أحمد قويدر
ahmedkouider55@yahoo.fr
Blog Contributor since:
19 March 2014

 More articles 


Arab Times Blogs
التظاهر بالتقوى أو المتقون المزيفون Les faux dévots

وأنا أتصفح إحدى اليوميات الإلكترونية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية ( Algérie Focus ) ، لفت نظري مقال للسيد عزيز بن يحيى بعنوان : « لن أذهب لأصلي معكم =Je n’irai pas prier avec vous ) ، والذي يتكلم فيه عن ظاهرة جديدة لم تكن موجودة من قبل ، وهي ظاهرة إقامة الصلوات الجماعية على رمال شواطئ البحر . وقد أرفق المقال بصورة لمجموعة من الملتحين وغير الملتحين ومعهم أطفال ، بعضهم يرتدون قمصانا أو عباءات والبعض الآخر يرتدي شورتات للسباحة ، ويصلي خلفهم نساء بالحجاب . وبجانب هؤلاء مصوران يأخذان صورا لبثها عبر الإنترنت لتستعمل للدعاية لـ « الدين الجديد » ! قبل أن أدخل في صلب الموضوع ، أود أن أروي لكم « مغامرات » أحد الصحافيين البريطانيين في مصر.

 يقول هذا الصحافي أنه زار مصر في العديد من المرات وهو يحسن اللهجة المصرية . لقد لاحظ أن المجتمع المصري متدين بشكل مبالغ فيه . المساجد مكتظة بالمصلين ، خاصة يوم الجمعة ، بل أنهم يصلون في الطرقات والشوارع العمومية . وكثير من الناس يلبسون قمصانا دينية ويسدلون اللحى ، ويعلقون الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأدعية فوق جدران محلاتهم التجارية وفي البيوت وحتى داخل وخارج السيارات .

 أراد هذا الصحافي أن يجري دراسة عن مدى صدق هذا التدين ، وهل هو مجسد في التعاملات اليومية . قال هذا الصحافي أنه عندما زار مصر في إحدى المرات تظاهر بأنه لا يحسن غير اللغة الإنجليزية ، وأن زيارته لمصر هي الأولى ، وهي بهدف السياحة والتعرف على الآثار الفرعونية التي يزخر بها هذا البلد. قال لما نزلت من الطائرة ، ركبت سيارة أجرة من المطار إلى فندق أعطيت اسمه للسائق ، وعند وصولي إلى الفندق ، طلب مني السائق ضعف الأجرة المعتادة ، مع العلم أنه كان يشغل شريط كاسيت قرآن طول الطريق ، وكان ملصقا آيات قرآنية داخل السيارة . وقال أن هذا الفندق الذي نزل فيه لا يعرفه فيه أحد ، وعندما طلب من صاحبه أجرة مبيت ليلة ضاعفها مرتين ، لأنه طلب من مصري أن يسأل عن الأجرة قبله.

 وحدث له نفس الشيء في المطعم ، وفي المقهى ، ....، وانتهى إلى نتيجة هي أنه من بين عشرة مصريين « متدينين » وجد واحدا فقط نزيها والباقي كلهم محتالون وغشاشون ! ولكي لا «يزعل » « أشقاؤنا » المصريون ، سأحكي لهم عن الجزائريين في الجزائر وفي فرنسا ما يشبه ما لديهم من نفاق . ظاهرة التدين المغشوش الموجودة في الجزائر لم تكن موجودة من قبل . يوجد في الجزائر حوالي 000 20 مسجد ، دون ذكر قاعات الصلاة غير الرسمية، أي بمعدل مسجد لكل 000 2 شخص ، بما فيهم الرضع والمجانين والمهاجرين القانونيين وغير القانونيين . كل هذه المساجد لا تكفي للصلاة ، حيث تغلق الطرقات والشوارع أيام الجمعة لعدم كفاية المساجد .

  فيما مضى ، كان يصلي في المساجد المسنون ، ولم تكن تذهب إلى الصلاة فيها النساء إلا في بعض المدن الكبرى ويوم الجمعة فقط ، أما الآن فكل الناس تقريبا يصلون . وتستعمل مكبرات الصوت في الآذان وفي نقل خطبتي الجمعة ، و«دروس» رمضان وصلوات التراويح . ظاهرة ارتداء « القمصان ـ الأكفان » وعباءات الأفغان ، وإسدال اللحى ، وحلق الشوارب والعفو عن اللحى، صارت موضة من الموضات ، وهي في تزايد مستمر. ظاهرة أخرى لم تكن موجودة من قبل ، وهي ظاهرة «الحجاب الإسلامي» بنوعيه ، الحجاب الجزئي والكامل ( تسمى النساء اللاتي يرتدين النقاب بالخفافيش Chauves- souris ) ، فنادرا ما تجد فتاة أو امرأة إلا وهي مرتدية الحجاب . والحجاب المنتشر بكثرة هو الذي يخص تغطية الشعر فقط .

 الحجاب حسب الإسلاميين هو دليل على العفة والشرف وعدم الانزلاق في هوة الزنا والبغاء ، وفاتهم المثل القائل أن اللباس لا يصنع من الإنسان راهبا= L’habit ne fait pas le moine ، بل التربية الصحيحة غير القائمة على الرياء والمظاهر الخداعة هي التي تصنع مواطنا صالحا. وتشير الإحصائيات أن حالات الشذوذ والانحراف واستهلاك المخدرات تكثر في الدول التي تطبق فيها الشريعة الإسلامية كالعربية السعودية، أكثر من غيرها .

لحد الآن لم أفهم المغزى من تغطية شعر المرأة . حسب فهمي ، خلق الإله الشعر للبشر ، الرجل والمرأة ، ليحمي المخ من البرد والحرارة قبل اختراع الملابس والطاقيات. إذا شعر الإنسان بالبرد أو الحر فلا بد أن يغطي رأسه لكي لا يصيبه أذى ، أما أن تتخذ تغطية الرأس كأيديولوجية لتمرير خطاب ديني معين ، فهذا ما لا يقبله أي عقل يفكر تفكيرا سليما . وما أدهشني حقا ، أن فتيات الجزائر يغطين شعورهن ، ويلبسن سراويل ضيقة تبين مفاتن المرأة التي تثير غرائز الشباب المحرومين من الاختلاط بالفتيات ، ولا أحد يعيب ذلك أو ينتقده . حتى بنات الإسلاميين يفعلن ذلك. ولا أخفيكم أن صورة الفتاة التي ترتدي خمارا وهي بالمايوه التي شاهدتها في موقع Arab times أعجبتني كثيرا ، وهي معبرة جدا ! لما يكون المجتمع متدينا ، أي يخاف الخالق ، ينعكس ذلك في تصرفاته ، ويتجسد في معاملاته اليومية مع الآخرين.

 لكن ما نلاحظه يناقض ذلك تماما. إذا ذهبت إلى السوق لتشتري خضارا وفواكه ، ترى في الجهة المرئية لك أجودها ، وعندما تهم بالشراء يقوم التاجر بوزن خضار وفاكه غير تلك المعروضة ، أي من النوع الرديء . وإذا ذهبت إلى الجزار لتشتري لحما فنفس الشيء . وعمم ذلك على بقية التجار. وإذا قصدت إدارة لاستخراج بعض الوثائق الإدارية ، يقال لك في بعض الأحيان أنه يصلي ، ويستغرق في ذلك وقتا طويلا ، وعندما يأتي تجده يتباطأ في عمله ، ويبدأ بالأصدقاء والمعارف. السرطان الذي ينخر جسم المجتمع الجزائري « المسلم المتدين » هو الفساد ( الرشوة ) . عندما يريد شخص الحصول على منصب عمل أو يجري مسابقة للدخول إلى تخصص جامعي مطلوب ، أو الدخول إلى الجيش أو الشرطة أو الحماية المدنية ، فعليه أن يدفع ، وإلا فلا أمل له في الوصول إلى مبتغاه مهما بلغت كفاءته . حتى التعليم في جميع مراحله ، من الابتدائي وحتى الجامعي ، أصيب بمرض الفساد والغش المنظم .

 الانتقال من مستوى تعليمي إلى مستوى أعلى منه يتم عن طريق الغش ، ولم تسلم الامتحانات الرسمية كالبكالوريا وشهادة التعليم المتوسط ( الإعدادية ) منه. إذا تجولت في مدن وقرى الجزائر ، في الشوارع والأزقة ، تصدم بالأوساخ في كل مكان ، والروائح الكريهة ، والطرق المحفورة . وعند سقوط الأمطار بشكل عادي ، تتحول الشوارع إلى سيول تجرف كل شيء أمامها . الأموال الطائلة التي صرفتها الدولة على تزيين المحيط وتعبيد الطرق وبناء مساكن للناس لم تؤت النتائج المرجوة منها.

 ويلقي دعاة الحل الإسلامي باللائمة على الحكام « الكفرة والخونة والمتواطئين مع الكفار الغربيين ، وخاصة الفرنسيين» ، مع العلم أن الإسلاميين شاركوا في عدة حكومات ، وأقصد بذلك حزب «حركة مجتمع السلم» (حماس سابقا) ، وحزب « تاج » الذي أسسه السيد عمار غول ، الوزير الحالي للسياحة ، المنشق عن (حماس ) ، والمتورط في فضيحة الطريق السيار شرق ـ غرب . ولا أنس أن أشير إلى حالة اللاأمن في المدن والقرى الجزائرية ، ولكي يتأكد المرء مما أقول فلينظر إلى أبواب ونوافذ المنازل الجزائرية ، فالأبواب من حديد والنوافذ محصنة بالحديد ، تبدو للمرء وكأنها سجون أو قلاع منيعة .

 حتى المساجد ترتكب فيها السرقات ، خاصة سرقة الأحذية ! عندما أسمع المسئولين الجزائريين في التلفزيون الرسمي يتكلمون عن تشجيع السياحة أسترسل في ضحك جنوني . أول شرط يجب توافره لجلب السياح هو الأمن ، وأنا هنا لا أتكلم عن الإرهاب ، فهذا موضوع آخر ، ولكن أتكلم عن أمن الأشخاص والممتلكات في بلد ليس فيه إرهاب. حتى الجزائريون لا يجازفون بالتنقل إلى بعض الأماكن . التوقف بالطريق لقضاء الحاجات الطبيعية قد يعرض صاحبه إلى مالا يحمد عقباه.

عندما أرى منازل اليابانيين والفنلنديين والسويديين والدانمركيين « الكفار » التي أبوابها من زجاج وتترك مفتوحة ، أقول ياليت هؤلاء كانوا قومي وعشيرتي وأهلي ، ياليتني كنت «كافرا» مثلهم !! أهذا هو المجتمع الذي يملأ المساجد ويتعبد ويتهجد في رمضان ، ويحج بالآلاف إلى بلاد نجد والحجاز ؟؟ التجار الجزائريون ( أغلبهم إسلاميون ، لأنه حسب رأيهم يعتبرون التجارة مهنة شريفة لأن الرسول محمدا كان يمارسها )، يشتغل بعضهم أيضا في التهريب ، ويتهربون من دفع الضرائب للدولة الجزائرية ، لأنها في نظرهم كافرة لا تحكم بشريعة الله ، والأرباح التي يحققونها يذهبون بها إلى الحج والعمرة عدة مرات لملء خزائن «خادم الحرمين » الذي قضى جزءا من عطلته الصيفية في الشاطئ الأزرق ، جنوب فرنسا ، عند « الأعداء الكفار» . هل يعقل أن أموال المسلمين تذهب إلى خزائن «الكفار» . وجزء من هذه الأموال تشترى بها أسلحة وذخيرة لضرب المسلمين اليمنيين والسوريين والليبيين .

 ويجهل هؤلاء الجزائريون الذين يحولون أموال بلدهم الشحيحة إلى العربية السعودية التي تغرق السوق بالبترول حتى انخفض إلى حدود الـ 40 دولارا للبرميل. تعود أسباب تواجد الجزائريين في فرنسا بكثرة إلى التاريخ والجغرافيا واللغة والاقتصاد. من المعروف أن فرنسا احتلت الجزائر لفترة تفوق 130 سنة ، وقد ضمتها إلى الولايات ( العمالات أو المقاطعات Départements ) الفرنسية ، أي أصبحت جزءا من فرنسا ، وهذا ما دفع الجزائريين للهجرة إلى فرنسا للبحث عن عمل . بعد الاستقلال في بداية الستينيات من القرن الماضي ، ازدادت الهجرة نحو البلد «المسدس L’exagone »، بسبب اللغة وقرب المسافة بين الجزائر وفرنسا . ولا ننسى أن كلا من فرنسا والجزائر تربطهما علاقات اقتصادية وطيدة ، حيث تشتري فرنسا من الجزائر الغاز الطبيعي أساسا ، وتستورد الجزائر منها المنتجات الصناعية والزراعية .

وبسبب فشل سياسات التنمية الجزائرية منذ الاستقلال ، يعاني الجزائريون من ارتفاع معدلات البطالة ، خاصة بين الشباب، مما دفع هؤلاء نحو الهجرة نحو أوربا ، وخاصة فرنسا . كان الشباب الجزائري المهاجر بشكل قانوني أو بشكل غير قانوي في قوارب الموت يعتقد أنه سيجد في فرنسا « بلد الذهب Eldorado » أو الجنة الموعودة ، ولكنه سرعان ما يصدم بواقع مر. عدم تماثل الثقافتين ، الفرنسية (المسيحية ـ اليهودية Judéo-chrétienne ) ، والجزائرية ( الأمازيغية ـ العربية ـ الإسلامية ) ، جعلت المجتمع الفرنسي يلفظ المهاجرين ، وحتى الذين ولدوا في فرنسا ويحملون الجنسية الفرنسية لم يستطيعوا الاندماج في المجتمع الفرنسي ، ويتجلى عدم الاندماج في التجمعات السكانية في ضواحي المدن الكبرى فيما يسمى « الضواحي Les banlieues» ، حيث الانطواء والتقوقع . ومع أن الجزائريين المولودين في فرنسا يحملون جنسية هذا البلد ، إلا أن لفظ المجتمع الفرنسي لهم جعلهم تائهين يبحثون عن هوية جديدة ومعالم تنير لهم طريقهم في هذه الحياة التي ما فتئت تتعقد يوما بعد يوم .

 بعض هؤلاء الملفوظين سقطوا فريسة للانحراف ، حيث انخرطوا في المنظمات الإجرامية التي تتاجر في المخدرات ، وتقوم بعمليات السطو والسرقة تحت تحديد السلاح . والبعض الآخر منهم تلقفهم المتاجرون بالدين الذين لقنوهم كراهية الغرب والمسيحي واليهودي ، واستعملوهم في العمليات الإرهابية . لقد وجد هؤلاء الشباب المنخرطين في المنظمات «الجهادية » فرصة للانتقام من الغرب « الكافر» الذي لم يتقبلهم ولم يستطيعوا الاندماج فيه . ولكي يتحدوا فرنسا ، ويظهروا للمجتمع الفرنسي أن هويتهم تختلف عن هويته ، لم يجدوا من «هوية» سوى الإسلام المتطرف ، أو رفع الأعلام الجزائرية خلال مباراة رياضية ، كما حدث في مقابلة بين المنتخبين الجزائري والفرنسي لكرة القدم ، حيث قاموا بالتصفير عند عزف النشيد الوطني الفرنسي La Marseillaise ! المعروف في العادات والتقاليد الجزائرية أن المرء عندما يذهب إلى شخص آخر ، عليه أن يتقيد بنظام المضيف وأن يتصرف حسبما تسمح به قواعد الضيافة . الجزائريون يذهبون إلى فرنسا ويريدون فرض عاداتهم وتقاليدهم على المجتمع الفرنسي . بل أن هذه العادات ليست عادات الجزائريين ، ولكنهم تلقوها من شعوب أخرى . القوانين الفرنسية قوانين لائكية (علمانية ) تفصل بين الدين والحياة العامة







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز