أحمد قويدر
ahmedkouider55@yahoo.fr
Blog Contributor since:
19 March 2014

 More articles 


Arab Times Blogs
الشخصية الجزائرية

عندما سئل الكاتب الجزائري، كمال داود، الحاصل على جائزة الغونكور Le Goncourt عن كتابه « ميرسو، تحقيق مضاد = Meursault, contre-enquête» الذي ينتقد فيه كتاب الكاتب الفرنسي ألبير كامو Albert Camus ،« الغريب = L’Étranger» ، عن رأيه في انتفاضة منطقة القبائل فيما سمي الربيع الأمازيغي في بداية الثمانينيات ، أجاب : « الخطر ليس في إنكار الهوية الأمازيغية لمنطقة القبائل ، ولكن الأخطر هو أن هناك البعض من الجزائريين الذين انتزعت منهم أمازيغيتهم وهم لا يدرون » . خطأ بعض الجزائريين الفادح هو أنهم يعتقدون أن العروبة هي الإسلام ، وأن الإسلام هو العروبة ، وهم لا يفرقون بين الإثنية L’Ethnie وبين الدين La religion . أكرر وأقول أنه يوجد عرب غير مسلمين ، مسيحيون أو يهود أو غير ذلك ، ويوجد مسلمون غير عرب ، أتراك أو إيرانيون أو اندونيسيون أو نيجيريون ...لماذا يسمح لبقية المسلمين غير العرب بالاحتفاظ بإثنياتهم ، ولا يسمح للأمازيغ بذلك ؟ والطامة الكبرى أن بعض الأمازيغ الذين عمل لهم غسل مخ Lavage de cerveau يصرخون فوق رؤوس الأشهاد على أنهم عرب من شبه الجزيرة العربية .

ما عجزت عنه فرنسا في 132 سنة من احتلالها للجزائر ، «نجح » فيه النظام الحاكم في الجزائر خلال خمسة عقود من الاستقلال ! اللغتان المستعملتان في الجزائر ، العربية والفرنسية ، لغتان أجنبيتان . الطفل الجزائري يتكلم في المنزل لغة غير تلك التي يجدها في المدرسة. لذلك فمن واجب السلطات الجزائرية التفكير في اعتماد اللغة العامية الجزائرية كلغة وطنية ، وذلك بعد أن تقوم بتطويرها ووضع قواعد لها ، لتكون الإسمنت الذي يوحد الجزائريين، إضافة إلى الاهتمام باللغة الأمازيغية .

 اللغة العربية التي يدافع عنها من يشتمونني في هذا المنتدى ، تسير نحو حتفها . هؤلاء الذين يتبجحون بالدفاع عن لغة «الضاد» يجهلونها جهلا تاما ، وهم لا يفرقون بين الفاعل والمفعول به ، ولا بين المضاف والمضاف إليه من جهة ، والصفة والموصوف من جهة أخرى . فباستثناء البعض من الجيل القديم ، فهذا الجيل لا يعرف من لغة شبه الجزيرة العربية شيئا .

  اللغة وشكل اللباس وأطباق المأكولات وطريقة الاحتفال بالمناسبات المحلية المختلفة... تعبر عن شخصية وخصوصية قوم معينين . الملاحظ للجزائريين في مدن وقرى وأرياف الجزائر يرى أنهم يرتدون ألبسة ليست لها أية علاقة بألبسة أجدادهم . هناك من يرتدي العباءة والعقال السعوديين ، وهو يعتقد أنه بارتدائهما يتقرب من الأماكن المقدسة ، ويصير أكثر إسلاما.

 في يوم وجدت شابا يرتديهما فقلت له : هل رأيت سعوديا يرتدي عباءة وعمامة جدك؟ أجابني : لا . قلت له : لماذا إذن أنت ترتدي ملابسه ؟ قال : تبركا بها ، لأن النبي محمدا كان يرتديها ! وهناك من يلبس القمصان البيضاء المصنعة في دول جنوب شرق آسيا والمستوردة من قبل السعودية والتي كان الحجاج يأتون بها ويوزعونها هدايا على الأقارب والأصدقاء والمعارف ، وهي تشبه أكفان الموتى ! وفريق ثالث يرتدي الألبسة الأفغانية والباكستانية ، ويعتقد أنها ألبسة مسلمة. أنا أقر بأن عباءتنا و عباءة السعودي أو الأفغاني أو الباكستاني كلها تعبر عن التخلف ، وإذا كان لا بد من الاختيار ، فأنا أفضل تخلفي على تخلف الآخرين . العباءة كانت تلبس فيما مضى قبل اختراع السروال والقميص القصير، وهي غير عملية تعيق مرتديها وقد تسقطه أرضا ، وعلى الإنسان أن يواكب التطور ولا يبقى متقوقعا .

 لماذا هذا العداء المرضي ضد الغرب المسيحي الذي نتمتع بمخترعاته من كهرباء ووسائل نقل واتصال ؟ لماذا نقبل طائراته وسياراته وبوأخره وأدويته ونرفض ملابسه ؟ يمكن أن نختلف مع الغرب في التحلل الأخلاقي والمبالغة في الحرية الفردية ، ولكن أن نعاديه في كل شيء فهذا مرض نفساني يجب معالجته .

يعتقد الكثيرون خطأ أن فرنسا أضرت بالشخصية الجزائرية أكثر مما أضر بها العرب. فرنسا عملت على تجهيل الشعب الجزائري وعدم تعليمه باستثناء أبناء الذوات والمتعاونين معها ، وكانت تشجع عبادة الأضرحة ولانغماس في الخرافات . أما الأفكار التي أتتنا من «إخوتنا» العرب فقد أحلت التطرف والتزمت محل التفتح والتسامح ، وخلقت وحوشا آدمية تقتل وتدمر وتحرق . جعلت الأمازيغي يتنكر لتاريخ أجداده وهو لا يعلم ذلك ! المنادون بالانتماء للعروبة يعللون ذلك بأن هذا العصر الذي نعيش فيه هو عصر التكتلات، ومن مصلحتنا أن يحتمي بعضنا بالبعض الآخر. هذا صحيح من الناحية النظرية ، ولكنه غير صحيح من الناحية العملية. منذ إنشاء جامعة الدول العربية في 1945 ، لم تحل مشكلة من مشاكل الدول العربية .

 وهي تتكون من أنظمة غير متجانسة ، تضمر السوء لبعضها البعض . وخلال الحرب الباردة ، كانت مجموعة منها تؤيد المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي ( الجزائر، اليمن الجنوبي، سوريا ، العراق ، ليبيا ،مصر قبل زيارة السادات لإسرائيل ، منظمة التحرير الفلسطينية ) ، والمجموعة الثانية ( دول الخليج ، الأردن ، المغرب ، اليمن الشمالي ،تونس ) ترتمي في أحضان المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية .وألاحظ هنا أن كل الدول التي كانت متحالفة مع المعسكر الشرقي حدثت فيها حرب أهلية ، بينما الدول التي كانت تسير في فلك معسكر العم سام لم يحدث فيها شيء باستثناء مناوشات في البعض منها.

 القضية الفلسطينية التي تعتبر القضية الأساسية لـ «العرب» لم تعمل من أجلها الجامعة العربية أي شيء . أين اتفاقية الدفاع المشترك التي صادق عليها أعضاؤها ؟ هل قدمت الحماية للبنان الذي تعرض للغزو الإسرائيلي سنة 1982 ؟ وتعرض بعد ذلك مرارا للقصف برا وجوا وبحرا من قبل الدولة العبرية . هل طبقت هذه الاتفاقية عندما تعرضت وتتعرض غزة للعدوان من قبل الصهاينة ؟ أين فلسطين التي تتغنى بها الأنظمة ؟ أين الجولان المحتل منذ سنة 1967 ؟ هذه الجامعة العبرية ( عفوا العربية ) صارت ألعوبة في أيدي مشيخات الخليج ، إذ أجبرتها هذه الكيانات كاسعودية قطر على إصدار قرار بتجميد عضوية سوريا فيها .

 وقبل ذلك وافقت على ضرب ليبيا . ما فائدة الجامعة العربية مادام أنها لم تستطع حل مشاكل «العرب» ،كالأزمة اليمنية والليبية والسورية ؟ أكثر من 90% من مشاكل لبنان سببها العرب ؟ من الذي يمول المنظمات الإرهابية في العالم «العربي » ؟ من الذي أنشأ « القاعدة » ؟ أليسوا هم السعوديون بأمر من أميركا وتعاون مع باكستان لطرد « الكفار السوفييت » من «أرض الإسلام » في أفغانستان أيام الحرب الباردة ؟ من صنع بن لادن ؟ ومن مول ويمول داعش وبوكو حرام والقاعدة في المغرب الإسلامي ؟ أليست السعودية وقطر والإمارات ؟ كل هذا تحت إشراف العم سام وأبناء عمومتنا الصهاينة .

كل من لم يرضخ للنظام العالمي الجديد يجب أن تكسر أضلاعه. أهذه هي العروبة التي تريدون للجزائر الانتماء إليها ؟ هذه العروبة التي لم تنتج سوى الخراب والدمار لأنها مصدر إسلام الدولار الملطخ بدماء الأبرياء في سوريا وليبيا واليمن والعراق ومصر والجزائر ولبنان وفلسطين . أنا ومثلي لا نكره العرب و لكننا نريد أن نكون « نحن » ، وإن تكلمت بالضمير المفرد أريد أن أكون « أنا» ، أن يكون لي وجود متميز عن الآخرين ، لي شخصيتي ، ولي تاريخي ، ولي تقاليدي ، ولي خصوصيتي . أنا مع إنشاء وحدة اقتصادية مع المنطقة الجغرافية المسماة «العالم العربي » لنتعاون ونعيش في سلام .

أختم مقالي هذا أيضا بكلام الكاتب كمال داود عندما سأله أحد صحافيي قناة فرنسية السؤال التالي « لماذا تتضامن مع القضية الفلسطينية ؟ هل لأن الفلسطينيين مسلمون مثلك ؟ ( ألاحظ بأنه يوجد فلسطينيون مسيحيون ) فأجابه : « أنا متضامن مع الشعب الفلسطيني ، ليس لأنهم مسلمون مثلي ، بل لأنهم بشر مثلي » ، وسأله سؤالا آخر وهو : « هل أنت عربي ـ مسلم ؟» ، أجابه : « العروبة والإسلام ليستا جنسية ، إنهما حضارة ، أنا جزائري »







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز