أحمد قويدر
ahmedkouider55@yahoo.fr
Blog Contributor since:
19 March 2014

 More articles 


Arab Times Blogs
هل المسلمون متسامحون مع غير المسلمين ؟

يتباهى المسلمون على غيرهم بأنهم أكثر تسامحا مع الأمم والشعوب الأخرى التي تدين بديانات غير الدين الإسلامي ، ويعطون أمثلة عن هذا التسامح في عهد الأمويين في الأندلس ، حيث كان المسلمون والمسيحيون واليهود يعيشون في «تناغم وانسجام» حسب زعمهم . ومن عادتي ألا أقبل ما يقال لي إلا بعد دراسة وتمحيص . لذلك عقدت العزم على استشارة كتب التاريخ علها تروي عطشي لمعرفة حقيقة ما كان يحدث في تلك الحقبة ، والتي كانت فيها الغلبة للمسلمين على غير المسلمين .

قبل البدء في البحث في كتب التاريخ عن كيفية معاملة المسلمين لغير المسلمين الذين كانوا يعيشون تحت سلطتهم في الأندلس، أود أن أوضح مفهوم التسامح ، وأنا هنا أقصد التسامح الديني . التسامح الديني هو موقف شخص( أو مجموعة من الأشخاص) يملك (أو يملكون ) سلطة منع شخص أو مجموعة من الأشخاص يختلفون عنه ( أو عنهم ) في القيم والمعتقدات والتقاليد والعادات، من ممارسة شعائره ، ومع ذلك يسمحون له بممارستها بحرية. ومن المعروف أن أي شخص يؤمن بدين من الأديان أو مذهب من المذاهب ، فهو بالضرورة ينكر الأديان أو المذاهب الأخرى المختلفة عن دينه أو مذهبه ، ويعتبرها غير صحيحة أو مزيفة . بل أن أنانية البشر ، وتطرفهم في بعض الأحيان ، تدفعهم إلى معاداة الآخرين المختلفين عنهم فيما يؤمنون به .

 وقد يصل الأمر ببعض المجانين إلى إجبارهم على الإيمان بما يؤمنون به ، وإلا يلجأون إلى محاربتهم وقتالهم وقتلهم ! عند غزو( عفوا فتح) المسلمين للأندلس ، اتهم المسيحيون ، السكان الأصليون لجنوب إسبانيا ، اتهموا اليهود بالخيانة والتعاون مع الغزاة المسلمين . وفعلا تعاون اليهود مع الأسياد الجدد ، واليهود دائما ينحازون إلى الأقوى للحفاظ على وجودهم ومصالحهم ، وهي سمة الضعفاء والأقليات .وقد أعتبر المسلمون المسيحيين واليهود، الذين يعيشون في البلاد التي تحت سيطرتهم، من أهل الذمة . ويقصد بالذمي الشخص المسيحي أو اليهودي الذي أعطاه المسلمون عهدا بأن يحافظ على دينه ويمارس شعائره، و يأمن على ماله وعرضه، مقابل أن يدفع ضريبة تسمى الجزية« La capitation » . كان الكهنة والرهبان هم الذين يقومون بجمع ضريبة الجزية من أهل ملتهم ، ويقومون بتسليمها إلى السلطات الإسلامية أو المسلمة ، وكانوا يعملون كل ما في وسعهم للحفاظ على السلم ومنع أي تمرد أو احتجاج من المسيحيين واليهود ، لأن مسئولية ذلك تحمل لهم .

 وإذا سولت للذمي نفسه أن يحتج على الإهانات التي يتعرض لها يوميا أو يرفض دفع الجزية يتعرض للقتل . فمثلا في سنة 805 م احتج أهل الذمة على وضعيتهم المزرية في قرطبة ، ولمعاقبة المحتجين، قام حاكم المدينة بقتل 72 شخصا وصلبهم على طول الوادي الكبير« Guadalquivir » . وفي سنة 807م ، ومن أجل وضع حد لمعارضة الأعيان من المولدين في طليطلة ، دعاهم الأمير إلى مأدبة ثم قام بقتلهم جميعا . هذه الأمثلة هي قطرة من بحر من القمع والبطش الذي تعرض له غير المسلمين في بلدانهم . وإليكم جزءا من الإهانات التي كان يتعرض لها الذميون . كان الذميون ،في الأندلس، يجبرون على حمل أو ارتداء علامات تدل عليهم ، وكانوا يمنعون من دق أجراس الكنائس أو النفخ في المزاميراليهودية Chofars . وكانوا يجبرون على دفن موتاهم أو الاحتفال بمناسباتهم الدينية بشكل من التكتم والسرية Avec discrétion . ومن الإهانات التي كانوا يتعرضون لها ، كان الذمي يمنع من أن يكون له منزل أعلى من منزل جاره المسلم ، ومن أن يركب فرسا ( يسمح له بركوب الحمير فقط) . وإذا كان الذمي راكبا حمارا والتقى مسلما راجلا ، يجب عليه ( الذمي ) أن ينزل من على دابته احتراما للمسلم ! وإذا تقاطع ذمي مع مسلم في طريق على الذمي أن يفسح المرور للمسلم . وإذا تقاطعا في رصيف على الذمي أن ينزل إلى المستوى الأدنى من الرصيف ويترك المستوى الأعلى للمسلم .

 وعند دفع الجزية ، على الذمي أن يقف في أخفض مكان ، وأن يطأطئ رأسه ، ويعامله جابــي ( محصل )الضرائب باحتقار، إضافة إلى تلقى ضربات بالعصا أو كف اليد ! هناك حادثة شهيرة للمسمى جوزيف بن صمويل بن نغريلا Joseph fils de Samuel ibn Naghrela الذي تولى الوزارة عهد عائلة باديس المظفر في غرناطة . يحكى أن شاعرا يسمى أبو إسحاق دي ألفيرا Abou Ishac de Elvira ألف قصيدة يدعو فيها المسلمين إلى إذلال اليهود مثلما هو الحال في البلاد الإسلامية الأخرى، وقد قام بذلك حسدا وغيرة ، وهو ما أثار العامة الذين هجموا عليه وقتلوه مع عدد كبير من اليهود في سنة 1066 م ، وصلبت جثته . حادثة أخرى تحكي حال المسيحيين الذين أسلموا ثم عادوا إلى ديانتهم الأولى وحكم عليهم بالإعدام . فمثلا في سنة 937 ، ارتدت بنت ابن حفصون الذي ينحدر من سلالة كونت الإمارة ذات الاستقلال الذاتي روندا Comte de la principauté autonome de Rhonda ، ودخلت إلى أحد الأديرة ، حكم عليها بحكم الردة ، ونفذ فيها حكم الإعدام ذبحا ! وفي عهد المرابطين والموحدين ، الدولتين المسلمتين اللتين كانتا تمتدان من شمال أفريقيا إلى الأندلس، والتي كانتا يحكمانها الأمازيغ المسلمون ، ازداد التعصب واضطهاد أهل الذمة والذين أسلموا من اليهود والمسيحيين. لقد أجبر الذين أسلموا حديثا من أهل الكتاب على وضع أبنائهم رهائن لدى المسلمين للتأكد من صحة إسلامهم .

 ومن أشهر اليهود الذين تظاهروا بالإسلام موسى بن ميمون، الشهير عند الغربيين بـ Maimonide ، حتى يستطيع الخروج من الأندلس والتوجه إلى مصر، حيث عمل طبيبا للسلطان صلاح الدين الأيوبي. ولنقفز من العصر الأموي في الأندلس إلى عصرنا الحالي . ولنقارن بين تسامح المسيحيين وتسامح المسلمين . وسآخذ كمثال على ذلك فرنسا والجزائر لأنني أعرفهما جيدا . يوجد في فرنسا كلها حوالي 2368 مكان عبادة ، منها 90 مسجدا بمئذنة Mosquée avec minaret ، وهناك مشاريع لبناء 350 مسجدا. ويتمتع المسلمون في هذا البلد بكامل الحرية في أداء شعائرهم الدينية . ويؤاخذ المسلمون السلطات الفرنسية لمنعهم من ارتداء الحجاب الجزئي أو الكامل ( النقاب Niqab ou voile intégral ، والبوركة الأفغانية La burqa afghane ) في الأماكن العمومية ( Dans les lieux publics) ، لأن قانون اللائكية أو العلمانية الفرنسي (La loi laïque) يمنع العلامات التي تدل على دين الشخص كالصليب أو الطاقية اليهودية La kippa juive . ويقصد بالأماكن العمومية المدارس بشكل عام والإدارة العمومية . والغريب في الأمر أن مسلمي فرنسا يغلقون الشوارع العمومية لأداء صلاة الجمعة ، وهو ما ولد كراهية ونفورا لدى الفرنسيين غير المسلمين تجاه المسلمين، وعندما يحتج الفرنسيون غير المسلمين على ذلك يتهمون بالإسلاموفوبيا Islamophobie) = كراهية الإسلام )، ويطالب مسلمو فرنسا بالسماح لهم أيضا باستعمال مكبرات الصوت في الأذان ، وهو ما ترفضه السلطات الفرنسية ، لأن ذلك يوقظ المرضى ويزعج ويجرح شعور الفرنسيين غير المسلمين.

 وأشير أيضا إلى أن هناك مجموعات من المسلمين « الدعاة » يحاولون أسلمة Islamisation الفرنسيين المسيحيين ، ولا أحد يتعرض لهم . والآن لنأخذ بلدا مسلما هو الجزائر ، ولنقارنه ببلد مسيحي ، فرنسا . لا أحد يعرف عدد الكنائس في الجزائر ، وهي لا تتجاوز العشرة في أحسن الأحوال ، ولذلك عدة أسباب : منها أن سكان الجزائر مسلمون بنسبة تتراوح بين 98 % و 99% ، كما أن أغلب المسيحيين الأوربيين غادروا الجزائر عند الاستقلال في الخامس من جويلية 1962 ، ومن تبقى منهم غادرها بعد الأحداث الدامية التي شهدتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي ، خاصة بعد مقتل رهبان تيبحيرين بالقرب من مدينة المدية . يمنع القانون الجزائري القيام بالدعوة إلى أي دين غير الدين الإسلامي . ويمنع بناء الكنائس ، وحتى الكنائس الموجودة محروسة حراسة مشددة خوفا من تعرض رهبانها للقتل أو تعرضها للتخريب. وهناك مسيحيون من أصل جزائري اعتنقوا الدين المسيحي حديثا بعد الحملات التبشيرية التي يقوم بها « الإنجيليون البروتستانت Évangélistes protestants » ، يمارسون شعائرهم في سرية تامة خوفا من تعرضهم للاعتداء .

وفي شهر رمضان يمنع فتح المطاعم ، ويمنع المسيحيون ، بما فيهم الأوربيون ، من الأكل أو الشرب أو التدخين نهارا جهارا ، وإذا فعل ذلك أحدهم سهوا فإنه يتعرض للشتم ، بل والضرب ، بدعوى عدم احترام مشاعر المسلمين . أما اليهود وأماكن عبادتهم فلم أسمع عنهم أبدا في الجزائر ، وإذا وجد يهود فهم متخفون ولا يعلنون ديانتهم خوفا على حياتهم . أكبر إهانة في الجزائر هي وصف شخص جزائري بأنه يهودي !! وأختم هذا المقال بحكاية طريفة حدثت في إحدى القرى الجزائرية . قرر أحد المغتربين الجزائريين في فرنسا قضاء عطلته الصيفية مع والدته في الجزائر ، مع العلم أنه كان متزوجا فرنسية ذات ديانة يهودية ، وله معها طفلان . رحبت والدته به وبزوجته مع علمها أنها فرنسية ، وكانت تعاملها معاملة حسنة . في أحد الأيام أخبر المغترب والدته بأن زوجته تدين باليهودية ، عندئذ أزبدت الوالدة وأرغت ، وطالبت ابنها بإخراج تلك المرأة اليهودية من بيتها ، لأن في رأيها استقبال اليهود يعتبر حراما ! وعبثا حاول الابن إقناع والدته بأن النبي محمدا أوصانا خيرا بأهل الكتاب .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز