أحمد قويدر
ahmedkouider55@yahoo.fr
Blog Contributor since:
19 March 2014

 More articles 


Arab Times Blogs
أنا بريء

أبدأ مقالي هذا بتعريفكم بنفسي . اسم والدي أبوبكر . اسم والدتي عائشة . كلاهما مسلم سني على مذهب الإمام مالك . لم أكن أعرفهما قبل أن أولد. لقد فرضا علي . ولم يأخذا رأيي في أن يلداني وأصبح ولدهما. عندما ولدت لهما كانا سعيدين، وفرحا بي وأقاما حفلا على شرفي للأقارب والأصدقاء . أنا لم أكن سعيدا ، فبمجرد أن نزلت من بطن والدتي صرت أبكي وأصرخ معبرا عن رفضي المجيء إلى هذا العالم المليء بالمتاعب والآلام ! أنا لم أختر أي شيء يخصني . لم أختر مجيئي أو عدم مجيئي لهذا العالم .

لم أختر أبوي ، أمي وأبي. لم أختر اسمي ولا لقبي . لم أختر شكلي ، لم أختر لون بشرتي ، لم أختر لون شعري وعيني ، ...لم أختر ديني ولا مذهبي الديني . لم أختر البلد الذي صار بلدي . لم أختر القوم الذين صاروا قومي ، وصرت أنتمي إليهم، أي جنسيتي أو انتمائي الحضاري . كل ما سبق ذكره ورثته ، وليس لي أي فضل أو أي ذنب في هذا الإرث الثقيل ! الناس يحاسبونني على شكلي . كل الانطباعات التي تتولد لديهم بخصوصي يكون مصدرها هيكلي الخارجي ، الدار التي تسكنها روحي أو نفسي أو عبر عنها حسبما شئت. حاولت عدة مرات أن أخرج من السجن الذي أنا فيه لأبين للناس أن ما بداخل هذه الجثة هو أفضل مما ترون ، وعكس ما تتصورون ، ولكن يبدو أن سجني هذا لن أتخلص منه إلا عند مغادرة هذا العالم .

نسيت أن أذكركم أن اسمي أحمد . لقد اختار والداي هذا الاسم لي تيمنا بنبي اسمه محمد أو أحمد أو المصطفى أو المختار ... تعددت الأسماء والشخص واحد . أغلب سكان قومي يسمون أولادهم من الذكور بهذا الاسم أو مشتقاته ، مثل بن سعدية أو بن حليمة ( ابن مرضعة النبي حليمة السعدية ) أو بن يمينة (ابن آمنة) تبركا به وأملا في أن يحصلوا على حسنة قد تدخلهم الجنة التي يحلمون بها آناء الليل وأطراف النهار. ما فائدة أن تعرفوا اسمي ؟ لأن هذا الاسم واسما والدي ، تسببوا لي في عدة متاعب . كنت عندما أسافر إلى دول أوربية أو إلى أميركا أو كندا أستغرب نظرات الشك والريبة التي يوجهها لي أعوان الأمن والجمارك في هذه البلدان .

 فمجرد أن أقدم جواز سفري لهم تنهال علي الأسئلة بدون انقطاع . ما هو سبب زيارتكم لبلدنا ؟ وكم ستبقى فيه ؟ وأين ستقيم ؟ هل عند أصدقاء لك ستقيم عندهم أم أنك ستقيم في الفندق ؟ ... وكانوا ينظرون إلي شزرا ، ويبدو العداء في وجوههم ، وكنت أستغرب منهم ذلك . وأقول لنفسي : لماذا لم توجه تلك الأسئلة لأشخاص كانوا معي في الطابور ؟ هل لأن أسماءهم لاتينية أو أنجلوـ سكسونية ، مثل جورج أو شارل أو ميشال أوجون ...، وأنا اسمي أحمد ؟ هل لأنهم ذوو بشرة بيضاء وشعور شقراء وعيون زرقاء ، وأنا بشرتي داكنة وشعري أسود وعيناي عسليتان تميلان إلى السواد ؟ هل لأنهم مسيحيون أو يهود أو غير مسلمين ، وأنا مسلم ، ويدل على ذلك اسمي ؟ وأستغرب كذلك أن أشخاصا من آسيا ، صينيين أو كوريين أو يابانيين ، لا يضايقون مثلي رغم أن شعورهم وعيونهم وبشراتهم تشبه مثيلتها عندي ؟ عندما أصل إلى الوجهة التي كنت أقصدها وألتقي بالمعارف والأصدقاء ، وأسألهم عن أسباب ما ألاقيه دوما في المطارات والموانئ الأوربية والأميركية ، يجيبونني بأن ذلك يعود إلى العمليات التي قام بها بعض من فرض علي أن أنتمي إليهم قوميا ودينيا وجغرافيا وسياسيا وثقافيا.

منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر ، وهجمات باريس ولندن ومدريد ، نشأ شعور معاد عام لمن يطلق عليهم العرب والمسلمين لدى شعوب هذه البلدان، وهذا أمر طبيعي .ويجب التذكير أن وسائل الإعلام في هذه الدول يسيطر عليها يهود يساندون إسرائيل، وهي تتحين الفرص لتأليب الرأي العام في هذه الدول ضد العرب والمسلمين، وتصفهم بالإرهابيين والدمويين . ويضيف أصدقائي أنهم هم أيضا يتعرضون لما أتعرض له أنا .

صار كل « قومي » مشبوهين ومكروهين وغير مرغوب فيهم ، مع أن أقلية منهم فقط هي التي قامت بتلك الهجمات .وكنت أحتج وأقول أنا لست مثلهم ، ولا أوافقهم فيما يقومون به ، بل وأندد بشدة بقتل الأبرياء مهما كانت جنسياتهم وأجناسهم ودياناتهم ، وكنت أصيح أنا بريء من تلك الجرائم التي ترتكب تحت غطاء الجهاد. لكن لا أحد يسمعني ! ومرة سافرت إلى إيران ممثلا لشركة أوربية ، وكنت مرتاحا لأني كنت مقتنعا بأني سأعامل معاملة محترمة ، لأني ذاهب إلى قوم يدينون بنفس الدين الذي فرض علي أن أدين به . وعند وصولي إلى مطار طهران الدولي لاحظت أن رجال الأمن والجمارك ينظرون إلى نظرات عدائية لم أكن أدرك كنهها ، ووجهت لي أسئلة شبيهة بتلك التي وجهها لي الأوربيون والأميركيون . والغريب في الأمر أن ذوي الشعور الشقراء والعيون الزرقاء والأسماء العجمية كانوا يعاملون بكل احترام ، ولم توجه لهم أسئلة كتلك التي وجهت لي ، وفوق هذا رحب بهم وتمنيت لهم إقامة طيبة ! التهمتني الحيرة ، ولم أجد تفسيرا لما حدث .

 حكيت ذلك لأحد الأصدقاء ، فأجابني بأنك مسلم سني وهؤلاء مسلمون شيعيون ، وكما لا يخفى عليك أن العداء متجذر بين السنة والشيعة منذ أربعة عشر قرنا. وعندما عرف صديقي أن والدي اسمه أبوبكر . عندها بدأ يضحك . تعجبت لضحكه . قال لي الآن عرفت لماذا عاملك « إخوتك » الإيرانيون معاملة خشنة . وأضاف أن الشيعة يكرهون الخلفاء «الراشدين » الثلاثة ، أبوبكر وعمر وعثمان ، بل أنهم يلعنونهم ، لأن هؤلاء ، في اعتقادهم ، اغتصبوا الخلافة من علي بن أبي طالب الذي كان أحق بها حسب زعمهم . ثم سألني عن اسم أمي ، فأجبته : عائشة . وأضاف : ألا تعلم أن عائشة حاربت عليا في معركة الجمل ووقفت ضده مع أعدائه ، ومنذ ذلك التاريخ والشيعة يلعنونها .

 وهذا من بين الأسباب الأساسية للعداء بين السنة والشيعة . قلت : حدث هذا منذ أمد بعيد بين أشخاص مثلنا اختلفوا على الحكم ، وما دخلنا نحن بذلك ، وأظن أنه من الغباء أن نختلف نحن من أجل نزاع قام بين أناس لم نعايشهم ولم نرهم ، ولا نعرف حقيقة ما جرى بينهم بالضبط . كل ما في الأمر حكايات متناقضة تحكى من هذا الطرف أو ذاك لا ندري من منهما يقول الحقيقة . وأنا أكتب هذا المقال ، طالعتنا وسائل الإعلام بمقتل أكثر من خمسين شخصا من العراقيين ، إضافة إلى أكثر من سبعين جريحا ، لا ذنب لهم سوى لأنهم على مذهب الشيعة ، وقد تبنت الهجوم« منظمة الدولة الإسلامية في العراق والشام = داعش » التي هي على المذهب السني. «داعش » تعتبر عملها هذا « جهادا في سبيل الله » ضد « الكفار الشيعة » الذين يلعنون عائشة وأبابكر وعمر وعثمان ، وهم مقدسون عند السنة .

  بعد هذه التجارب المريرة، قررت أن أبدل اسمي واسم كل من والدتي ووالدي حتى لا أتعرض لما تعرضت له، واستقر رأيي أن أسمي نفسي يوغرطة، وأسمي والدي ماسينيسا ، وأسمي والدتي قورايا Gouraya . كتبت رسالة إلى وزارة العدل أعبر فيها عن رغبتي في تغيير حالتي المدنية . استدعيت للمصلحة المختصة ، وأخبرت أن هذا غير ممكن ، لأن القانون يمنع ذلك . وقيل لي أنه يمكن تغيير الاسم الشخصي إذا كان غير مناسب ويعرض صاحبه للسخرية، وأنت اسمك ، ما شاء الله ، خير الأسماء ! أما اسم الوالد والوالدة فيستحيل تغييرهما . وعندما أردت أن أؤمن بالإله الخالق ، ولا أؤمن بالديانات والمذاهب المختلفة التي تسفك الدماء بسببها ، قيل لي أن ذلك غير ممكن ، لأن الخروج من الديانة الإسلامية يعتبر ردة عن الدين « الحق » ، ويعرض صاحبه للقتل كما فعل أبوبكر مع المرتدين ، وحذرت من أن أجاهر بذلك ، حتى لا أعرض نفسي للخطر. وأخبرت أيضا أنه حتى لو لم أعد أؤمن بأي دين ، فأنا أعتبر مسلما ، وأصنف ضمن المسلمين ، وأعد من أهل السنة المالكية ، وعندما يتوفاني الخالق أدفن في مقابر المسلمين ، ويصلى علي في المسجد. وعندما تقوم المنظمات الدولية المختلفة المتخصصة في إحصاءات السكان حسب الأديان أصنف ضمن المليار وستمائة مليون مسلم في العالم . وفكرت كثيرا كيف أتخلص من هذا السجن الذي وضعت فيه رغما عني .

 لم أجد من مخرج سوى مغادرة هذا العالم قبل الأوان ، إلى عالم يكون فيه الإنسان حرا طليقا لا تكبله القوميات والأديان والمذاهب ، عالم يسود فيه الحب والأخوة بين جميع أبناء البشر . قررت الانتحار، لكن ضميري لم يطاوعني وأوحى إلي بأن حياتي ليست ملكا لي ، ولكنها ملك للخالق الذي منحها ، فهو الوحيد الذي من حقه أخذها ، وأصغيت إلى صوت ضميري لأنه لم يخيبني أبدا.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز