د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
الصياد والبرقع والخَيار .. او


في جلسة سمر صيفية مع بعض الأحبة، وعلى أنغام عمالقة مصر العربية في التلحين، وصوت كوكب الشرق، أخذنا الحديث شرقا وغربا. "ولد الهدى"، ثم "الأطلال"، ثم "أروح لمين"، ثم "أغدا ألقاك"، ثم "أراك عصي الدمع"، و ..، و..، و... إنه ليس صوت إمرأة اسمها أم كلثوم، بل هو نداء من أعماق التاريخ بالعربية، وبألحان تهز كيان الإنسان، وتشبع نفسه بالحب، وتسمو بروحه إلى ذرى النقاء .. يقول أنا الخلود. نجول مع الصوت والألحان في ملكوت الخلود، وفي كل ثنية من الثنايا نشعر كم هي عظيمة العربية، وكم عظيمة هي الأمة التي تنطق بها، وتكتب الشعر، وتبدع الألحان بها. حب لا فكاك منه، فقد أتعلم لغات الأرض كلها، وتبقى العربية هي لغة الروح، وقد أعشق ألحان الأمم كلها، ويبقى اللحن الشرقي، العربي، والتركي، والفارسي، هو الذي يقتلع ما في أعماق نفسي من مشاعر غامضة، ويحولها إلى أعاصير من الحب، والدموع، والخشوع. العربية، منها خلقت، وفيها أعيش، وإليها أعود.

 

تواصل السمر صعودا ونزولا، حتى إذا انتصف الليل كنا قد وصلنا حد الثمالة من الأنغام، ومن احتساء الشاي وأخواته، وصار الحديث يتحول إلى شذرات من هنا وهناك، ووجدتني أفتح قلبي لندمائي، وأبوح لهم ببعض من همومي، وما أكثرها. لكن الهموم هنا، ويا للغرابة، صارت تتحول إلى أحاديث مرح، وضحك، وأنس متجدد. استمعوا إليّ، وعلقوا، ونصحوا، وضحكنا، وأنطقنا أم كلثوم مجددا، وطفرت الدموع من عينيّ حين وصلتْ إلى "أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك بيد أن لي انتسابا". في كل كلمة كونٌ بأكمله، وخلق من جديد. ثم كان هناك هدوء ربما كان بعضنا ينتظره، لكن أحدهم كسره قائلا: "خيو، أنت لا تآكل هم. رح احكيلك قصة تعجبك، وتلخصلك المصيبة اللي عم نعيشها نحنا وانتو". الحق الحق أقول إن قصته، رغم النقلة النوعية، جاءت لتضيف متعة جديدة إلى روعة السمر، وتعطر الأجواء مجددا بالضحكات، والحيوية، وكأنا بدأنا السمر لتونا. أقول مسبقا، لا أعرف المصدر الحقيقي للقصة، فقد يكون صديقي اختلقها ارتجالا لأنه أستاذ المرح والفكاهة، وقد يكون سمعها من أحد يكون بدوره قرأها أو سمعها، وقد تكون هذه مجرد رواية من قصة أصلية مختلفة، حوّرها هو أو غيره، وأنا هنا أرويها عن لسانه، وإلى المؤلف الحقيقي، إن وجد، اعتذاري الشديد. أنا لا أسرق القصة، إنما أعجبتني رمزيتها اللاذعة، وفي عالم الأدب تصيب الرمزية مرارا في الصميم أكثر بكثير من الكلام المباشر.

 

تقول القصة أن أحدهم عاد إلى قريته بعد أن قضى بضع سنوات بعيدا عنها، وحيث أنه وقع في براثن البطالة فإنه صار يقضي معظم وقته في مقهى القرية، ويتسكع في سوقها، يتحدث مع هذا البائع وذاك المشتري عن الغث والسمين، بلا غاية. وقد سأله بعض الحشريين عما كان يعمل في فترة غيابه، فأراد الرجل أن يبالغ بعض الشيء في قيمته، أو أن يخفي سوءة، فقال لهم أنه وبفضل مهارته في التصويب اختارته إحدى فرق الصيد العالمية المحترفة في البلد الفلاني ليتخصص لديها في صيد الأسود، وراح يروي للناس قصصا عن مغامرات صيد جندل خلالها الأسود والأشبال، فأغنى فرقة الصيد، ورفع من شأنها. وأمعن الرجل في وصف غزواته، وبطولاته حتى جعل الناس تمله، وتراه كذابا، فصاروا يسخرون منه، ويغمزونه، ويطلقون عليه لقب "أبو السعود صياد الأسود". سأله بعض منهم، ليحرجه: "شو أنواع الكلاب اللي كنت تاخذها معك للصيد؟" فقال "إي، بالبداية كنت آخد معي كم كلب سلوقي، لكن بعدين صرت أحمل بارودتي وأطلع، ومعي راصد، يعني دوربين وبس، وأرجع وأنا عم أسحل الأسد سحل، وجيبو حد أجرين آمر الفرقة، واضربلو تحية، فيعطيني يومين إجازة، بس شو؟ كنت أقضيُن بالصيد." وسأله بعض منهم لمَ لا يخرج إلى الغابة القريبة من القرية لممارسة مهنته، وصيانة مهارته وتطويرها. ودفعته سخرية الناس المتواصلة منه أخيرا إلى اتخاذ قرار بالخروج فعلا إلى الغابة عسى أن يصادف أسدا عجوزا فيصيده، ويجره إلى القرية، ويخرس ألسنة الناس. وذات يوم أخذ بندقية وناظورا، وسار متبخترا أمام الملأ ليعلمهم أنه خارج إلى الصيد.

 

في الغابة سار أبو السعود وهو راصد لما حوله، يترقب، ويدور، ويتوقف، وينصت كأنه صياد أصلي، حتى إذا أصابه التعب، وقرر الرجوع إلى القرية رأى بين الأحراش أسدا. بذل جهدا كبيرا للتغلب على الخوف الذي أصابه والرعب الذي دب في نفسه، وأسند ظهره إلى شجرة ذات جذع كبير، وقدر أن خير فرصة له ستكون إذا خرج الأسد من الأحراش نحو فسحة من الأرض لا تغطيها إلا حشائش قصيرة، فيسهل التصويب عليه، وانتظر حتى كان له ما تمنى، وقدر أن الأسد صار في مدى بندقيته، فصوب نحوه، وعدّل التصويب، وحبس نفسه، وضغط على الزناد، و .. طاق .. انطلقت الرصاصة، وأدرك بعد ثوان أنه أخطأ الهدف، فالأسد وثب من مكانه، والتفت حوله بكل تحفز وشراسة، ثم استدار إلى الوراء وما أن رآه حتى زأر، وانطلق نحوه، ثم توقف على بعد خطوات منه، وكشر عن أنيابه، وسأله: "من أنتي ولا؟ وليش عم تأوص عليّ؟" فرد عليه الصياد، وهو مقطوع الأنفاس، وأطرافه ترتجف: "لا والله، سيدي. ما أوّصت عليك أنتي. أعوز بالله من يسترجي يأوص على مقامكم؟ أنا أوّصت على أرنب كان واقف حدكم، وفكرت جنابكم ممكن تكونو جوعانين، فأقدملكن إيا هدية تتغدو بيه"، فتقدم الأسد منه خطوة أخرى، وقال بغضب: "اسمع ولا، لا تخربِط، وتبيع شطارة، وتستهبلني. أنتي أوّصت عليّ، بس ماشي، هل مرة سماح، أما إزا شفتك مرة تانية هون، وأوّصت عَ حدا، تعرف شو رح أعمل فيك؟" فقال الصياد: "إي سيدي، رح تآكلني"، فرد عليه الأسد،: "إي ما حزرت. أنا آكلك آكلك، بس قبلا شو رح أساوي؟" واحتار الصياد في فهم ما يعنيه الأسد، إلا إنه حين لاحظ أن الأسد يتطلع إلى سراويله، عرف قصده. وزأر الأسد: "فهمت ولا؟" فارتعد، وهز رأسه، وقال على استحياء: "فهمت سيدي"، فقال الأسد: "يلّا انقلع من هون، وما عاد شوفك بهل أطراف".

 

عاد أبو السعود إلى قريته خائبا، وحين سأله الناس عن صيده الموعود، أجاب: "يا جماعة، الغابي كانت فاضيه، ما شفت ولا أسد، هاي لأنو الأسود تحكي مع بعضا، وتحزّر من الصيادين الماهرين متلي، فأكيد الأسود بهل غابي سمعانين عني، وأنو أنا ما أخطي الهدف، فمن شآن هيك بس شمو ريحتي فلّو كلياتهن دوغري، وخبوا حالن." ثم وعدهم: "بس شو ياشباب، ابشرو. لما أنا أدخل الغابي ففيه معادلة وحيدي: يا أنا يا الأسد، يعني إزا كان بهل غابي أسد فأيامو صارت معدوده."

 

تواصلت سخرية الناس منه، مما دفعه إلى الإصرار على أن ينقذ سمعته، ويثبت أنه صياد أسود، ولو مرة واحدة في عمره. وبعد بضعة شهور راودته نفسه على الخروج قائلا لنفسه "هي هيه هلا بيكون هداك الأسد راح مكان تاني. بعدين حتى لو طلعلي هو بزاتو أنا رح أقوصو مية بالمية، وحتى لو ما أوصتو، وشافني، من وين رح يتزكرني؟" فخرج، وراح يجوب الغابة، حتى إذا كادت الظلمة تحل، خيل إليه أنه يرى أسدا يعرج، وكأنه جريح، أو مريض، وصدق خياله، فقد كان هناك أسد فاتر الحركة، يترنح في سيره يمنة ويسرة، فقدر الصياد أن حال الأسد تزيد فرصته في صيده، فراح يقترب من مكانه بهدوء وحذر، حتى إذا وضعه في مدى بندقيته، صوب نحوه، وعدّل التصويب، وقطع نفسه، وضغط على الزناد، و .. طاق .. انطلقت الرصاصة، وأدرك بعد ثوان أنه أخطأ الهدف مرة أخرى، وما هي إلا لحظات حتى كان الأسد يقف أمامه. قلّب الأسد نظراته، وأقطب جبينه، وصاح: "ولك هاي أنتي؟ شو اتفقنا ولا؟" فقال الصياد وهو يرتجف: "صدقني، سيدي، هذا الشي حصل سهوا. أنا كنت مارق من هون، عم روح ع بيت خالتي، ولما شفتك خفت، ومن خوفتي ما بعرف شو صار فيني، يعني أصبعي راح ع زناد من غير ما أعطي أوامر." فقال الأسد: "شو كزاب أنتي ولك؟ عم تضّحك عليّ؟"، فرد الصياد: "لا والله، سيدي. أنا، شو أنا أنسى فضلك أنك تكرمت علي بالمرة اللي فاتت وعفيت عني؟" فقال الأسد: "شوف ولا، والله إنك حظك من السما. أنا اليوم مرضان، وتعبان، وما آني بمزاج شي. من شان هيك رايح أعفي عنك هل مرة كمان. بس قسما عظما إزا شفتك بهل نواحي مرة تانية، خلص رح أنفّز وعدي"، فقال الصياد: "إي شو مرة تانية سيدي، أنا أصلا ما رح أمرق من هون بنوب، ولا رح أقرّب عل بارودي من هون ورايح".

 

عاد أبو السعود إلى القرية، وهو يفتعل الزهو، وقال لأهلها: "إي ما بتعرفوا شو حصل معي اليوم. شفت أسد. بس شو أسد، يعني بجد أمير الغاب. طاردتو لحتى صرنا وشّ بوشّ، ولما شافني شو مسيطر عليه وأنو انتهى، شو عمل؟ صار يتوسل بي، وقال أنو اللبوة تبعيتو اليوم ولدانه، وهو طالع يجيبلون أكل، وأني لو أوصتو، رح يموتو من الجوع. والله يا جماعة قلبي انكسر عليه. إي، يعني عند الصياد المحترف الصيد مانو كل شي. الواحد لازم تكون عندو شوية رأفة كمان. بعدين شو قللي؟ قال ارجع بعد شهرين، وأنا ح سلم نفسي إلك طوعا، تآخدني حيا، وتساوي فيني اللي بدك إيا." فقال له بعض الخبثاء "يعني المرة الجايه رح تروح من غير سلاح!" فصاح مذعورا "لا، أعوز بالله. شو من غير سلاح؟ الأسد مالو أمان. الصياد لما يعطي وعد يلتزم بوعدو، أما الأسد، فلا. بدك تكون حزر. بعدين مين يقول أنو كان يصدق معي، أنا شفقت عليه."

 

وبعد فترة طويلة، ومع استمرار سخرية أهل القرية منه، والحط من قدره، قرر أبو السعود أن يجرب للمرة الثالثة، ودرس الأمر من كل جوانبه، وقال في نفسه: "هل مرة أكيد رح انجح. أول شي رح اتدرب منيح على التصويب، والتهديف. بعدين هداك الأسد هلّا بيكون مات، لأنو أصلا كان مريض المرة اللي فاتت. أكيد ح لاقي غيرو. وبعدين يا سيدي، ومن باب التحوط رح البس برقع، يعني إزا، لا قدر الله، شفت نفس الأسد، وكمان ما قدرت أقوصو، فما رح يعرفني لما أكون لابس برقع، وممكن في أسوأ الأحوال يعمل معي اتفاق وكأني هاي أول مرة عم أقوص عليه." ثم توكل على الله، وتوجه نحو الغابة، وما هي إلا ساعة حتى رصد بين الأحراش أسدا كأنه برشاقته، وخفة حركته، وهيبته، شبل شب لتوه عن الطوق، فتوقف، وترقب، وتقدم بحذر، وحين تأكد أن الأسد صار في مرمى بندقيته، أزاح البرقع عن وجهه قليلا، وصوب، وراح يعدّل التصويب، ثم حبس نفسه، وضغط على الزناد، و .. طاق .. انطلقت الرصاصة. ورأى لخيبته كيف أنها مرت قرب ذيل الأسد، ولم تصبه، وكيف توثب هذا، وكيف أنه رصده بسرعة البرق، وما هي إلا لحظات حتى وقف قبالته مزمجرا، وسأله: "مين أنتي ولك؟" فقال الصياد وهو يرتجف فرقا: "عابر سبيل، سيدي"، فقال الأسد: "إي، عابر سبيل ليش عم تأوص عليّ وأنا قاعد في بيتي؟ بعدين شو هل برقع على وشّك؟" فقال الصياد: "هيك سيدي هاي من تقاليدنا العائلية، وكمان هلّا فيه أسباب أمنية تخليني البسو"، فزأر الأسد، وقال: "ولك حاجتك تخبص شروي غروي، تقاليد وأسباب أمنية، ومش عارف إيش. اشلح هل برقع، وخليني أشوف مين أنتي". فقال الصياد: "لا يا سيدي، اعمل معروف، من شان الله بلاها، لأنو إزا شلحت البرقع رح يصير شي مو منيح بنوب، وممكن عيلتي يدبحوني"، فقال الأسد: "شوف الغبي. ولك شو عيلتي ما عيلتي. أنتي عارف حالك شو مرتكب من جريمي! اشلح لشوف." أدرك أبو السعود أنها لحظة الحقيقة، فانحنى بهدوء، ووضع البندقية على الأرض، وبدلا من أن يرفع البرقع عن وجهه مد يديه إلى حزامه، وأرخاه، وإلى أزرار سراويله ففتحها واحدا بعد الآخر حتى نزلت السراويل على الأرض، فاقترب منه الأسد، وزأر قائلا: "هلّا عرفت مين بتكون. البس ولا، البس. أنا ما بدي منك شي متل ما انتي مفكر. أنا بس بدي أعرف شي واحد هو أنتي طالع تصيد ولّا طالع .....؟

 

صمت صاحبي.


وبينما أطلق الندامى الآخرون ضحكات متفاوتة في تفاعلهم مع القصة، قلت له: "إي هيك القصة ما ضابطة كتير، معلّم"، فتطلّع في وجهي بأسف، وزمّ شفتيه، وقال "يا زلمي، ما أنا خففت اللهجة من شان أسهّل عليك نشرا. أنا عارف أنك رح تنشرا. الرواية الأصلية مو هيك، فيها شوية إحراج"، فقلت له: "لكَن هات الرواية الأصلية. بدنا نسمع الأصلية"، فقال "بس عَ مسؤوليتك ها!"، فقلت "إي، دايما ع مسؤوليتي. شو رح يصير يعني؟ ما احنا عم نحكي رموز"، فقال "ماشي"، والتفت إلى الآخرين، وقال "يا شباب، سماعي، لسّه ما انتهينا. فيه رواية أخرى"، وصمت الجميع، واستمعوا بفضول، فقال:

وفي رواية أخرى أن الأسد لم يعفُ عن الصياد المنكود في المرة الأولى، بل خيّره بين أن يأكله أو .....، ففضل المنكود الخيار أو. وفي المرة الثانية أيضا لم يعفُ عنه، بل خيّره بين أن يأكله أو .....، ففضل المنكود هذه المرة أيضا الخيار أو. أما في المرة الثالثة، فلم ينتظر أن يخيّره الأسد بين أن يأكله أو .....، بل ظن أنه ملاقٍ مرة أخرى قدره مع الخيار أو، فمد يديه إلى حزامه، وأرخاه، وتناول أزرار سراويله، وراح يفتحها واحدا بعد الآخر، ثم انبطح، فاقترب منه الأسد غاضبا، وزمجر وهو يرفعه عن الأرض: "قوم ولك. البس لَشوف. هلّا أنا ما بدي غير أعرف شي واحد وبس، هو أنتي طالع تصيد ولاّ طالع .....؟"








تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز