د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا يلبس بعض الرجال البرقع والنقاب

  

كل الاحترام لبعض الناس الذين يكتبون، أو يعلقون على ما يقرؤون، تحت أسماء غير أسمائهم الحقيقية، أو كُنى يحبون أن يكنوا بها، وتكون رمزا لهم ولمواقفهم. بعض منهم لا يبوح باسمه الحقيقي لأنه يخشى على نفسه، أو على أهل له في المكان الخطأ. ذلك أمر مشروع ينبغي لنا أن نتفهمه ونقدره، وهو لا يتعارض مع شروط الدخول في حوار مؤدب وبناء مع الآخرين. الكلام الجميل أو المحايد يتقبله الناس من الآخر كائنا من كان، وليسمي نفسه ما يشاء. لكن الأمر يتغير تماما عندما يتخذ أحدهم الاسم غير الحقيقي، أو الكنية، أو الرمز، برقعا أو نقابا يلقي من ورائه قاذوراته على الناس. هناك، مع شديد الأسف، نفر من مرضى النفوس يطلقون العنان لقلة أدبهم، ولجبنهم عندما يحسبون أنهم مجهولون، فيخربشون، ويهربشون  بلا وازع أخلاقي، ، مثلا، يشتمون الكاتب مع أن الكاتب لا يعرفهم، ولم يشتمهم في مقاله، ويفعلون ذلك مهما قال الكاتب، فتعقيبهم في كل الأحوال هو مجرد شتائم على شخص الكاتب، لا غير. قد يكون من بين ما يريده مرضى النفوس هؤلاء هو أن تكون سفاهتهم مركز الاهتمام ، بدلا من موضوع المقال.

 

بعض الإخوة ينصحني بعدم الرد على هؤلاء لأن الرد عليهم يحقق لهم ما يريدون. أقول لهم أن الذباب لا قيمة له، لكن طنينه قرب آذاننا مزعج، ولا بد من مكافحته. نحن نكتب لنبني ثقافة الحوار، وليس لتكريس ثقافة الشتيمة، والتجريح. نريد من القارئ أن يتخذ موقفا من الموضوع الذي نكتب عنه، اتفاقا أو اختلافا، وليس استغلال المتاح له من المكان لإغراقنا بالشتائم الشخصية. القارئ، شأنه شأن الكاتب، من حقه أن يعبر عن رأيه في موضوع  أي مقال، وحتى بقسوة، بمقارعة الحجة بالحجة، والدليل بالدليل، والمعلومة بالمعلومة، فنحن لسنا في الشارع، وإنما على موقع الكتروني هو منبر لتبادل الرأي والحوار الحر. ولكن إن كان هناك من له رغبة في ممارسة الزعرنة، وعنده مسوغات لمثل هذا السلوك فليقم بذلك على المكشوف، وليس كشخص على وجهه برقع. ألا تتطلب الشجاعة أن تواجه خصمك بشخصيتك الحقيقية؟ إذا كنت خائفا، فمن يجبرك على الكلام؟

 

شخصيا، يسعدني الاختلاف أكثر مما يسعدني الاتفاق، لأن الاتفاق يغلق باب الحوار، بينما الاختلاف قد يكون نقطة انطلاق إلى وعي أعم وأشمل. الكتابة شجاعة، ورجولة، أما الفكر السياسي فسبحان من عنده الحق كله، ولديه الحقيقة كلها. أحيانا أميل إلى خلق المعاذير حتى لمن يتصرف مثل الذباب، فأقول إن مجال السياسة شائك، وحساس، فعبارة واحدة في سياق خطأ قد تثير حفيظة القارئ، مع أن ذلك لا يبرر لأحد المبالغة في ردة الفعل، والشتيمة المقذعة (والشتائم كلها طبعا باسم الحضارة. هم أصحاب حضارة، ونحن بدو) - وفوق هذا وذاك من وراء برقع ونقاب. طيب، ألا تعلمكم حضارتكم الشجاعةَ، أم أنها تربيكم على أن تكونوا مخنثين؟

 

ما يثير العجب هو أن حملة البرقع هؤلاء لا تجدهم يعلقون في سياقات سياسية فقط، فتعذرهم قليلا، بل ترى الواحد منهم ينط من موضوع إلى موضوع، و(عامل) حالو حكم يوزع العفارم على هؤلاء، والتوبيخ على أولئك، وهو اختصاصي في كل شيء، في السياسة، والعلوم، والتكنولوجيا، والأدب، والثقافة، والتاريخ، واللغة - باختصار إنه بحر العلوم، ورقيب على كل موضوع، وحكم على كل كاتب، فتراه يحشر أنفه حتى في بحث لغوي لأستاذ جليل، ويتعامل هناك بنفس قلة الأدب التي يتعامل بها في موضوع سياسي (حساس). ومع هذا فهو يخاف الظهور، ويغطي وجهه ببرقع.

 

لنأخذ مثالا بسيط، المقال الذي كتبه الأستاذ حسيب شحادة يوم 19 تموز 2015 تحت عنوان إطلالةٌ على ظاهرةِ انْقراض اللغات ومنها العربية. الأستاذ  شحادة معروف هنا بإسهاماته الإنسانية اللطيفة، والمبسطة، والقصيرة حول السلوك الأخلاقي الإنساني، ومرات عديدة يسهم ببحوث دسمة، موثقة بالمصادر. المقال الأخير، مثلا، تناول مسألة شائكة في مجال نشوء اللغات، وتطورها، وانقراضها، والعلاقة بين الفكر واللغة. وعرّج الأستاذ، من بين أمور عديدة، على اللغة العربية، ومشاكلها، والمخاطر التي تحيط بأفقها المستقبلي. أنا شخصيا أغراني المقال بتهيئة تعقيب مطول على بعض القضايا الكبيرة الأهمية التي أثيرت في المقال الممتع المفيد. التعقيب في نظري يجب أن يكون على المستوى العلمي المهني للمقال، وإلا فمن غير المعقول أن يشتبك أحد في الجدال في بحث علمي بهذا المستوى دون أن يهيئ حججه، وأدلته، ومصادره. أعتقد أن القارئ العادي يجب أن يشعر بالامتنان للدكتور حسيب شحادة لأنه وضع تحت تصرفه مادة علمية غزيرة، وثرية بالمعلومات هي ثمرة جهد طويل.

 

مع الأسف، أصابني الاحباط وأنا أزور صفحة المقال لأتمعن في دراسته، وأصابتني صدمة شديدة حين رأيت كيف يسيء الجهلة إلى كل ما له علاقة بالعلم والعلماء. أحد المعلقين من حملة البرقع، مثلا، يكتب تعليقا بعنوان "موضوع خرابيط"، ثم يستخدم في متن تعليقه تعابير من قبيل "طرح سخيف"! صدمة أكبر من التي تصيبني عندما أجد رد أحد السفهاء على مقال لي، فمقالي يحمل على أية حال طابعا سياسيا، والعربان عميان في السياسة. أنا لا أعتبر مثل هذا التجاوز الفظ  على رجل علم دفاعا عن اللغة العربية، بل جهلا وقلة أدب. المخلوق الهلامي يتحدث من وراء برقع، ولا ندري ما هي منزلته العلمية حتى يعتبر دراسة معمقة كهذه "خرابيط" و"طرح سخيف". الظاهر أنه يظن أن البرقع يضع علامة التساوي بين جاهل قليل أدب مثله وبين رجل عالم. هذا البحث أمامه فقط ليطلع عليه، ويتعلم منه، ويشكر الكاتب، ويسأله عما لم يفهمه، وهو قطعا لم يفهم شيئا. أما الحكم على البحث فليس من اختصاص شخص نكرة يسمي نفسه "عربي أبو النعلجة" (وتركيبة البرقع تكشف أنه ليس عربيا أصلا). تقييم هذا البحث هو من اختصاص أساتذة بدرجة بروفيسور. بعض الناس أثارهم ما قاله الباحث بخصوص إهمالنا للغة العربية، والرجل قال الحقيقة، فليس هناك بلد عربي، غير سورية، يستخدم العربية في مجال العلوم. وقال الحقيقة أيضا بخصوص اتكالنا على آية في القرآن المجيد تعد بالحفاظ على الذكر المنزل، لأننا لسنا متأكدين من أننا نفسر الآية تفسيرا صحيحا. وفي آخر المطاف لا يعفينا الوعد الإلهي من السعي للحفاظ على لغتنا، على العكس تماما. أما بخصوص اللغة العبرية فقد قال الرجل حقيقة يجب أن تخجلنا، فالعبرية فعلا عادت إلى الحياة بعد موت دام 1700 سنة مع أن هناك "دولة" واحدة ترعاها، بينما عربيتنا هي لغة إثنتين وعشرين دولة. والرجل عرض أمورا يمكن أن تناقش - لكن دائما بأدب. ثم إن هذا الباحث نشر قبل فترة قصيرة مقالا عن العنصرية في اليهودية (لمحة عن الأغيار في الشريعة اليهودية - بتاريخ 30 مايس 2015) فيه معلومات جريئة لا يعرفها إلا الباحث الجاد، ولا ينشرها إلا من قصده التنوير، وليس عرض موقف من هذا الدين، أو من تلك اللغة. ليذكر لنا القراء الكرام اسم كاتب واحد تجرأ وقال شيئا عن العنصرية في اليهودية، غير الكاتب المقصود. "تنويريو" العربان مشغولون بنبش تاريخ العلاقات الجنسية للبدو. يشتموننا ليل نهار باعتبارنا بدوا، وعربا، وبمسميات طائفية بغيضة، ثم بمجرد أن يقول أحدهم أن اللغة العربية مهددة بالانقراض يعلنون النفير العام بألسنتهم الوسخة.

 

أود أن اقول للأستاذ حسيب شحادة: يا أستاذ، لا تتوقع من الناس أن ينصفوا جهدك، إذ إنهم لم يفعلوا ذلك حتى مع الأنبياء الذين أنزلت عليهم الكتب.

 

يقلقني أن الأستاذ شحادة لم يرد على المتطفلين بغير نشر مصادر بحثه، ثم انقطع. أخشى أن يكون ذلك مؤشرا على أن موقع العرب تايمز قد خسر مساهما ذا قيمة خاصة، وثروة علمية كبيرة، وصار في مجال الموقع الآن سعة أكبر لحملة البرقع ولابسي الحجاب. وأود أن أسأل القارئ الجاد: ما رأيك؟ ماذا علينا أن نفعل؟ هل علينا أن نتوقف عن الكتابة، ونغادر كل مكان فيه ذباب؟ أم علينا أن نتحمل الشتائم من أناس جبناء بالفطرة، وذلك في سبيل أن نبقى في تواصل مع قضايانا ومع الناس الذين يريدون عن حق وحقيقة تبادل الفكر والرأي معنا؟ أم نكتب بعد كل مقال مقالين عن مرضى النفوس، فنحقق لهم بعض ما يريدون، أي أن يصبحوا هم مركز الاهتمام وليس ما نكتب عنه؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز