نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا: خرافة الحرب على الإرهاب

من الطبيعي جداً، والحال، أن تستحوذ موجة الإرهاب الدولي (الثورات)، التي تعصف بالإقليم منذ أكثر من أربع سنوات على هذا القدر من الاهتمام والمتابعة على غير صعيد دولي وإقليمي، وبغض النظر عمن يقف وراء ذاك الإرهاب “الثورات”،وخلفياتها التضليلية، وحيث يزعم بأن ناره وصلت إلى “دشاديش” و”عباءات” ولحى و”سكسوكات” و”خشوم مشعليه وداعميه. وفي هذا الإطار، والمناخ، والأجواء المكفهرة، يـُعقد في العاصمة السورية دمشق، في الفترة ما بين 24-25 تموز/ يوليو الجاري، مؤتمر دولي، برعاية من وزارة الإعلام السوري لمكافحة والتصدي لآفة ووباء الإرهاب الدولي.

وبغض النظر عن كل تلك البطولات والإنجازات الميدانية والعسكرية الباهرة والنادرة، التي سطرها رجال الجيش الوطني السوري الباسل البطل في ساحات القتال، وجـّـبوا، سوريا “هولوكوست”، ورعباً، حقيقياً وعمليات تطهير مذهبي وعرقي واسعة ومجازر إبادات جماعية كان مؤمـّلاً أن تغيـّر في الخريطة الديمغرافية والتوزع السكاني في سوريا، وما أظهرته “الجهات المختصة” والمؤسسات الوطنية السورية المعنية بالحفاظ على سلامة وأمن سوريا من خبرة ووعي وبصيرة في تجنيب سوريا ذلك كله هو مدعاة لفخر وزهو وطني، فإن ذلك يبقى حقيقة في إطار المعالجات الجزئية، والإجرائية الآنية والطارئة لوباء عالمي، يستلزم أكثر من مجرد مؤتمر، وأبعد من احتفالية وتجمع رمزي، وتضامن معنوي، قد لا يمتد إلا لساعات بعد انفضاض المؤتمرين وخبو الوهج الإعلامي المرافق للتجمع المذكور.

ويعتقد، تماماً، ومن خلال معرفة ودراية بالتركيبة والتوجه السياسي والخلفية الثقافية لرعاة المؤتمر، أن تبقى المعالجات في ذات الإطار القانوني والإجرائي والأمني التقليدي لوباء الإرهاب، دون المس بجوهر الإرهاب الجيني والوراثي، أو الغوص كالعادة في الجذور الإيديولوجية والثقافية والفكرية والتربوية له والتي ما زالت تعتبر بالنسبة لكثيرين كتابوهات مقدسة لا يجب الاقتراب والمساس بها بأية حال، وتحت أي ظرف، نتيجة لموروث تاريخي ثقيل وضاغط قد لا تسمح الحالة الراهنة بتفكيكه وإعادة هيكلته حداثياً بما ينسجم مع تطلعات المجتمعات الرازحة والمنكوبة بالثقافة التي لا تفتأ ولا تتوقف عن توليد الإرهاب وتفريخ الإرهابيين.

فأية مقاربة لموضوع الإرهاب دون الأخذ بالاعتبار جذوره التاريخية الموروثة وعمقه المعرفي وخلفيته الثقافية والتربوية والإشارة بوضوح إلى ارتباطه بالموروث الإيديولوجي وضرورة العمل مبدئياً على مواءمة هذا الموروث مع الحداثة ومزاوجته مع قيم العصر والتخلص من الكثير من السرديات المقدسة التي تتباها وترعاها ذات المؤسسات والهيئات والوزارات التي تشرف وترى المؤتمر، فلن تخرج المعالجة عن نطاق العبث وتضييع الوقت من دون أي جدوى وطائل.

فبالتوازي مع انعقاد هذا المؤتمر، هناك، مثلاً، وزارات سيادية في سوريا وغيرها، كالإعلام والتربية والثقافة والأوقاف والداخلية، لا تساهم استراتيجياتها، وأهدافها، وخططها المعلنة ومضامينها الإيديولوجية وسياستها اليومية المتكئة على ثقافات وافدة وغريبة عن المجتمع السوري وفاقدة الصلاحية، تحمل بذور وأجنة التطرف والإرهاب، وتتناقض، بالعموم، مع العلم والمنطق والعقل، إلا في إعادة إنتاج الإرهاب وبرمجة المجتمع والكتل البشرية المتفرعة عنه، وبأطيافها المختلفة، و”الضحايا” الكثيرة التي تتلقى جرعات يومية عالية من تلك الثقافة من مختلف مخرجات وأدوات تشكيل الوعي الجمعي على ذات النمط التقليدي وتدوير المجتمع والثقافة والخطاب بما يخدم ذات السياسة والتوجهات، مع شبه انعدام كامل، وغياب، أو لنقل، تغييب مقصود ومتعمد لأية ثقافة وفكر وطرح تنويري يستهدف النيل من، ونقد وتفكيك، الثقافة الرائجة التي تذهب فقط في اتجاهات تنمية وتهيئة الظروف المثالية لنمو التطرف والإرهاب.

وليت الأمر يتوقف ها هنا، فهذه العملية والاستراتيجيات الرسمية القاصرة، تساهم أيضاً، وعبر تبني خطاب وطني أحادي وتلميعه، في تأجيج واستفزاز وتسعير وتوتير مشاعر وحساسيات مذهبية وعرقية لدى أبناء ثقافات وتيارات فكرية أخرى تعيش تحت سماء الوطن وتتنفس هواءه، ما يساعد على نمو تطرف آخر، قد لا يكون محسوباً أو متوقعاً بحال. ومن أهم ما لوحظ عن مؤتمر مكافحة الإرهاب المزعوم، هو الغياب أو ربما التغييب، للتيار العلماني التنويري ورموزه الكبيرة داخل سوريا وخارجها، وهو المعني الأول والأكثر مصداقية وإرثاً نضالياً في التصدي للفكر الإرهابي التكفيري، ووبروز الحضور الكثيف والمكثف للتيار القومي العروبي البعثي التكفيري، ورموز النظام الرسمي العربي وأبواقه وبيادقه المسؤولين بشكل ما عن رعاية الفكر السلفي العروبي البعثي القومي الظلامي التكفيري، واحتضان التيارات الدينية ورعايتها وتلميعها لا بل والتحالف معها ودعمها على حساب باقي التيارات، والمكونات الوطنية الأخرى، ومن المعلوم أن هذا التيار الرسمي العربي التقليدي هو أكثر من مارس، ويمارس حتى اليوم، التكفير والإقصاء والتهميش والاستهداف المباشر حتى بلقمة العيش، ولعقود، بحق وضد التيار التنويري العلماني ورموزه وأعضائه وإقصائهم عن المشهد والواجهات والمجتمع خوفاً من، وتحسباً لـ، وتضامناً مع التيار السلفي العروبي البعثي التكفيري.

وطبعاً، وبالمطلق،ا لا نريد النيل من، أو مجرد التشكيك بصدق نوايا وجدية القائمين على المؤتمر ورعاته، وبعد هذه التجربة القاسية، المخاض المؤلم والعسير، غير أن القضية والإشكالية أكبر بكثير من مجرد مؤتمر دعائي واحتفالي، والمطلوب التصدي لغزو ثقافة الصحراء، وضربها في مقتل وتفكيكها والنيل منها، بمنهجية وعلمية، في القلب وفي الصميم، وبذا لا يزال الحديث مبكراً جداً عن تصد، وحرب، وهجوم مضاد حقيقي وجدي على جذور ومنابع الإرهاب الفكري.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز