أحمد قويدر
ahmedkouider55@yahoo.fr
Blog Contributor since:
19 March 2014

 More articles 


Arab Times Blogs
الشعوب التي يقودها رجال الدين لا تستحق الحياة

أبدأ مقالي هذا بحادثة طريفة وقعت لي عندما ذهبت للتسوق منذ أسبوعين أو أكثر بقليل . رأيت أحد الباعة المتجولين للفواكه فاقتربت منه لأشتري قليلا من الفاكهة . سألته عن سعر كيلوغرام من العنب فأجاب : 170 دينارا جزائريا ( حوالي دولار وخمس بالسعر الرسمي ) . وبينما أنا أفكر كم أشتري من العنب التحق بنا إمام من أئمة مساجد الحي الذي نسكنه . ما إن رآه الفاكهاني حتى ترك كل ما بين يديه وانفجر ترحيبا به وانهال على رأسه تقبيلا وعلى كتفه لثما ، وكأنه رأى النبي محمدا شخصيا. سأله الشيخ عن سعر كيلوغرام العنب فأجابه : « سعر الكيلوغرام من العنب 170 دينارا ، وبالنسبة لك 150 دينارا، وأرجو منك ياسيدي الشيخ أن تدعو لنا الله بالهداية والرحمة والغفران » . طبعا أنا لما رأيت هذا التصرف لم يعجبني وقررت عدم الشراء منه .ذهبت ولسان حالي يقول لي : لماذا لرجال الدين في بلداننا كل هذا التأثير على عقول الناس ؟ يعتقد العوام أن مفاتيح الجنة بيد رجال الدين ، ويؤمنون بأن التقرب منهم ( رجال الدين ) يحجز لهم مسكنا مريحا في جنة الفردوس ! أغلب رجال الدين أشباه أميين بلغة العصر الحالي ، فباستثناء حفظهم للقرآن عن ظهر قلب ، وترديدهم لأقوال الأولين كالببغاوات ، فهم يجهلون كل شيء عن العلوم الحديثة ، ويفتقرون إلى ثقافة عامة .

 مجرد ارتداء عباءة وعمامة وحمل سبحة يجعل من المرء قديسا . وإذا سألت الناس عن سبب تقديسهم رجال الدين ، قد يجيبك بعضهم بأن دعواتهم مستجابة لدى الله ، أي أنهم يتوسطون لهم عند الخالق ليدخلوهم الجنة . وعندها قلت لنفسي : ما الفرق بين ما كان يفعله «مشركو» قريش قبل مجيء الإسلام وما يفعله الناس هذه الأيام . عندما سئل القرشيون عن سر عبادتهم الأصنام ، أجابوا « وما نعبدهم إلا ليقربونا من الله زلفى » ، أي نحن لا نعبد الأوثان لذاتها ، وإنما نتخذها واسطة لتشفع لنا عند الإله . وقد يجيبك البعض الآخر أن رجال الدين يشرحون لنا أمور ديننا ويبينون لنا الحرام والحلال. إذا كانت هذه هي إجابات الأميين وأشباه الأميين وأشباه المتعلمين ، يمكن اعتبار ذلك منطقيا، أما أن تكون من متعلمين و«مثقفين» فهذا ما لا يقبله العقل السليم. لقد رأيت دكاترة وأساتذة يستمعون لخطب و«دروس» أئمة جهلة ليس لهم من العلم إلا حفظ القرآن وبعض الأحاديث.

 لماذا أعطى الخالق لي عقلا ؟ أليس للتفكير به واستعماله للتفرقة بين ما ينفعني وما يضرني ؟ هل أنا في حاجة لأن يأتي إلي القرضاوي أو ابن عثيمين أو ابن الباز أو الألباني أو أحمد الطيب أوخامنئي أو السيستاني أو نصر الله أو غيرهم ليقول لي هذا حلال وهذا حرام ، أو لينذرني بأنه بعد الموت يوجد حساب وعقاب ؟ أو ليعلمني بأن الرسول محمدا والخلفاء «الراشدين » ومن أتى بعدهم كانوا يتصرفون بطريقة معينة ؟ أليس في إمكاني أن أستعمل المخ الذي منحني إياه الإله وأفكر به وأدرس تاريخ المسلمين والمسيحيين واليهود وغيرهم من الديانات الأخرى ؟ لقد بينت الدراسات الحديثة تناقضات صارخة بين الأديان والاكتشافات العلمية ، ونحن هنا ليس بصدد هذا الموضوع .

  لقد أصبح الدين سلاحا فعالا في يد الساسة يستخدمونه للسيطرة على القطعان ( عفوا الشعوب) لتنويمها وتخديرها وتوجيهها الوجهة التي يريدونها حتى تضمن لهم البقاء في الحكم . فهذا القرضاوي ، نجم الإخوان المسلمين، يستخدمه حكام مشيخة قطر ليفتي لهم فتاوى على المقاس ، ولاستعماله ضد الأنظمة العربية الأخرى المنافسة لها . ويلقب الآن بمفتي النيتو لسكوته ، بل ولتبريره إقامة قواعد أميركية على أراضي عشيرة قطر ، والتي انطلقت وتنطلق منها طائرات « المشركين » لتهدد ولتضرب «الإخوة في الدين» في إيران العراق وسوريا وأفغانستان. ما زال القرضاوي يمثل في نظر « الإخوان المسلمين » قمة الورع والتقوى وترك ملذات الحياة مع أنه تزوج من بنت في سن حفيدته ، وأقصد بها الفتاة الجزائرية، أسماء بن قادة ، التي عمل لها غسل مخ و« وأكله» لها .

 والشيخ «الجليل » القرضاوي لا يقدم خدماته لأصحاب « العباءات » مجانا ، فهو يتلقى مقابل ذلك ملايين ، بل عشرات الملايين من الأوراق الخضراء من مستخدميه . هل تصدق أيها القارئ الكريم أن كلا من الشيوخ الآتية أسماؤهم أفتوا بتحريم الديمقراطية لأنها ، في نظرهم ، بدعة ابتدعها « الغرب الكافر »، ولأنها تعطي الحق للشعب ( أو الأمة كما يقولون ) في انتخاب حكامه واختيار النظام السياسي لتسيير شؤونه ، بدل « حكم الله » الآتي من السماء والمتمثل في الحاكم الذي يجب طاعته وعدم الثورة عليه ، لأنه يستمد أحقيته بالسلطة من الإله . هؤلاء الشيوخ هم : مقبل الوادعي ، عبد المحسن العباد ، ربيع المدخلي ، صالح الفوزان ، صالح آل الشيخ ، عبد العزيز آل الشيخ ، محمد الإمام ، ..... وأضافوا أن نظام الانتخابات والبرلمانات ليس نظاما إسلاميا ، وهو يدخل ضمن قائمة «البدع» التي « حرمها الله !!» . ومن بين حججهم التي أوردوها لتحريم الديمقراطية هي أن الديمقراطية أسلوب حكم الأنظمة «الكافرة » تسوي بين المسلم و «الكافر» ، وبين الرجل والمرأة ، وهذا النظام حسبهم قائم على الكذب والنفاق والتزوير ، عكس النظام الإسلامي الذي يتولى فيه «أهل الحل والعقد » تعيين الحاكم كما حدث في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة النبي محمد.

لقد أفتى كل من « العالمين الجليلين » ابن الباز وابن العثيمين فتوى ينكران فيها دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس ، بل يؤكدان أن الشمس هي التي تدور حول الأرض ، ولا يصدقان «أكذوبة » هبوط الإنسان على سطح القمر !! ولقد حاول أنصارهما تكذيب ذلك فيما بعد ، إلا أن الحقيقة هي أنهما قالا ذلك .

 أنا لا ألوم الشيخين على فتاواهما ، ولكني أتعجب من الذين يصدقون مثل هذا الهذيان ، وما أكثرهم ! وأفتى الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، المفتي الأعلى للعربية السعودية ، بوجوب هدم كل الكنائس في شبه الجزيرة العربية لأنها أماكن عبادة « للكفار » ، كما أفتى بوجوب طاعة أولي الأمر ( أي الحكام ، وهو يقصد هنا آل سعود ) وعدم الثورة عليهم . وقد ندد «سماحته» بما يقوم به تنظيم «داعش » ،الذي تموله السعودية والمشيخات التي على شاكلتها ، لأنها في رأيه تقتل المسلمين ، ولكننا لم نسمع من «فضيلته» تنديدا بما تقوم به العربية السعودية من تقتيل للمسلمين اليمنيين وتدمير لهذا البلد المسلم ، لأن ذنب اليمنيين الحوثيين الوحيد أنهم مسلمون شيعة . «آيات الله» في إيران يتحكمون في مصير الشعب الإيراني الضاربة حضارته في أعماق التاريخ . « الآيات » في بلد «داريوس» يستمدون شرعيتهم ، حسب رأيهم ، من الرسول محمد .

 والديمقراطية ( أو الشورى أو سمها ما شئت ) التي يتباهون بها هي ديمقراطية الحزب الواحد ، أي أنها تشبه الديمقراطيات الشعبية في الأحزاب الشيوعية . وتختلف عنها في أن فيها أكثر من مرشح للانتخابات المختلفة ، بشرط أن يوافق عليه « الآية الأسمى » ، السيد علي خامنئي . وإذا حاول شخص خارج « حزب الله » ، أي من حزب الشيطان ، الترشح ، فإن غربال «المرشد الأعلى للثورة الإسلامية » لن يسمح له بالمرور . وكل من هو خارج «حزب الله» من الليبراليين والاشتراكيين والشيوعيين والأحرار فلن يسمح لهم بالترشح . وعند انتخاب رئيس للجمهورية في إيران فسلطته محدودة ، لأن السلطة الفعلية في يد «المرشد الأعلى » . هذا النظام يستمد وجوده واستمراره من إيمان شريحة كبيرة من الشعب الإيراني به ! يعتقد كثير من الإيرانيين بأن أصحاب العمائم السوداء معصومون من ارتكاب الأخطاء « لا ينطقون عن الهوى » ، وهذا لأنهم من نسل علي بن أبي طالب ، أي من أصحاب «الدم الأزرق » ، أي من الأشراف .

 وان الإله هو الذي منحهم حق حكم الناس ، وكثيرون يؤمنون بهذا. لبنان المسكين ذنبه أن به طوائف دينية كثيرة من شيعة ( أمل وحزب الله) وسنة ومسيحيين موارنة وكتائب ودروز يتحكم في أغلبها رجال الدين، وكل طائفة تتلقى أوامرها من مموليها ، فالسنة يتلقون الأوامر بشكل رئيسي من آل سعود ، والشيعة من إيران وسوريا ، والمسيحيين بشكل رئيسي من فرنسا ، وبعضهم من إسرائيل . والضحية هي الشعب اللبناني المسكين الذي ظل وسيظل منقسما على نفسه ما دام رجال الدين هم المتحكمون في مصيره . دفاع رجال الدين المستميت عن الإسلام ليس لأنهم كلهم مقتنعون بتعاليمه ، بل لأن تربعهم على عرشه يحقق لهم مصالح جمة . أصبحت القنوات التلفزيونية الداخلية والفضائية تتسابق على النجوم من رجال الدين على اختلاف أنواعهم ، وتدفع لهم أجورا مغرية، لأن ذلك يجلب لها أكبر عدد من المشاهدين ، وهو ما يحقق لها مكاسب إشهارية . ويحقق رجال الدين مكاسب كبيرة من بث خطبهم وفتاواهم عبر وسائل الإعلام المختلفة وطبعها على الأقراص المضغوطة وتأليف وبيع الكتب الدينية .

ولا ننسى المكانة الاجتماعية الكبيرة التي يحظى بها بائعو السراب في مجتمعات تؤمن بالخرافات ، بها نسب عالية من الأمية ، وحتى نسبة عالية من المتعلمين بها تعليمهم ديني يجعلهم مستعدين لتقبل الخوارق والكرامات والمعجزات !! وأختم مقالي هذا بتساؤل قد يبدو غريبا في نظر البعض : هل تستحق هذه المجتمعات التي تؤمن بـ « بابا نوال » أن تعيش وتحيى في عصر العولمة والاختراعات السريعة ، عصر يمكن تشبيه شعوبه براكب دراجة ، إذا لم يسرع أي شعب ويتقدم فإنه سيسقط لا محالة !!







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز