نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
تركيا .. بين قلب الحزب المريض وقلب الجمهورية المريضة

مشكلة بعض الحالمين الذين تخيب توقعاتهم هي أن حياتهم تتحول الى تمثيلية تقلد الحلم المفقود وتحاول أن تعيش في أوهامه عندما تتعثر ولادته في المخاض الطويل .. ولكن للأسف فان تمثيل الحلم وتمثله وارغامه على الانصياع لهذياناتنا لاينزل به عن شجرة المستحيل وأقدار السماء بل يحول صاحبه الى رجل مجنون .. وأما مشكلة الممثلين الذين لايحققون أحلامهم في النجومية أو الذين يسقطون من على متن النجوم فهي أنهم يبالغون في حركاتهم وأدائهم التمثيلي لاقناع الجمهور بقدراتهم ولياقتهم ولفت أنظار المخرجين الى تفوقهم وامكاناتهم فلايقنعون أحدا الا بأنهم فعلا ممثلون فاشلون أو صاروا ممثلين فاشلين مثل جمال سليمان في أعماله الأخيرة الرديئة ..

الكارثة أن يكون هناك حلم فاشل لممثل فاشل مثل تركيا التي يختلط في سلوكها أداء الحلم الفاشل المستحيل والممثلين الفاشلين الذين يبالغون في حركاتهم وأدائهم التمثيلي حتى تحولت تركيا الى مسرح كبير يغص بالحالمين الفاشلين .. ووصل بعضهم الى حد المرض والهوس .. الممثلون والجمهور في حزب العدالة والتنمية معا يتبادلون التمثيل والحلم .. وسيدخل الجميع مرحلة المرض العضال الذي لابرء منه .. وفي هذا الجو المريض تحاول فرقة حزب العدالة والتنمية للأعمال المسرحية السياسية أن تمارس المزيد من الرقصات على المنصة لجذب الأضواء ولكن عندما بدا جليا ان العرض فشل خرج الممثلون عن النص المكتوب ونزلوا عن خشبة المسرح وانتشروا في الشوارع والأزقة المحيطة به ليخلطوا الحلم بالواقع ولتسول اهتمام العابرين ..

تركيا كما صار من البدهيات هي التي تمسك بأعصاب الحرب السورية لأنها تمسك بأعصاب داعش وجبهة النصرة وتمسك بخوانيق البغدادي والجولاني .. وتخص تركيا تنظيم "داعش" بالعناية الفائقة للعب دور "الجوكر القذر" الذي تلوح به حكومة العدالة والتنمية في المنطقة من العراق وحتى ليبيا مرورا بلبنان ومصر .. ولانبالغ ان قلنا بأن من يشق صدر حزب العدالة والتنمية فسيجد قلب داعش .. وكل من يقول عن مساكنة واتفاق عدم اعتداء بينهما يخدع نفسه لأن داعش غير قادر على الحياة من دون تركيا التي تضع يديها على عنقه وهي التي تمسك بكل خيطانه الخفية لأنها تعتبره القفازات القذرة السوداء التي تخفي بصمات اليد التركية في الأحداث في لعبة "الجوكر القذر" .. ففي الحروب تتوق الدول المتحاربة لارتكاب العمليات القذرة لتسهيل كسب الحرب فقتل المدنيين وترويعهم بالمجازر يشكل ضغطا نفسيا هائلا على الخصم وكسرا لمعنوياته وتشتيتا لقدرات جيشه ويرغمه على اتخاذ خيارات مهادنة وتنازلات كما تفعل اسرائيل في كل حروبها بقتل المدنيين وتدمير البيوت ليتشكل رأي عام ضاغط على خصمها بالتوقف عن "العناد المكلف" واستخدام الثمن المدني الباهظ لقلب الرأي العام ضد ارادة الصمود حتى النهاية .. وهذا أمر تفعله أميريكا والغرب في كل الحروب فاستهداف هيروشيما وناغازاكي كسر ارادة القتال في اليابان .. ومن هنا فان الدول التي تباهي باستعراض أخلاقياتها تكسب جيوشها الحرب بالوسائل القذرة دون الاعتراف بأنها تبارك جرائم الحرب .. ولذلك تجد أن الأميريكيين لم يكرموا الطيارين الذين ألقوا القنبلة الذرية على هيروشيما وناغازاكي رغم أن هؤلاء هم الذين حسموا الحرب .. وكذلك فان ملكة بريطانيا كرّمت جميع الجنود والفرق المقاتلة بعد الحرب العالمية الثانية ولكنها لم تجرؤ حتى الآن على تكريم أطقم القاذفات البريطانية التي أبادت وأحرقت المدن الألمانية مثل شتوتغارت ودرسدن لأن تلك العمليات لاتزال تعتبر عمليات قذرة رغم أن كسر شكيمة الألمان ومعنوياتهم كان في تدمير مدنهم وليس في تدميرهم في مدن الآخرين في ستالينغراد أو في العلمين .. ولكن في عصر صارت فيه الحروب تتابع مثل مباريات كرة القدم بشكل مباشر وحيّ صارت الجيوش مضطرة لانكار العمليات القذرة وارتكابها من خلف ستار لأنها أمر محرج وانتصار لايشرف .. ومن هنا صارت الحاجة ماسة لارتداء القفازات عبر استعمال المنظمات الارهابية من القاعدة وأخواتها وصولا الى داعش التي ترعاها تركيا بشكل مباشر وتحضن بيضها ..

لذلك عندما تريد تركيا أو الغرب ارتكاب عملية قذرة في اي مكان يتم تكليف داعش بها والتي تنفذ العملية علنا ودون حرج ودون ان يكون اتهام تركيا بالضلوع بالحدث مقنعا كثيرا .. فتذبح أمام العدسات وتفقأ العيون وتحرق الأحياء وتغرق الضحايا وتسبي نساءهم وتبيع البشر واعضاء البشر دون تهيب من اللوم لأنها أعمال ترتكبها منظمات هلامية لا أم لها ولا أب .. القفاز الأسود القذر التركي أو الجوكر التركي المسمى داعش يفيد تنفيذ الأهداف التركية في كل المنطقة .. وهو يضرب بعنف منقطع النظير البني المدنية بل يرغم المدنيين في مناطقه على الولاء المطلق له والقتال معه لأنه يستعمل سلاح الموت كأول العقوبات وليس آخرها .. وتدرج العقوبة هو في نوع الموت فقط ومذاقه .. وكما كان العثمانيون يتفننون في عرض قسوتهم في الساحات العامة بالخوازيق والتقطيع وسمل العيون بأمر الخليفة فان داعش تتبع نفس المنطق الذي نجح في قمع الشعوب التي احتلها العثمانيون وشل ارادة التمرد التي ترى الخازوق والعقوبات المفرطة القسوة بانتظار أحرارها .. وهذا في الحقيقة ماأطال عمر السلطنة .. وداعش تتبع نفس العقيدة العثمانية أملا في أن وحشية داعش ستشل ارادة السكان في التخلص من داعش والقبول بالقدر الداعشي .. الغرب لم يكن بعيدا طبعا ولم يمانع في أن ترتدي تركيا القفاز القذر وتلعب الجوكر القذر طالما أنه سيستأصل شأفة الاسلام ويهزمه في عقر داره بحجة داعش عندما تتداخل مسننات الاسلام مع مسننات داعش وتختلط مياه الاسلام بمياه داعش حتى يصعب فصلهما ..

تركيا دخلت مصر واليمن وليبيا وتونس وغزة علنا عبر الاخوان المسلمين وتسللت الى أعماق العراق وسورية وليبيا في ثياب داعش وعلى ظهر الدواعش وجبهة النصرة .. وكان الجيش التركي هو من ينفذ العمليات دون أن يظهر في الصورة ويرتكب الأعمال القذرة ويمارس السلوك العثماني القديم بأيدي الدواعش بينما تظهر يداه نظيفيتن عندما يخلع القفاز أو عند رفع البصمات عن السكاكين والسيوف وبقع الدم .. فلاتظهر بصماته في مواقع الجريمة في سورية والعراق وليبيا ومصر ..
الطموحات التركية الكبرى في سورية من المؤكد أنها انتهت وان لم تعلن تركيا ذلك .. وهناك قناعة تتسع في أوساط حزب العدالة والتنمية ومكاتبه العليا باستحالة اسقاط النظام في سورية أو الوصول الى الجامع الأموي في دمشق وأن مشروع أردوغان انتهى جنوبا .. حتى أقرب المستشارين لأردوغان صاروا في اتصالاتهم ينقلون قناعته بذلك ويقللون من سقف تمنياته وشروطه ويناورون في حدود الانسحاب التكتيكي وأثمانه .. ولكن مايحدث الآن حقيقة أهم من ذلك وهو أن تركيا تريد ايقاف نتائج مغامرتها في سورية دون أن تدخل تلك الآثار الى تركيا نفسها وذلك بابقاء التوترات خارج تركيا لأن الأخيرة اليوم قلقة جدا من التوتر الديني والصعود الكردي في داخل تركيا وهذا من الآثار الجانبية اللامتوقعة للحرب في سورية والتي لم ترصدها عينا اردوغان وهو يحقن الحدود بالحرب والتقسيم والتعصب المذهبي ..

فبعد هذه السنوات من استعراض العضلات التركي الأجوف ظهر الأسد قويا وظهر أردوغان ضعيفا وهو لايقدر على اتخاذ قرار الحسم دون اذن وتفويض وبدا في امكاناته الاقليمية محدودا وأهان تركيا وهيبتها وهي تحجم عن تنفيذ أي وعيد باسقاط دمشق رغم ملايين التهديدات حتى صار أردوغان ووعوده مثالا على الجعجعة الفارغة .. وفي هذا الجو من تراجع الثقة بالقيادة تكسرت القشرة الوطنية التركية وظهرت تناقضات المجتمع التركي وظهر على وجه الخصوص الأكراد الأتراك في لحظة ضعف حزب العدالة والتنمية عندما تعثر في سورية .. وخرج الأكراد الأتراك من حالة التقية السياسية في تركيا المخبأة تحت القشرة الوطنية ولن يعودوا الا بقطعة لحم كبيرة من جسد تركيا تمضغها كردستان تركيا ..

اليوم يكلف حزب العدالة والتنمية داعش بحماية وحدة تركيا بتأديب الأكراد عموما والأكراد الأتراك خصوصا الذين وبسبب سوء الحسابات التركية تحولوا الى كتلة سياسية نمت على ضفاف الأزمة السورية وشربت من مياهها وكان المقصود منها استغلالها لاسقاط الدولة السورية فاذا بالتهديد الكردي يقترب من الدولة التركية نفسها .. لأن جسد كردستان في الحقيقية هو في تركيا التي تحتل معظم كردستان عمليا .. ولو حصل الأكراد على كل مايريدون في العراق وسورية وايران فان لاشيء يعادل الجائزة الكبرى لهم في كردستان تركيا .. وبدون كردستان تركيا فان كردستان هي أذرع وأرجل بلا جسد ولا رأس .. واذا قلنا بأن من يشق صدر حزب العدالة والتنمية فسيجد قلب داعش فان الصواب ايضا أن نقول بأن من يشق صدر تركيا فسيجد فيه قلب كردستان النابض ..

عملية سوروج التي حاول حزب العدالة والتنمية تصويرها على أنها تحرك داعش ضده ورافقته مبالغة في التمثيل والتهديد والأداء والحركات البهلوانية لاقناع من بقي مشككا أنه حتى تركيا عدوة لداعش بدليل ارتفاع منسوب تهديدات داعش .. ولو كانت تركيا تخشى داعش لهرولت للتنسيق مع أهم جيش يواجه داعش وهو الجيش السوري وقررت مباشرة اقفال الحدود لخنق التنظيم وتركه تحت رحمة الجيش السوري ..

هذه العملية المدبرة في قلب حزب العدالة والتنمية دليل على أن حزب العدالة والتنمية قد وصل الى زمن المرض والحمى .. فالعملية التي وقعت في سوروج ليست موجهة ضد حزب العدالة والتنمية وان بدت وكأنها خروج محدود لداعش عن السيطرة .. وهي في النهاية تشبه عملية الريحانية التي لم يقم الممثلون الأتراك يومها بنفس الحركات التمثيلية والرقص بحجة الخطر على الأمن التركي .. بل هي في رأي المحللين الغربيين اما أنها من تدبير أجنحة متمردة في حزب العدالة والتنمية لاحراج القيادات الحالية لاستغلال الحدث ولتدبير انقلاب أبيض داخل الحزب أو أنها محاولة تركيا حماية نفسها بعد أن ظهر على جلدها طفح الفوضى وعلامات التفكك الرهيب .. والعملية هي رسالة من أردوغان بالذات للأكراد وعقوبة لهم وانذار بأن اي تحرك ضد الدولة سيعني اطلاق يد داعش بسمعتها الرهيبة بين الأكراد .. وسيعني بداية تحالف علني بين تركيا وداعش لمواجهة عدو مشترك بدليل أن تركيا وداعش يحاربان حزب العمال الكردستاني نواة كردستان تركيا القادمة .. وهي غاية التحرك التركي ..

العملية القذرة في سوروج تشبه السيناريو الذي تسرب من اجتماع سري عقده حقان فيدان مع داود اوغلو واقترح فيه اطلاق قذائف وصواريخ من الاراضي السورية نحو الأراضي التركية لتبرير تدخل تركي .. فكان البديل هو غض الطرف عن اختراق داعشي في سوروج .. وعملية سوروج علاوة على أنها محاولة يائسة لخلق أجواء حرب على الحدود لاعادة لم شمل الأتراك حول شخصية اردوغان وحزبه الا أنها ايضا ستبرر لأردوغان وعصابته هذه المرة تحركاتهم في الشمالين السوري والعراقي بحجة الاضطرار لمحاربة داعش بعد أن لسعت تركيا وبذلك يقوم الجيش التركي بخلق واقع صعب التغيير في قطاع جغرافي لفترة من الوقت يرتب فيه لاقامة كيان ما لمعارضة سورية ستخلع عنها ثياب داعش والنصرة التي ترتديها قبل أن ينسحب الجيش التركي ويسلمها مهمة الحفاظ على الأمن .. وأهم وظيفة ستكون مواجهة الاكراد وتشتيتهم واشغالهم بحرب بلانهاية مع كيان رمادي بين سورية وتركيا لايتبع أي دولة .. وستكون مهمة هذا الكيان محاربة الأكراد تحديدا وتشكيل مغناطيس لجذب المقاتلين الأكراد اليه ..

التمثيلية الفاشلة في سوروج تنضم الى قائمة المسرحيات الأردوغانية مثل مسرحية سفينة مرمرة ومسرحية دافوس ومسرحية توتر العلاقات مع اسرائيل ولكن هذه المسرحية الفاشلة بالذات هي الأكثر اخفاقا وتعتبر محفوفة بالمخاطر وأخطر تمثيليات حزب العدالة والتنمية التركي الذي صار يسمى بالحزب المريض .. ويقوده الرجل المريض بأحلامه .. الذي جعل تركيا مريضة حيث المجتمع يتفكك بين مشاعر كردية وقومية طورانية وبين مشاعر مذهبية للسنة وللعلويين بلغت ذروتها ..
اذا أكمل الحزب المريض مسرحية سوروج وأتبعها بمسرحية المنطقة العازلة فانه لاشك قد حفر قبره بيده ليس لأن داعش ستقتله بل لأنه يخلع قفازاته وسيجد أنه يدخل حقل الغام يتجنبه كل من عنده عقل .. فهل هناك هدية أثمن للأكراد ولكل أعداء تركيا من وجود الجيش التركي رسميا خارج حدوده حيث موسم الصيد سيكون دسما؟؟ وهل هناك من يجرؤ على اعلان منطقة حظر طيران في زمن انتهى فيه حظر الطيران بالاتفاق النووي مع ايران ومحورها؟؟ هل هناك من يصدق وعود المنطقة العازلة الا مجانين حزب العدالة والتنمية المريض؟ وهل يمكن أن يقدم الأميريكون على توريط أردوغان بالمنطقة العازلة والاحتكاك مع سورية لغاية تركية في نفوسهم ..؟؟

المشهد يكاد يقول بأن الحزب المريض وزعامته لم ينحرفا كثيرا عما يتوقع لهما مسارهما الانحداري ومدارهما المنحني وان تباطأ قليلا .. ويقول بأن مسرح اردوغان مقبل قريبا على عروض كثيرة وبهلوانيات ومبالغة في التمثيل لأن الفترة القادمة صعبة للغاية .. انني بانتظار المشهد القادم من المسرحية ومن ثم سأسترخي وأنا أنتظر المشهد الأخير على أحر من الجمر .. وبعدها سأقول لكم بالضبط متى سيسدل الستار على مسرحيات الحزب المريض كما أسدل الستار على الخلافة المريضة منذ مئة سنة .. واذا مات الحزب المريض او تم نقله الى مشفى المجانين وحجر عليه فان عصرا جديدا سيبدأ .. عصرا بلا داعش .. وعصرا بلا نصرة .. وعصرا بلا ممثلين فاشلين وبلا مسرحيات فاشلة .. وبلا معارضات فاشلة ..

لا أوهام ولانجوم مسرح .. ولن تبقى الا نجوم المقاومين الذين صمدوا دون تمثيل صمودا مذهلا .. وانتصروا دون أن يقفوا على المسارح وينتظروا التصفيق والمديح .. ان شققتم على قلوبهم طارت منها طيور الفينيق .. وأسراب من أرواح آلاف الشهداء ..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز