عبد الحميد فجر سلوم
666
Blog Contributor since:
04 November 2011


 More articles 


Arab Times Blogs
هل سيتعلم حكام العرب من إيران كيف يقودون شعوبهم

** هذا هو السؤال الذي يدغدغ اليوم مشاعر كل عربي داخل الوطن العربي وخارجه : هل سيتعلم الحكام العرب من إيران ؟ . نعم السؤال للحكام العرب وليس للشعوب العربية لأن البلوى والمصيبة هي في الحكام وليس في الشعوب الموءودة المغلوب على أمرها وليس لها إلا الله ورحمته !.. القادة العِظام في التاريخ لم يكونوا عِظاما إلا لأنهم عرفوا كيف يحترمون إرادة شعوبهم وينزلون عند رغباتها ، وعرفوا كيف يقودونها إلى طريق النصر والتقدم والازدهار ، ويحققون لها طموحاتها ..

** ستٌ وثلاثون عاما من الحصار المُطبِق على إيران كما يُطبِق القيد على المعصمين لم يقف عائقا أمام نهضتها التي فرضت احترامها على الدنيا برغم العداء الأمريكي والغربي الكبير ، وكافة أشكال التآمر على هذا البلد !.. وفرضت نفسها قوة نووية رغما عن أنوف أسياد العالم الذين لم يألون جهدا حتى لا يصلوا إلى الاعتراف بهذا الواقع ويتجرّعون العلقم ، ولكن الحقيقة كانت أقوى وأكبر منهم ، وكان عليهم الاعتراف واجتراع العلقم بنكهة النبيذ النمساوي الساخن !. فلماذا تمكنت إيران من تحقيق هذا الإعجاز الحقيقي مقارنة بما مرّت به من مخاطر وحروب واستهداف على مرِّ ستٍّ وثلاثون عاما ؟؟.

** أولا : لأن حُكام إيران استندوا قبل كل شيء على إرادة شعبهم واحترموا هذه الإرادة وأقرُّوا بمبدأ التداول على السلطة وعدم الاستئثار بها واحتكارها لعائلة أو فئة أو حزب أو طائفة أو للمقربين والأصحاب والأحباب والأهل والمعارف كما هو حاصلٌ في كل الدول العربية التي يزداد لدى شعوبها النقمة حينما تنظر إلى حكام العالم ومنهم حكام إيران كيف ينزلون عند رغبة الشعوب ولا يسمحون بنزف الدماء بين أبناء الشعب الواحد في عملية صراعٍ هدّامة من أجل السلطة ، والسلطة فقط ، وليس من أجل مصالح الشعوب ولا الأوطان ، فكل هذا هراء وذرائع واهية !.

** على الرغم من أن العملية الديمقراطية في إيران تسير وفق اتجاهٍ واحد ، أي لا تخرج عن إطار المفهوم الديني باعتبارها (ثورة إسلامية) بعيدة عن المفاهيم العَلمانية ولكنها مع ذلك وبهذا الشكل المتواضع والبسيط من الديمقراطية قد بلغت الُعلا !!.. فأي شكل من أشكال الديمقراطية يتم فيه التداول على السلطة كافٍ لأن ينهض بالشعوب عاليا وبخطواتٍ سريعة وواثقة كما شاهدنا في التجربة الإيرانية .. ودون ذلك يعني التخلف والفساد والإفساد والثراء غير المشروع ونهب ثروات الشعوب وتخزينها في بنوك الغرب وانعدام كل قيم الحرية والديمقراطية ، مما يعني طبيعيا انعدام العدالة وتكافؤ الفرص وتحويل الدول ومؤسساتها إلى إقطاعيات ومزارع ، وهذا بدوره يعني العداء للأنظمة والحكام وتراكم حالة العداء والشعور بالظلم والتحول إلى حالةٍ من القهر لا بُدّ لها أن تنفجر في أية لحظة ، كما شاهدنا في العديد من بلدان العرب ، والحبل على الجرّار ، كما يُقال !.. في إيران اليوم أربع رؤساء للجمهورية ، أحياء ، حكم كلٍّ منهم بإرادة شعبه ثمان سنوات (دورتين انتخابيتين) ثم غادر القصر بشكل حضاري وسلمي للرئيس اللاحق !.. فكم رئيس عربي فعل ذلك إذا ما استثنينا لبنان ؟. بل هل هناك من دولة عربية الحُكمُ فيها ليس من القصر إلى القبر ؟.

 وأحيّي بهذه المناسبة الجنرال عبد الرحمن سوار الذهب الذي انقلب على النظام في حينه بالسودان وتعهّد بنقل السودان إلى الديمقراطية ومغادرة السلطة ، وهذا ما فعله بغضون عام ، ليأتي بعد ذلك بسنين الحاكم الحالي للسودان ويفرض نفسه بانقلاب ثم يستمر بقوة البسطار وبأساليب الكذب والخداع والإدعاء بأن الشعب ينتخبه كي يبرر استمرار جثومه على صدر شعب السودان مدى الحياة ولحين ينقله عزرائيل إلى القبر !.. فهل هؤلاء حكامٌ يمكن أن نتوقع منهم شيئا لصالح شعوبهم إن كان همهم الأول والأساس هو التاج والسلطة والقصر وما يترتب على ذلك من حياة باذخة ، وما بعد ذلك كماليات لا حاجة للشعوب بها !!..

  ** وثانيا : لأن الحكومات الإيرانية المتعاقبة كانت حريصة كل الحرص على تطبيق العدالة الاجتماعية في مجتمعها ولم تستغل سلطتها للثراء وتكديس الأموال ، وتعمل بقاعدة : هبّت رياحك فاغتنمها واغسل فقرك وفقر أهلك للأبد ، على حساب أخيك المواطن ولقمة عيش أولاده ومستقبلهم ، فحازت على احترام شعبها رغم عدم رضاء نسبة منه عن النظام كله ، ولكنهم لا يستطيعون اتهام الحكومات بالفساد والثراء على حساب أبناء الوطن !.. وهل هناك من لم يعرف تواضع الرئيس السابق أحمدي نجاد وبساطة حياته !.. بل بساطة قائد الثورة الخامئني وكافة القيادات الإيرانية !.. هل تعلّم اصغر مسئول عربي قد يكون زار إيران مرات عديدة شيئا من هذا التواضع !.. كم عبّرتُ عن قرفي من المسئولين المغرورين المتعالين الفارغين الذين لا يجدون وسيلة لتعويض نقصهم إلا بالتعالي على الناس وتعريم الصدور وإغلاق الأبواب !..لو كانت هناك ديمقراطية حتى على النمط الإيراني كان مكان أولئك في أسواق الهال !..

** وثالثا : لان الحكومات الإيرانية لم تعمل بعقول كيدية صغيرة وتشخصن كل شيء وتحابي المدعومين والأهل والأقارب ، وتضعهم في مناصب ومراكز لا يصلحون لها على حساب الأكفأ والأقدر والأحق .. وبالتالي لم تفسح المجال لباب الانتهاز والتملق واللعق واللحس من أجل الوصول إلى مركز أو منصب .. فالكفاءة هي من تفرض نفسها !.. بينما يتفنن المسئولون ، أو بعضهم في الحكومات العربية بمحاربة كفاءات الوطن وتهميشها وإقصاءها ، والاعتماد على الطراطير الذي لا يصلحون طلابا عند من يتم إقصائهم ،،لأنهم لا يفكرون بمصلحة الوطن أولا !.. فمن أين سيأتي التطوير والتقدم إن كانت طباع المسئولين في الحكومات معادية للتطوير والتقدم !.. من أين سيأتي الخير إن كانت طباع الغربان والأنانية القاتلة هي من تتحكم بعقول المسئولين ، والشِعار " انا وأبنائي وانشالله بعدها الطوفان " !.. هناك من انتفخَ كرشه كما الطبل ، وانتفخ رأسه كما البالون لأنه سمع بأن أحدهم انتقدهُ وسادَ ومادَ السمُّ في دماغه والقيح في دمائه وتفنن بأساليب الحقد واللؤم والكيد والانتقام ، بينما حقيقة الأمر لم يكن يستحق الانتقاد فقط وإنما الدعس على رقبته لأن هناك من لا يتربون إلا كذلك، حينما يمارسون شرورهم وكيدهم ولؤمهم بلا حدود على الناس ويحاربونهم بلقمة أولادهم وكأن الدولة والمؤسسة ملك أبو اللي خلّفوه !.. فهل بهكذا عقول يمكن أن تعمر البلدان والأوطان ؟!.

  ** رابعا : كنا نتابع على الفضائيات الانتخابات البرلمانية في إيران بشكل حر وديمقراطي وشفاف فلا يصل إلا كل من يستحق ويحوز على ثقة الشعب وليس على ثقة الأجهزة فيُفرَضُ بالقوائم بينما لا تجد في محيطه الاجتماعي عشرة أشخاص يحترموه !.. هذا البرلمان يمثل شعبه بصدق وهو من يجب على رئيس الدولة أن يعرض عليه أسماء كل الوزراء المقترحين وتتم مناقشة أسمائهم واحدا واحدا ولا يتعين إلا كل من تشهد له كفاءته ومقدرته وليس انبطاحه وواسطته وقرابته وعشيرته وطائفته ومنطقته !.. فكيف لن تكون حكومات ناجحة وخادمة لشعبها ومؤتمنة على ثرواته !..

** خامسا : لأن إيران بنَت دولة مؤسسات حقيقية تسودها المعايير والقوانين والأنظمة الموضوعية والعادلة (وليست القوانين العنصرية كما المرسوم 4 في خارجية بلادي) ولم تبني مؤسسات شكلية فارغة من الداخل وتتحكم فيها الأمزجة والمحسوبيات وسائق المسئول وسكرتير المسئول ومُرافق المسئول ومدير مكتب المسئول ، والمسئول غارق بنرجسيته !.. مدراء مكاتب المسئولين في الدول العربية هم المسئولين الحقيقيين وهم من يتلاعبون بالمسئول كما يريدون ويديرونه كما يرغبون بالدسائس والنميمة ، ويعرضون عليه ما يرغبون ويحجبون ما يشاؤون ويبلغونه أيضا بما هم يرتئون ، أو لا يبلغونه !! فهم يعرفون أن المسئول غير معني بالتحقق من شيء وأن أبوابه مغلقة وهاتفه مغلق ولا يرد على أحد إلا المسئولين ، ولذا كيف سيعرف بحقيقة مدير مكتبه ، لاسيما إن كان سافلا وطائفيا وسِخا من نوعية من عرفناهم في مراحل كثيرة من عملنا !.. أحد الوزراء في مكان عملي سابقا بقي عشرون عاما ولم يتعرف على كوادر وزارته ، أو يلتقيهم ، فنرجسيته لم تسمح له بذاك التواضع ، وكان يلعب به أي مدير مكتب بجانبه ومنه يأخذ تقييمات الناس ، بينما (مدير المكتب) أول من يحتاج للتقييم من أصغر الناس !.. أحد مدراء مكتب ذاك الوزير قال لي حرفيا : بإمكاني أن أجعل الوزير ينط وما يحط بأي وقت !.. وبعد ذلك ارتقى الوزير في المنصب نحو الأعلى ، ومدير مكتبه ذاك أصبح يشغل منصبا كبيرا في الجامعة العربية ومنذ الأسابيع الأولى كان الموظفين التابعين له يصرخون : ما عندكم بسورية غير هالمجنون ؟. هذه معلومات سمعتها من بعضهم مباشرة وليست اختراعا !.. كم من مدراء المكاتب عديمي أدب وتربية حينما يتحدّث معهم المواطن ، وكم منهم من هو في غاية التهذيب واللباقة وتخجل من لباقته وتهذيبه !.. وكم كنتُ أتمنى لو كان مدير مكتب أحد الأصدقاء القدامى في مكان عملي السابق من النوع الثاني !..

** هناك من يمتدحون إيران في العالم العربي ولكنهم لم يتعلموا شيئا من تجربة إيران الديمقراطية والسياسية والبرلمانية والاقتصادية والاجتماعية ،،، الخ .. تماما كمن يمتدحون الإسلام وقيم الإسلام ولكنهم لا يطبقون منها شيئا !! فماذا نسمِّي ذلك ؟؟. تتباهى القرعة بشعر جارتها !.

** لا يعنيني ما هو موقف العرب وما هو موقف إسرائيل وغير إسرائيل من الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الدول الست ، فهذا موضوعٌ آخرٌ وقد كتبوا عنه الكثير ، ولكن ما يعنيني هو هذا الصمود الإيراني وهذا التقدم الهائل الذي حصل في ظل أوضاع وظروف نعيها ونعرفها جميعا على مدى ثلاثة عقود ونيِّف وكان الفضل فيها للأسباب التي أشرتُ إليها أعلاه ، فهل سيتعلم حكام العرب من إيران كيف يقودون شعوبهم نحو الانتصار وليس الانتحار ؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز