أحمد قويدر
ahmedkouider55@yahoo.fr
Blog Contributor since:
19 March 2014

 More articles 


Arab Times Blogs
جدل حول استخدام اللغة العامية في التدريس في الجزائر

في إطار استكمال الإصلاحات التي بدئ بها في بداية القرن 21، والتي كلفت بها اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية بقيادة السيد « بن زاغو» ، اقترحت وزيرة التربية الوطنية الجزائرية تدريس التلاميذ في المراحل الأولى للتعليم الابتدائي بالعامية الجزائرية . وحسب السيدة الوزيرة ، فإن التدريس باللغة الأم La langue maternelle يجعل التلاميذ أكثر استيعابا للدروس . وما أن أعلنت وسائل الإعلام عن ذلك ، حتى هب من يسمون « العربوـ بعثييين Arabo-Baathiste »، أي المنادون بالقومية العربية وأنصار بعث أمجاد العرب أيام عزهم ومجدهم ، هبوا إلى استنكار ذلك دون أن يقدموا حلولا منطقية لضعف التعليم في الجزائر.

يوجد فريقان أيديولوجيان في الجزائر متناقضان ، لكل منهما نظرته لمشروع المجتمع الذي يجب تطبيقه في الجزائر والذي يعتبر التعليم أساسه ، ولكل منهما حججه وأدلته التي يريد إقناع الشعب الجزائري بها . الفريق الأول ، يمثل «المعربين Arabophones » ، أي الذين تلقوا تعليمهم باللغة العربية ولا يحسنون الفرنسية ، وهم ينتمون إلى الطبقتين الدنيا والمتوسطة، هؤلاء يسيطرون على قطاع التعليم في مراحله الثلاث ، الابتدائي والمتوسط والثانوي ، وعلى شعب العلوم الإنسانية في الجامعة. وهم يرون أن الشخصية الجزائرية تقوم على دعامتين رئيسيتين : اللغة العربية والإسلام ، والمتطرفون منهم ينكرون الأصل الأمازيغي للشعب الجزائري . وحججهم في ذلك أن اللغة العربية والدين الإسلامي يعتبران عاملين أساسيين للوحدة الوطنية الجزائرية في إطار الأمة العربية والإسلامية . وهم يدعون إلى التعريب الكلي للتعليم والإدارة في الجزائر . وهم يناصبون الفرنسية العداء ، ويدعون إلى استبدال تدريسها باللغة الإنجليزية .

  ويعللون عداءهم لها بأن هذه اللغة منتشرة في عدد قليل الدول، كفرنسا وبلجيكا ومقاطعة الكيبك Québec Le في كندا وفي دول المغرب وبعض دول أفريقيا الأخرى ،وأن الفرنسية صارت متخلفة مقارنة باللغة الإنجليزية ، ومن جهة أخرى، فهي لغة المستعمر الذي أذاق الشعب الجزائري الأمرين .والحقيقة غير ذلك تماما . هم يعادون لغة موليير لأنهم تعرضوا للتهميش والاحتقار من قبل «المفرنسين Francophones» الذين كانوا ومازالوا إلى حد ما يسيطرون الإدارة الجزائرية ، خاصة المتوسطة والعليا منها .ويتهم «المعربون»« المفرنسين» بالعمالة لفرنسا ومعاداة العروبة والإسلام ، ويطلقون عليهم لقب «حزب فرنسا ».

  الفريق الثاني ، يمثل «المفرنسين » ، أي أولئك الذين تلقوا تعليمهم باللغة الفرنسية ولا يحسنون اللغة العربية ، بل أن بعضهم يتأفف من تعلمها. ينتمي هؤلاء إلى الطبقة العليا من المجتمع ، أي تلك الطبقة التي تسيطر على الإدارتين المتوسطة العليا وعلى مراكز اتخاذ القرار.

 هذا الفريق يرى أن أكبر خطأ ارتكبته الجزائر المستقلة هو تعريب التعليم ، لأنه أدى إلى تدهور مستواه ، وأجبر الجزائر على الاعتماد على متعاونين Coopérants من المشرق العربي ، وخاصة من مصر ، الذين كان مستواهم التعليمي ضعيفا ، إضافة إلى أنهم نقلوا أفكار التطرف والتزمت إلى الشعب الجزائري ، والنتيجة أن مستوى التعليم في الجزائر صار في الحضيض ، زيادة على أن تلك الأفكار التي لقنت للتلاميذ الجزائريين تولد عنها الإرهاب الذي عانت وتعاني منه الجزائر. وينفون عمالتهم أو تعلقهم بفرنسا ،بدليل أن أغلب الذين خططوا وحضروا وفجروا حرب التحرير الجزائرية كانوا «مفرنسين » ويجهلون اللغة العربية ، وكانوا قمة في الوطنية ومقت المستعمر الفرنسي .ويردفون إلى أن دفاعهم عن اللغة الفرنسية تمليه ظروف الجزائر الناتجة عن 132 سنة من الاحتلال ، حيث أن اللغة الفرنسية كانت إحدى غنائم الحرب Butin de guerre كما قال المرحوم كاتب ياسين .

 ويضيفون أن اللغة العربية هي وسيلة يمرر عبرها الخطاب الإسلاموي المتطرف الذي تبثه بعض الدول العربية كدول الخليج عن طريق وسائل الإعلام كالقنوات التلفزيونية بالعربية التي تسيطر عليها ماليا . كما أن الإنتاج العلمي والفكري بهذه اللغة ضعيف ، ويقتصر على الكتب الدينية التي أكل الدهر عليها وشرب التي تملأ المكتبات الجزائرية . أعود إلى قرار الوزيرة الجزائرية للتربية باستخدام اللغة العامية الجزائرية في المراحل الأولى للتعليم الابتدائي. حسب رأيي ، هذا القرار ارتجالي وغير مدروس . لماذا ؟

  أولا : العامية الجزائرية تختلف من منطقة إلى أخرى بعض الشيء لشساعة القطر الجزائري .

  ثانيا : العامية يقصد بها اللغة الأم La langue maternelle للتلميذ الجزائري ، وعلى هذا الأساس، فإن لغة التدريس ستختلف من منطقة إلى أخرى . منطقة القبائل ستدرس باللغة القبائلية ، ومنطقة الأوراس ستدرس باللغة الشاوية ، ومنطقة بني ميزاب باللغة الميزابية ، ومنطقة وهران باللغة الوهرانية ، ... وهكذا دواليك .

ثالثا : الدارجة الجزائرية خليط من الأمازيغية والعربية والفرنسية والإسبانية والتركية ، فكيف تستعمل لغة بهذا الخليط من اللغات في التعليم. رابعا : العامية الجزائرية ليس لها قواعد تضبطها تسمح لها بالتعبير عن المعاني بدقة .

كان الأحرى بالمشرفين على التربية والتعليم في الجزائر أن يفكروا جيدا قبل اتخاذ قرار بمثل هذه الخطورة . صحيح أن المدرسة الجزائرية ، بالمعنى الواسع، مريضة ، ولمعالجة هذا المرض ، يجب أولا تشخيصه ثم وصف العلاج . اللغة العربية الفصحى لم تعد صالحة للتدريس في الجزائر ، لأن لا أحد يحسنها . أغلب المعلمين والأساتذة لا يحسنونها ، ليس في الجزائر ، بل في كل العالم العربي . أما مستوى التلاميذ والطلبة في هذه اللغة ، فحدث ولا حرج . كان يجب على السادة المكلفين بتشخيص مرض المدرسة الجزائرية ووصف العلاج أن يقوموا بالآتي : محاولة وضع قواعد للعامية الجزائرية وتوحيدها على المستوى الوطني ، لتحضيرها كي تكون لغة المستقبل للشعب الجزائري ، ولتكون الإسمنت الذي يوحد الجزائريين . ولا يخفى على أحد أن دولا كمصر تستعمل لهجتها في التدريس منذ مدة طويلة .

 والمتابع للأفلام والمسلسلات المنتجة محليا أو تلك المدبلجة في كل من سوريا ومصر ، يلاحظ أنها ناطقة باللهجات المحلية . في انتظار ذلك ، تدريس المواد العلمية ، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الطبيعة والحياة ، باللغة الفرنسية ، وتدريس المواد الأدبية ، كالأدب والتاريخ والجغرافيا والفلسفة ، باللغة العربية الفصحى . إنشاء مدارس نموذجية لتدريس المواد العلمية باللغة الإنجليزية إلى جانب التدريس باللغة الفرنسية ، وهذا تمهيدا لإعطاء اللغة الإنجليزية دورا أكبر في التعليم في الجزائر ، باعتبارها لغة عالمية ، ولغة العلم والتكنولوجية والاتصالات . مصير بذرة اللغة العربية هو نفسه مصير بذرة اللغة اللاتينية التي ماتت وأعطت اللغات الفرنسية والإسبانية والإيطالية والبرتغالية والرومانية . هذه اللغات كانت من قبل لهجات محلية ثم تطورت لتصبح لغات علم وأدب . اللغة العربية ستعطي اللغات المصرية والمغاربية والخليجية والشامية وغيرها ، ولكن ذلك سيأخذ وقتا طويلا يقدر بمئات السنين .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز