نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
أردوغان واوباما .. غريق يستجير بغريق

مهما قيل عن انجازات السياسة في التاريخ فانه لاشيء يرقى الى مستوى الانجاز العسكري والحربي .. والتاريخ لايملك شهية للحديث عن الملوك والأباطرة المسالمين لكنه لايمل من تكرار روايات وقصص المحاربين منهم وخاصة أصحاب الانتصارات الحمراء .. ولاشيء يضاهي عند الشعوب بريق الحكايات التي تحكي عن ملوكهم المحاربين .. فمعظم مشاهير الملوك دخلوا بوابة الأساطير البشرية من بوابات المدن التي فتحوها وهم يرتدون ثياب الحرب ويجرّون ملوك المدن المهزومة في السلاسل والأصفاد ..

المعتوه أردوغان لم يكن يريد ان يكون سلطانا عثمانيا عاديا يعلنه الاخوان المسلمون في طقوس بيعة باهتة باردة يحضرها مشعل ومرسي بلا حرب ولافتح ولابخور البارود ودون أن يأتي بمفاتيح المدن وزعمائها مقيدين بالأصفاد فلا يلحق به لقب الفاتح أو الغازي على عادة أسماء سلاطين بني عثمان .. بل كان يريد أن يرتفع الى منصة الزعامات الكبرى في التاريخ على أنغام الموسيقا والمارشات العسكرية ووقع الانجازات الحربية .. وانحناءات المارشالات وقادة الفيالق قبل العروض العسكرية الفخمة التي تعلن النصر .. لأنه لاشيء يضاهي القائد الذي يتوّجه العسكر منتصرا .. ولاشيء يوازي نكهة النصر الآتي من بين طواحين الحرب .. وهذا مايبدو في تصرفاته الاستعراضية وتماهيه مع صور جنود الانكشارية .. ولذلك كان يبدو في بداية الحرب فى سورية تواقا للدخول والاجتياح وبدء عصر الفتوحات العسكرية باسمه لأنه يدرك لاخلود الا خلود الفاتحين .. ولاقلم في يد التاريخ يكتب به مثل السيف .. وكان بالكاد يبدو قادرا على كبح جماحه وايقاف اندفاعته التي بلغت حد التهور لشدة ثقته أنه اقترب من منصة الخلود العسكري وقوائم الفاتحين الانكشاريين .. ولاشك أن افتتاح قصره وهو محاط بأصناف العسكر الانكشاريين الذين أتى بهم من ثنايا الزمن البائد دليل على هوسه بالفكرة التي لاتزال حلم يقظة يفرغه في عروض مسرحية صارت مدعاة للرثاء ..

سوء الطالع والجغرافيا السياسية أنه جاء في زمن الرئيس الأسد وهو ينتمي الى جيل من السوريين المحاربين وزمن تتوق فيه روسيا للنهوض .. فكان أن وضع لجام بين شدقيه حرم السلطان أردوغان أن يتقدم خطوة واحدة نحو الحرب لينال لقب "الغازي" أو "الفاتح" .. فما هو الا بيدق بين القلاع والفرسان والفيلة .. 
ولكنه اليوم أحوج مايكون الى الحرب .. أي حرب .. مع السوريين .. أو الأكراد .. أو الأرمن .. أو المصريين .. لأنه تحول على نحو دراماتيكي الى نموذج السياسي الذي أسقطته شعاراته التي رفعها والوعود العسكرية التي قطعها .. لأن هناك علاقة جدلية بين مصير الشعارات وأصحاب الشعارات .. فعندما تسقط الشعارات والوعود تسقط سياساتها وتسقط ايديولوجياتها ويتبدد معجبوها .. ويسقط سياسيوها كما حدث مثلا مع الشعارات الشيوعية والماركسية .. وكذلك عندما تسقط السياسات والايديولوجيات تسقط شعاراتها ايضا وتجر الى الهاوية سياسييها .. وهذا هو حال الحركات الاسلامية .. وحال المعارضات العربية .. وحال المشروع العثماني وأصحابه ..سقوط مريع للشعارات جر معه سقوط ايديولوجيا الاسلام السياسي التي عمرت عدة عقود .. وجرّت معها كتلة من السياسيين الذين رفعوها الى القاع حيث النهاية المحتومة .. وأردوغان ليس استثناء ..

هل أحصى أحدكم كم مرة أعلنت حكومة العدالة والتنمية التركية نيتها في اقامة العوازل والفواصل والمناطق الآمنة والممرات الانسانية في سورية؟؟ أنا لااعرف عددها وقد توقفت عن الاحصاء منذ زمن عندما صارت أكثر من دعايات الشامبو .. وتشبه تلك اللازمة قلق بان كيمون على السوريين أو بيانات الجامعة العربية قديما عن تحرير فلسطين .. فمنذ سنتين كانت السياسة التركية تتجشأ كل يوم تصريحا من أحد أعضائها عن نيتها دخول الاراضي السورية أو اقامة منطقة عازلة أو آمنة وربما بمعدل مرة كل يوم على الأقل ..

كانت هذه التصريحات مصدر قلق عند البعض ولكنها تحولت مع الزمن الى عامل سخرية هذه الأيام لايمر دون أن يتندر بها اصحاب السهرات لأنها لا تخلو من الفكاهة والدعابة .. فهي في البداية كانت مؤشرا على حاجة المسلحين لحركة واحدة من الخارج لزعزعة ثقة القوات السورية والموالين وقلب الميزان العسكري بالحرب النفسية .. ولكنها تعني اليوم حاجة تركيا الماسة للمسلحين لقلب التوازن الداخلي المتوتر في تركيا الذي يخذل أردوغان .. فسورية كانت عاملا من عوامل صعود نجم اردوغان الذي بدا في الداخل التركي في بداية الأزمة السورية رجلا قويا يدخل بتركيا بسرعة الى مسرح السياسة الدولية بقوة من خلال امساكه بالملف السوري الذي عجز عنه كل ساسة العالم عبر عقود .. اردوغان كان السياسي الاقوى في الملفين السوري والعراقي لأنه يمسك بيده الاخوان المسلمين ومشتقاتهم من الجيش الحر وجبهة النصرة ولاحقا داعش .. وبدا أن له مؤيدين في موجة التمذهب التي أدخلها الاميريكيون الى المنطقة عمدا .. هذه الجماهير المتمذهبة نظرت اليه كخليفة منتظر لاحياء الخلافة التي يحن اليها المسلمون والتي كانت معنويا رمزا سنيا ..

ولكنه اليوم يبدو اقل الاشخاص قدرة على التحكم بالملف التركي نفسه .. لأن قبضته على الملف السوري لم تعد كما كانت وصار الملف السوري يخرج من يده تدريجيا ويجر معه الملف التركي الذي تنزلق عنه اصابع اردوغان .. وتبدو تقليعات رجب وعصابته الأخيرة بشأن فرض منطقة عازلة في سورية لكبح جماح الأكراد منجما للنكتة .. بل ويراها معظم المتابعين على أنها على عكس بدايات الأزمة فانها تعبر عن عميق أزمات تركية بدأت تتفاعل بشكل متتابع ولايرى مستشاروه خلاصا منها الا باطلاق حل واحد وهو الحل العسكري لتحقيق انجاز عسكري من نوع ما في سورية .. وقد بعث برسائل استطلاع وأوعز الى كلبه الشمام اوغلو ليتشمم ردود الفعل على احتمال مغامرة متهورة لاتكترث بالناتو ولابروسيا ولا بايران .. واقترن ذلك بحشد جيش على الحدود لاقناع الجميع ان قرار الحماقة صار جاهزا بل انه يريد ترويج كذبة انه حصل على صفقة المنطقة الآمنة مقابل تسهيل قتال داعش .. وأنه لايزال يطرح صفقة هي (رأس البغدادي مقابل رأس النظام السوري) .. وهنا جاء سفر السيد وليد المعلم الى موسكو وطهران خلال الاسابيع الماضية لأن منظومات الدفاع الجوي السورية وقرار الحرب التي كانت مدخرة لمواجهة مع الناتو تحتاج الى تنسيق مع الحلفاء الروس بسبب احتمال أن يكون أردوغان يتحرك بايعاز من الناتو الذي يدرك ورطة اردوغان ويدرك حاجته للحرب..

وكان الرد الروسي واضحا وهو موجه الى اردوغان مباشرة والى من يقف خلفه في الكواليس متصنعا أن لادور له في المغامرة (مثل الاميريكيين) .. وعاد المعلم بقرار مشترك لاطلاق يد السوريين في استعمال كل منظومات السلاح والتقنيات المتفوقة الروسية في اي عدوان تركي أو غربي .. وقد وصلت الرسالة الواضحة الى الغرب دون مواربة .. واقترن ذلك منذ أسابيع بتقارير بريطانية تحذيرية نشرتها صحيفة الديلي ميل من أن أحدث مقاتلة غربية وهي ف 35 تم اسقاطها بطائرة ف 16 القديمة من جيل السبعينات وانها عمليا لاتصلح للقتال في الاجواء الماطرة والرطبة .. بل قالت الصحف البريطانية ان سلاح الجو الملكي البريطاني يعاني من ثغرات خطيرة وأن مقاتلات التورنادو والتايفون تحتاج الى صيانة لاتجد من يسدد نفقاتها .. وهي تقارير أرسلت سلفا الى العسكريين الأتراك وتعني رسالة من الناتو الى العسكريين الاتراك من أن حماقة اردوغان ستجر الناتو الى مواجهة ليس مستعدا لها لأن الخسائر ستكون كبيرة .. وهذا يعني أن منظومات الدفاع الجوي الروسية التي بحوزة السوريين ستصطاد الطائرات التركية من احدث الطرازات كما اصطادت صواريخ السام طائرات اسرائيل عام 73 .. وهذا الاذلال للسلاح التركي سينال من سمعة ترسانة الناتو التي ان فكرت بالانضمام لانقاذ سمعة تركيا الحليف وجدت نفسها مضطرة لتقديم طائراتها قرابين مجانية في حرب اردوغان .. لأن الحلف ليس مستعدا لهذه الحرب ..

أما من لايجرؤ على الدخول في الحرب فهو اوباما نفسه لأن الجمهوريين يشنون عليه هجوما شرسا بسبب الاتفاق النووي الايراني ويثيرون اللغط من أنه أذلّ أميريكا .. وهم بالطبع لايريدون الغاء الاتفاق لكنهم يريدون امتطاء ظهر الاتفاق النووي لكسر ظهر الديمقراطيين في الانتخابات على اساس ان هيبة أميريكا لا يحفظها الا الجمهوريون خاصة ان جيب بوش (من عائلة المجرمين المشهود لهم بالحروب) صار جاهزا لانقاذ سمعة اميريكا ..ولذلك يريد اوباما نفخ صدره وعضلاته على الحدود السورية ولكنه يبعث المراسيل ويتعهد سرا الا يتم أي اصطدام لأن سقوط طائرة واحدة ستجر حزبه الى خسارة الانتخابات حيث أن الاحتكاك العسكري لن يمر دون تطورات خاصة أن من المحتمل أن تصل شظايا الحرب الى اسرائيل .. وفي سنوات الانتخابات لايجرؤ رئيس على خوض حرب لايعرف نتيجتها بسرعة .. ولذلك اذا ماسمعتم قعقعة المناطق الآمنة والعازلة التي ينوي اردوغان بناءها وتشييدها فكونوا على يقين أنها فقاعات الغرق .. وكل قعقعة ردوا عليها بقهقهة ..

أردوغان ليس برجل حرب .. ولاعلم له بالحرب .. والا لما هدد بالحرب عشرين الف مرة .. وأذكر أن عددا من الكتاب الغربيين كانوا يحتقرون مواهبه السياسية عندما كان الشرق يصفق لأردوغان وفريقه وخاصة لداود أوغلو ..وكان العقلاء من المفكرين الغربيين لايبدون اعجابا بهذا الفريق الذي كان يوصف دوما بأنه غير مؤهل سياسيا للقيادة لفقدانه بعد النظر والبراعة في الاستقراء وخاصة داود أوغلو الذي ينظر اليه على أنه أحد أغبى السياسيين .. وكان ينفرد بوصفه بأنه عديم الخبرة الى درجة مثيرة للقلق .. وهذه أيام تثبت النظرة الثاقبة لما كتب حيث تتراجع تركيا وتدخل سراديب خطرة جدا بين الاستقطاب المذهبي والعرقي والقومي .. والأزمات بدأت تتوالى ..

التاريخ ياأردوغان يصنعه الملوك المحاربون ولولاهم لكان التاريخ مجرد قصص للأطفال .. والتاريخ سيكتب عن المحاربين في دمشق وليس عن أوهام المحاربين في استانبول .. والتاريخ لايكتب حدثا كبيرا في التراث والفن والثقافة في دفاتره قبل أن ينسبه الى ملك فاتح وقبل أن يستأذن القادة الذين رسموا خطوط الزمن وفواصله وخطوط الجغرافيا المتلوية .. ولذلك لن يسألك التاريخ أيها السلطانا المهزوما بل سيستأذن منا نحن عندما يبدأ يروي حكايته عن هزيمة المشروع الأكبر الذي بدأ بالربيع العربي .. ويخط بقلمه مانمليه عليه من قاسيون: اكتب أيها التاريخ .. اكتب .. هكذا قال المحاربون ..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز