا في الغربة دون أن ينوه إلى أن معظمهم لم يهاجر عبر البحر في برميل أو صندوق شاحنة بل دخل معظمهم بشكل شرعي وخاضوا منافسة قاسية وشق بعضهم طريقه بصعوبة حتى وصل إلى النجاح؟؟ كيف يحدثنا الإعلام العربي عن أطفال لاجئين تكرمهم البلديات الأوربية لتفوقهم دون أن يقول لنا ملايين القصص عن الذين لم يبدعوا بل ضاعوا وذابوا وتشردوا ولم يكن لهم نصيب من الرعاية وأن القضية لا مثيل لها إلا المقامرة؟؟.. فأنت تهاجر إلى بلد في شاحنة أو مركب ولكنك أن وصلت عوملت على أنك مجرم ولص تريد سرقة ثروة ليست لك ومشاركة أبناء البلاد طاولة طعامهم سواء سمي لجوءك إنسانيا أو سياسيا..

الإعلام العربي هو المسؤول الأول والأخير لأنه ترك قضية الهجرة اللاشرعية لثقافة المقاهي الشعبية ولم يوجد محاولة جادة للبحث في تفاصيل المجتمع الشرقي المهاجر منذ عشرات السنين الذي يتعرض للتمييز والاحتقار والمعاملة الدونية والقوانين التي تذيبه وتعصره رويدا رويدا حتى حولته إلى شباب متطرف يهاجر إلى حلم أرض الميعاد والهوية في دولة ينتمي إليها عاطفيا هي دولة الخلافة المناقضة لمجتمعه الذي يعامله بعنصرية.. وكل من يقول غير ذلك يكذب على نفسه..

وأنا التقيت في اغترابي الطويل عشرات من المهاجرين الذين هربوا بعائلاتهم يوما في براميل وبين بضائع السفن وفي بطون الشاحنات وكثيرا من الذين كذبوا وحلفوا للسلطات الأوروبية أنهم مطاردون سياسيا وهم ليسوا بمطاردين سياسيا.. ولكن هؤلاء مروا بمرحلة الإذلال والانتظار.. وهؤلاء كانوا مجموعة من الكسالى الحالمين برحمة الغرب الذي أعطاهم ما أرادوا بعد أن أخذ منهم أهم شيء وهو قوة "الرفض والتمرد" لأنه يقوم بترويضهم جميعا ويهددهم بالإبعاد والطرد.. ولا تجد فيهم من يجرؤ على العصيان أو التمرد وإزعاج السلطات رغم أن ما دفعه للهجرة اعتقاده أنه سيكون أكثر حرية في التمرد.. ولذلك فإنك لن تجد في الغرب أكثر لينا وانصياعا وانضباطا من المهاجرين..

وبعد أن تنتزع شوكة التمرد والرفض تبدأ خسارة الأبناء الصامتة.. الأبناء الذين ذابوا واختلطوا بمياه الغرب وصاروا بنصف لسان ونصف شخصية ونصف هوية.. تجد العائلة موزعة على القارات الخمس.. وبعضهم يجد أبناءه في المساجد الباكستانية والسعودية يبحث عن هويته وارتدى ثياب طالبان ثم انتهى في رحلة جهادية ظلامية.. وبعضهم وجد نفسه بلا جذر ولا انتماء..

الإعلام العربي لا يزال يقدم المهاجر على أنه سيسكن يوما في قصر منيف وأن ولده صار أستاذا جامعيا محاضرا.. ولا يزال يقدم المهاجر على أنه في رحلة ولادة بعد أن ضاقت عليه بلاده.. ورحلة لاستنشاق الأنفاس بعد غرق طويل في ذل الوطن.. حتى صارت الهجرة ثقافة الولادة.. والبقاء ثقافة الموت.. ولكن ماذا عن ملايين القصص المروعة عن الذوبان والانتحار والشتات بين القارات؟!..

لا تشبه قوافل الهجرة غير الشرعية المغادرة من الشرق نحو الغرب إلا هجرة سمك السالمون آلاف الكيلومترات عكس التيار للوصول إلى البحيرات العذبة في رحلة شاقة لا يصل بعدها إلا القليل منه إلى بحيرات الاستقرار حيث تقع ملايين منه في أشداق الدببة وشباك الصيادين التي تتربص بها.. وعندما تصل قوافل السلمون المهاجر تكون مجهدة متعبة وتموت هناك بعد أن ترمي بذورها وبيوضها.. لتواصل ذرياتها رحلة شقاء جديدة..

ولا يشبه هذا النزوح تاريخيا إلا هجرة الأوروبيين إلى أمريكا الأرض الجديدة أرض الميعاد وأرض اللبن والعسل.. ولكن كم مات على طريق الهجرة من المهاجرين الأوربيين.. وبعد النجاة الأولى انتقت الحياة القاسية وفق قانون الاصطفاء الطبيعي وقانون البقاء للأقوى أولئك الذين لم يموتوا واجتازوا اختبار البقاء ولكن لا ندري ماذا بقي منهم ومن روحهم المعذبة..

كيف يمكن لهذا الغرب الذي تدمر نخبه الثقافية والسياسية الشرق وتنشر فيه الفوضى الخلاقة والدمار.. كيف له أن يعامل المهاجرين اللاشرعيين إلا على أنهم زوائد دودية؟؟ وكيف له أن يضمن لأبنائهم حياة كريمة وهو الذي يربي أبناءه على أن القادمين من ما وراء البحار خطر عليكم ولا ينتمون لكم ما لم يخلعوا جلودهم التي جاؤوا بها..

لو كان الغرب أخلاقيا ويكترث للمعاناة الشرقية وللاجئين لتوقف عن التغاضي عن الحقيقة.. الحقيقة هي أن الغرب تنكر للفلسطينيين قبلا وكان يعلم لاحقا أن الربيع ليس ربيعا بل محرقة ولكنه نفخ فيها ولم يقل الحقيقة.. الغرب نفسه قتل ملايين العراقيين والليبيين واليمنيين والسوريين والسودانيين واللبنانيين والفلسطينيين.. وهو نفسه الذي قتل ملايين الأفارقة والهنود والفيتناميين والكوريين.. وهذا الغرب الذي لا يرحم لن يرحم المهاجرين مهما تشدق.. الغرب نفسه هو الذي دفع كثيرين في سورية للتورط في حرب بلا أخلاق تحت وعد الحرية ودفعهم إلى حمل السلاح ودافع عن المجازر التي ارتكبتها المعارضة بحجة الدفاع عن النفس..

متى يتوقف سمك السلمون العربي عن القفز عكس تيار الماء بحثا عن البحيرات العذبة.. ومتى يتوقف عن القفز في أشداق الدببة..؟؟ أليس من واجبنا جميعا أن نقول له الحقيقة..

يا سمك السلمون المهاجر.. ليست هناك بحيرات عذبة..

يا سمك السلمون المهاجر.. في الطريق نصف الموت.. ونصفه الثاني في البحيرات العذبة حيث تكمن النهايات القاسية.. يا سمك السلمون العربي.. ليست لك إلا أوطانك لتعيش فيها.. فلا تخربها ولا تهدمها ولا تهرب منها بل دافع عنها ولا تتركها للدببة.. سواء كانوا دببة الداخل.. أو دببة الخارج.. ورسالة الغرق الأخيرة هي رسالة هداية ووصية بألا تهاجر.. فلا تنس الوصية الأخيرة التي كتبها جسد طفل على الشاطئ.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز