عبد الحميد فجر سلوم
666
Blog Contributor since:
04 November 2011


 More articles 


Arab Times Blogs
هل امتداح الايجابيات في إيران يعني أنك مؤيدا لنموذج الحُكم ؟

** البعض لديهم حساسية خاصة جدا من إيران والسبب هو مذهبي صرف ، فلا يحتملون قول كلمة حقٍّ واحدة مهما كانت صحيحة وصادقة فيصبُّون جام غضبهم حتى دون أن يقرئون أو يتمعنون بجوهر الكلام وأبعاده ومعانيه !. ليس هذا بغريب عن العقل العربي الذي تساوى فيه الرعاع مع من يعتبرون أنفسهم (مثقفين) وبينهم وبين الثقافة ما بين أبا لهبٍ والإسلام ، وهم ليسوا أكثر من متعلمين وأشباه متخصصين في بعض الميادين العلمية أو الأدبية أو الفنية ... الخ ..

** ما فائدة المثقف والثقافة ، والمتعلم والعلم ، إن كان بلا رسالة اجتماعية تنقلُ المجتمع نحو الأفضل ، وباتجاه توعية الإنسان للخلاص من كل أشكال الجهل والتخلف والظلم ، والأمراض الطائفية والمذهبية والعشائرية والمناطقية أو الجهوية ، وكل أشكال الشمولية في الحُكم سواء كانت شمولية دينية أم غير دينية ، فكلها واحدة تقوم على الاستبداد والاستئثار بالسلطة والحُكم والقرار ، وبالتالي بثروات البلاد والعباد وتتسبّبُ بمزيد من التخلف والجهل ...

** ولكن مع ذلك قد تجدُ أنظمة حُكمْ قد تُصنّفُ شمولية ولكنها تعمل بشرفٍ وإخلاص وأمانة لخدمة شعوبها ، وتكون صادقة معها ومؤتمنة على خيرات بلادها ، وترى المسئول فيها يبدأ منصبهُ وهو لا يمتلك إلا بيتا متواضعا وسيارة متواضعة وراتبهُ ، ثم يغادر السُلطة وهو لا يمتلك إلا بيته المتواضع وسيارته وراتبهُ !!.. أخبروني عن مسئول في بلد عربي غادر السلطة وهو لا يمتلك إلا ما كان لديه قبل السلطة ؟؟. بل أساس الصراع الدموي في البلدان العربية للوصول إلى الحُكم ، وكل أشكال النفاق والدجل والكذب والتمسيح لأهل السُلطة والنفوذ بداخل البُلدَان ، هو لأن الظفر بمنصب ماْ يعني الظفر بالثروة والمال !. يعني الثراء بالطرق غير المشروعة مع غياب كل أشكال المُحاسبة ، لان الكل من بعضهِ والكل فاهم على الكل !.. فالوصول للسلطة والمنصب يعني الحصول على قطعة من الكعكة بحسب المنصب والمركز ، وهكذا يكون جميع من يتقاسمون الكعكة ، وينالهم منها ما فيه القِسمة والنصيب ، متكافلين متضامين في الدفاع عن حصصهم ومصالحهم ، تحت تسميات برّاقة وعظيمة من وطنية وحب الوطن !!. هل من هؤلاء المُحبين للوطن بأحاديثهم وكلامهم لم يكن بالأساس فقيرا وبفضل (حبه) للوطن صار ثريا ؟؟. لا نطلب منهم التضحية بفلذات أكبادهم من أجل الوطن (ولا أعتقد أن هذا سيحصل) ولكن ليُضحِّي كل منهم بنصف ثرواته المنقولة وغير المنقولة ويتبرّع بها للدولة أو للوطن الذي يحبهُ !. بل ليأتوا بالأموال الموضوعة بالبنوك الخارجية ويضعونها في مصارف الدولة !.. ** لستُ من المُغرَمين بأي شكل من أشكال الحُكم الشمولي ، وخاصّة حينما يكون ذا لونٍ ديني أو مذهبي !.. ومن هنا يمكنني القول أنني لستُ مُغرَما بنظام الحُكم في إيران ، ولا في السعودية ، ولا بأية آيديولوجيات دينية لأنها جميعها شمولية وإقصائية ، وإيماني أن الدين لا يجوز إقحامه بالسياسة ، ولا يجوز لرجل الدين أن يتجاوز حدود دوره الديني الواعظ في المجتمع إلى درجة الانخراط بالعمل الحزبي والسياسي ، فهذا يحتاج إلى المناورة والتحالف والتحايل وأحيانا الكذب والنفاق والخداع ... إلى آخر هذه المعاني التي لا تليق برجل الدين كصاحب رسالة سماوية نقية صافية لا يجوز أن تشوبها ولا تشوهها الطموحات الدنيوية !.. فكم يبدو لي منظر رجل الدين غير واقعي وهو يتحدّث كرجل سلطة وسياسة ، أي يجمع المجد من الطرفين ، من الطرف الديني ومن الطرف الدنيوي ، وبهذا يكون رجل الدين شخصا (محتكرا ومتاجرا) بالدين بهدف السُلطة والجاه والوجاهة والنفوذ !.. وإيماني أن هذا تعدٍّ من رجل الدين على السياسة ، فإما أن يعمل بالحقل الديني في المجتمع ، وإما أن يخلع لباسه الديني ويغادر صفتهُ الدينية ثم يعمل بالسياسة !!.. فالأمران لا يتفقان مع بعض !..

  ** وبطبيعة الحال كم كتبتُ من المقالات أؤكد فيها على رأيي الذي يترسخ أكثر كلما تابعتُ مصائب وكوارث هذه الأمة ، وهو أنه لا خلاص لها ولا منقذا لها ، إلا بالعَلمانية الإيمانية التي انتهجها الغرب بعد حروبٍ دينية طاحنة أكلت الأخضر واليابس ، وأقلها في الإمبراطورية الجرمانية القديمة التي تناقص عدد سكانها من عشرين مليون إلى ثلاثة عشر مليون بسبب الحروب الدينية ، حتى أنهم أباحوا للرجل بالزواج من أكثر من امرأة بسبب نقص الرجال الذين حصدت أرواحهم الحروب ، وكثرة النساء !.. العَلمانية بشكلها الإيماني والديمقراطي والتعددي والتداولي وحدها هي من أنقذَت أوروبا ... ووحدها هي من ينقذ العرب والمسلمين ، ومن هنا كان تأكيدي دوما أن يبتعد رجال الدين عن السياسة وأن يتم الفصل بين قوانين الدولة المتغيرة والمتطورة وبين المُسلّمات الدينية التي لا يمكن أن تصلُح نظام دولة !..

** ولكن رغم كل ذلك فحينما أمتدحُ نظام الحُكم في إيران ، فلا أمتدحهُ لقناعتي بنهجه الديني ودائرته الإسلامية التي لا يمكن العمل من خارجها ، وإنما امتدحهُ للتندر على حالة العرب ، ولأنه نقل إيران نقلة نوعية بزمنٍ قصيرٍ لتُصبِح قوة إقليمية يحسبُ الجميع لها حسابا !.. وهذه مردّها إلى ما يلي :

أولا : هذا الشكل البسيط من الديمقراطية (فلا أحسبُ انه مسموحٌ في إيران بأية أحزاب تعارض النهج الإسلامي للثورة وتطالب بنظام عَلماني ) قد ساهم بشكلٍ كبيرٍ في ارتقاء إيران ، لأن أي شكل من أشكال الديمقراطية والتناوب على السلطة هو أفضل بمليون مرة من الأنظمة الشمولية التي فيها الحُكم من القصر إلى القبر !. ولذلك فحتى (الشمولية الإسلامية) في إيران فيها مؤسسات دولة وفيها مُتّسعٌ من الديمقراطية تسمح بالتداول على السلطة من خلال صناديق الاقتراع ، وكذلك تغيير البرلمانات ، والبرلمان سلطة تشريعية ورقابية حقيقية لا يمكن تجاوزه ،، فأين هذا موجود في بلداننا العربية !.. لقد لاحظنا اختلافات الرأي في إيران من الاتفاق النووي ، كما هي في الولايات المتحدة ، ولكن من يجرؤ أن يخالف حاكم عربي في رأيه ويقول له لا أتفق معك في هذا الرأي أو ذاك إلا إن كان هاربٌ خارج وطنه ؟؟. لو وقفَ أي حاكم عربي وقال سوف أعلن الحرب غدا على إسرائيل لصفّقَ له الجميع ، وإن وقف باليوم التالي وقال سوف أعلنُ غدا الصلح مع إسرائيل لصفقت له نفس الأيدي أيضا !.. وهنا المصيبة الشعوب العربية مُغيبة ومُسيَّرة كما القطعان فلا موقف ولا رأي لها بسب القمع والقهر المتراكم الذي زرعَ الخوف والرعب بأعماقها ، وشعوب مرعوبة من داخلها ومقهورة فهذه قد هزمتها أنظمتها وحكامها قبل أن يهزمها أعدائها !.. ولذا لم تعد تَفرِق مع هذه الشعوب حتى قضايا أوطانها لأنها تشعر أنها غير موجودة ولا إرادة أو مكانة لها بصنع مستقبلها ومستقبل أوطانها !.. وحينما تتمُّ مناشدتها ومغازلتها في أوقات الملمّات فقد لا تجدها ، أو تجدُ القليل من أبنائها ، لأن الأنظمة هزمتها مُسبَقا !.. فمن عاش طيلة عمره وكرامته مهدورة فكيف ستوقظُ بهِ كرامةً لم يعُد يشعر أنها موجودة !!. في إيران حتى هذا الشكل البسيط من الديمقراطية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية جعل المواطن الإيراني يشعر بوجوده وبقيمته وأهمية صوته !..

  ثانيا : في إيران توجد مؤسسات تحكمها معايير وتحترم الكفاءات والخبرات والتراتبية والأقدمية ، وليست الأمور شوربة كما في بلداننا ، فلا مكانة لك ولا مركزا أيٍّ تكن مؤهلاتك ومقدرتك إلا بمقدار ما أنتَ مدعوما !.. كم هو هذا تخريب للدولة ومؤسساتها في سبيل تنفيع المدعومين والمُقرّبين وتكفيرٌ للناس بدولتهم !.. هل سمعتم في إيران أن شوفير وزير الخارجية هو مدير مكتبهِ من دون أي مؤهل علمي وكلمته تعادل كلمة الوزير في وزارته ؟؟.هل شاهدتم وزير خارجية إيران يصطحب شوفيره كعضو رسمي في الوفد ويجلس بجانبه مقابل رئيس تركيا السابق عبد الله غول أثناء اللقاء ؟؟. هذا أمرٌ يستحيل حصوله ولكن في الخارجية السورية كان هذا الأمر طبيعيا جدا ، وحتى اليوم كلمة الشوفير لا تصبحُ كلمتان مع أنه انتقل ليعمل بالسفارات ، ومن دون مؤهل علمي !!. تصوّروا لو كان هذا في إيران ويصل أمره إلى قيادات الدولة أو البرلمان ، فماذا كان سيحصل بوزير الخارجية ؟!..

ثالثا : في إيران لم نسمع أن شخصا كان فقيرا وبعد السلطة صار مليونيرا دون أية مسائلة !...

رابعا: في إيران عدة رؤساء سابقون أنهوا فترات حكمهم وجالسون في بيوتهم ، فكم بلد عربي يشبه إيران في ذلك ....

خامسا : في إيران يشجعون الكفاءات والمؤهلات العلمية ويحترمونها ، ولكن كم بلد عربي يفعل ذلك ؟؟ بل في مكان عملي السابق يتم استهداف كل من هو مؤهل ومقتدر وصاحب خبرة ، ويسعون لتحطيمه بكل السبل من دافع الغيرة والحسد أو الطائفية والمذهبية والجِهوية !.. تعرّفتُ على سفراء إيرانيون كثُر ودبلوماسيين ، ولم أرى أن واحدا بينهم قد جاء من خارج السلك لأنه مدعوم ولا يعرف كلمة بلغة أجنبية بالدنيا ، بينما أبناء السلك والمهنة مُهمّشين ومُهانين ثم مقصيين إلى بيوتهم رغم الحاجة لهم ولخبرتهم ، ولكن ألا تريدون أولا مسئولين يفكرون بمصلحة الوطن كما المسئولين الإيرانيين !!.. كم وزير خارجية تعاقب على مدى 35 سنة في إيران ، وكم وزير خارجية تعاقب في سورية مثلا على مدى 46 عاما !!..

 في سورية وزيرين والثالث ما زال على رأس عمله ، أما في إيران فلا يمكن إحصائهم !!..السفير في إيران له فترة زمنية محددة ليفسح المجال لغيره لأن المناصب غير مُخصّصة أما عندنا فلا يوجد سقف زمني لذلك وهو خاضع لمستوى الدعم والمحسوبية ، ولا يهمُّ في الوطن سوى أهل الدعم والمحسوبية !!. هكذا يشعر الناس أن الدولة للجميع وليست فقط للمدعومين وأهل النفوذ والسلطة، وبالتالي تتأجج مشاعرهم الوطنية حماسا كل يوم ولا يُصابون باليأس والإحباط من شعورهم بأنهم غرباء في وطنهم !!..

  ** لا أريدُ التوسع في المقارنات ، ولكن حتى لو كان هناك من يكرهُ إيران بسبب سياساتها ، أو لا يحب نهج الحُكم الإسلامي بإيران ، فالموضوعية والمنطق تقتضي الاعتراف بأن إيران نجحت داخليا وخارجيا أكثر من العرب بألف مرّة ، لأن المسئولين في إيران ، وحكومات إيران المتعاقبة كانت تفكر بمستقبل شعبها ووطنها والسلطةُ هي سبيلها وليست غايتها ، واشتغلت بشرف وجدٍّ وكدٍّ وأمانة وإخلاص ونظافة يدٍ لأجل شعبها ، ولم تأتي ليغتني أعضائها ومسئوليها ويجمعون الثروات والمال لهم ولأبنائهم إلى وِلد الوَلد ،، ثم يبيعونك وطنيات !!. ولكن مع ذلك فلا إيران ولا دولة في العالم يمكنها أن تبلغ الكمال ، ولكن يا ليت في الدول العربية تداول للسلطة كما إيران !.. ها أنتم تشاهدون رئيسا في الجزائر على كرسي متحرك لا يستطيع أن يقف ليستقبل ضيفا أو يلقي كلمة ، فهل هذا معقول ؟؟!.. كيف ما بدها الناس ا طّقْ براغيها وتصير متطرفة  ..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز